أعداء الله يمكرون بالإسلام ورسوله والمؤمنين لكن مكر الله أكبر وأسرع من مكرهم
باب الريان
06 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا}:
إن أعداء الله من المشركين الكافرين بالله ورسالاته، يمكرون بالإسلام ورسوله والمؤمنين من حوله مكرا، ويحتالون لإيذائهم في أنفسهم وأموالهم وكل ما يستطيعون من قوة، والله تعالى غير غافل عنهم، ولا ساكت عليهم، بل يجازي مكرهم بمكر، وكيدهم بكيد، وإن كان مكر الله أكبر من مكرهم، وأسرع من مكرهم: {قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} [يونس:21]. وقال تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف:182].
{فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}:
أي لا تشتغل بالانتقام منهم، ولا تدعُ عليهم بالهلاك، أو لا تستعجل به، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
فإن الإخبار بتولِّيه تعالى لكيدِهم بالذات، بما يوجب إمْهالهم، وترْك التصدِّي لمُكايدَتِهم قطْعًا.
{أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}: أجّلْ أمرَهم قليلًا، ولا تعْجَل عليهم، وترقّب ما وعَدك الله من نصْر، وما أوْعدَهم من هلاك، وثقْ أن الله ناصرُك، ومُظهر دينك على الدين كله، ولو كره المشركون، وترى ماذا أحل الله بهم من العذاب والنكال والعقوبة والهلاك، كما قال تعالى: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان:24].
وما ينزل بالكافرين هنا ليس على مجرد كفرهم، فهذا حسابه عند ربهم في الآخرة، ولكن ما ينزل بهم إنما هو لظلمهم وبغيهم على المؤمنين، فهم ليسوا مجرّد الذين كفروا، بل الذين كفروا وظلموا. فهو كفر عُدواني يحمل الشرّ والأذى للناس في طبيعته؛ لذا قال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة:254].
وفي ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسكين لقلبه، وملؤه بالاطمئنان والسكون إلى أنّ العزّ له، والنصرَ قريبٌ منه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
سورة الأعلي
بسم الله الرحمن الرحيم
{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)}
السورة مكيّة، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بها وبسورة الغاشية في صلاة العيد.
وهي تتضمن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتسبيح باسم ربه الأعلى، ووصفه بما يستحقه من الصفات العُلى، والأسماء الحسنى، ثم ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه سيُقْرئه هذا القرآن فلا ينساه، إلا ما شاء الله أن ينسيه، وأنه يعلم الجهر وما يخفى، وييسره لليسرى.
كما أمره بالتذكير الذي هو دأبه ورسالته دائما، وإن كان تذكر القوم بعيدا، ولكن من يخشى الله سيستفيد وسينتفع {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى}.
ثم يبين القرآن أن الفلاح والفوز في الآخرة إنما هو لمن تزكى، تزكى إيمانيا وأخلاقيا، وزكاة نفسه هذه إنما تكون بذكر الله والصلاة.
وأخيرا يعلن القرآن هذه الحقيقة: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} وهذا هو ما يشغل عموم الناس: أن يقدموا أمور الحياة الدنيا ومطالبها، مع أنهم إذا قارنوها بالآخرة، كانت الآخرة خير وأبقى.
والحقيقة الأخيرة أن ما قرره محمد في دينه ليس جديدا، وإنما هو أمر قررته الأديان السماوية السابقة، وقرره الأنبياء الكبار في صحفهم وكتبهم كما في صحف إبراهيم وموسى.
إن هذه الرسالة تصدق الرسالات السابقة؛ فهي تتضمن تسبيح الرب الأعلى وتنزيهه، والإشارة إلى وحدانيته، وعلى تأييد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وتثبيته وإقرائه القرآن، وأن الله سبحانه آتاه شريعة سمحة ميسرة، وكتابا يذكّر الناس، فلا يعرض عنه إلا أتباع الدنيا المتكالبون عليها. وإن رسالة محمد هي اتباع للرسالات الأولى.
{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}:
الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، المنزل عليه القرآن، ولكل من يتأتى خطابه معه، وهو أمر من الله تعالى بتسبيح اسمه عز وجل. والتسبيح إحدى المعبرات الأربعة عن كمال الألوهية، كما يصورها القرآن العظيم، وهي: التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، وهي التي يعبر عنها بالكلمات الطيبة، أو الباقيات الصالحات، التي تتمثل فيما جاءت به الأحاديث الصحاح: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر».
فـ(سبحان الله): تنزيه له تعالى شأنه عما لا يليق بجلاله وكماله.
و(الحمد لله): وصف له بالحمد الذي بدأ به كتابه وافتتح به سورة (الحمد).
و(لا إله إلا الله): إعلان لحقيقة التوحيد الذي يبطل كل ما سوى الله مما يعبد ويقدس، فلا إله غيره، ولا معبود سواه.
و(الله أكبر): إعلان عن عظمته وعلوه على كل ما سواه، وكل ما سواه إنما هو مخلوق له، يجري بقضائه وقدره.
اهتم القرآن بالتسبيح؛ لأنه تنزيهٌ لله عن كل النقائص والمحذورات التي ألحقها به المشركون الذين ينكرون النبوة والرسالة، والمحرفون الذين ثبتت عندهم الرسالة، ثم شوهوها وحرفوا كلمها عن مواضعها، فنسبوا إلى الله الأبناء والأولاد، ونسبوا إلى الله التشبه بالخلق، ونسبوا إليه كثيرا من النقائص، ولكن القرآن أثبت له التسبيح على ألسنة الملائكة الذين {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة:32].{فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت:38].
وعلى لسان الرسل والأنبياء: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:78].
{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} [المائدة:116].
{وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف:143].
وعلى لسان المؤمنين جميعا، كما قال تعالى عنهم: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:191].
وعلى لسان الله تبارك وتعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ*وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ *وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الصافات:180-182].
جاء القرآن بالتسبيح في كل صيغه، وبدأ به سورة الإسراء، فجاء به في صيغة المصدر، كما في سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء:1].
وجاء بالتسبيح في صيغة الفعل الماضي: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحديد:57].
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر:1]. وكذلك في مفتتح سورة الصف.
وجاء في صيغة الفعل المضارع، كما في بدء سورة الجمعة: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجمعة:1]. وكذلك بدء سورة التغابن: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التغابن:1].
وقد جاء القرآن في بدء هذه السورة بفعل الأمر: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، ليبين لنا القرآن أن الله تعالى يُسبَّح بكل صيغة، في الماضي والحاضر والمستقبل، وبالأمر والمصدر، حتى إننا نبدأ صلاتنا بالتسبيح: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك» كما قال تعالى في سورة الواقعة: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:74].
وروى الإمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}، قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في ركوعكم»، فلما نزلت {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، قال: «اجعلوها في سجودكم» رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجه.
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، قال: «سبحان ربي الأعلى».
وقال القرطبي: يُستحبّ للقارئ إذا قرأ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، أن يقول عقبه: «سبحان ربي الأعلى». قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله جماعة من الصحابة والتابعين.
ومعنى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} أي: عظّمْهُ، ونزّهه عما لا يليق به، نزّه اسم ربك عن الإلحاد فيه بالتأويلات الزائفة، وعن إطلاقه على غيره بوجهٍ يُشعر بتشاركهما فيه، وعن ذكره، لا على وجه الإعظام والإجلال، نزّهه عن النقائص والغِيَر، وعن كل ما يقوله المشركون والمحرفون، ونزه اسمه تعالى أن يسمى به صنم أو وثن، أو نزه اسم ربك عن أن تذكره إلا وأنت خاشع.
هذا إذا أخذنا بظاهر اللفظ، وهناك من يقول: إنما المرادُ بالاسم هو المُسمَّى، والمراد: عظّم ونزّه ربك الأعلى، وذكر الاسم قصد به تعظيم المسمّى، كما قال لبيد:
إلى الحَوْلِ ثمَّ اسمُ السّلاَمِ علَيكُما *** وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كاملاً فقدِ اعتذرْ
وروى نافع عن ابن عمر: لا تقل: (على) اسم الله؛ فإن اسم الله هو الأعلى.
ومن هنا صحت الأحاديث المرفوعة والموقوفة أنهم كانوا يقولون: «سبحان ربي الأعلى».
وهذا كله يدل على أن الاسم هو المسمى؛ لأنهم لم يقولوا: «سبحان اسم ربي الأعلى».
و{الْأَعْلَى} في الآية: صفة للرب عز وجل، وهو الأجلى والأظهر، وبعضهم قال: صفة للاسم، والدليل على الأول قوله تعالى في سورة الرحمن: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن:78]. لم يقل: (ذو الجلال والإكرام)، فيكون وصفا للاسم، بل قال: (ذي الجلال)، ليكون وصفا للرب، بخلاف قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن:27]. فكان الوصف للوجه، والوجه هو الذات.
{الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}:
الله تعالى هو الخالق لكل شيء، وقد أشار إلى ذلك منذ أول آيات أنزلت من القرآن: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق:1-2].
وهنا تشير الآيتان اللتان معنا إلى خلق تكملة التسوية، وتقدير تكملة الهداية، فهي حقائق كونية أربعة تدل على وجود الله تعالى، وعلى تأثيره وتدبيره لهذا الكون الفسيح، الذي خلق كل شيء فيه فسواه، والذي قدر كل شيء فهداه.
لهذا وجدنا القرآن يشير إلى التسوية بعد الخلق، كما في خلق آدم أبي البشر، فقد خلقه من طين، ثم سواه لينفخ فيه من روحه، ويُسجِد له ملائكته، كما قال تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر:29].
وعني القرآن بذكر التسوية في مخلوقات الله الكثيرة، ومنها الإنسان: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار:6-8].
وعرض ذلك في سورة السجدة، حين حدثنا عن خلق الإنسان: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة:7-9].
كما حدثنا القرآن عن الهداية العامة التي جعلها الله مكملة للتقدير الإلهي، الذي قال الله فيه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49]. { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:2].
فهذا التقدير الإلهي العجيب الشامل يُتمه ويُكمله هداية الله العامة الشاملة أيضا، وهو ما عبر عنه قول الله تعالى: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50].
{وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى}:
«المرعى»: النبات والكلأ الأخضر، قال الشاعر:
وقد ينبتُ المرعى على دِمَن من الثرى ... وتبقى حزازاتُ النفوس كما هيا
والغثاء: ما قذف به السيل على جوانب الوادي من الحشيش والنبات والقماش، وهو ما على وجه الأرض من فتات الأشياء.
والمعنى: أي الذي أنبت من جميع صنوف النبات والزرع ما ترعاه الدواب غضًّا طريًّا، فجعله بعد ذلك «غثاء أحوى».
وقال قتادة: «الغثاء»: الشيء اليابس، ويقال للحشيش إذا تحطم ويبس: غثاء وهشيم.
و «الأحوى»: الأسود، أي أن النبات يضرب إلى الحوّة من شدة الخضرة كالأسود، والحوة: سُمرة الشفة، يقال: رجل أحوى، وامرأة حواء، وقد حويت.
و «أحوى»: صفة لـ «غثاء»، والمعنى: أنه صار كذلك بعد خضرته، وقال أبو عبيدة: فجعله أسود من احتراقه وقدمه، والرطب إذا يبس اسودّ.
وقال عبد الرحمن بن زيد: أخرج المرعى أخضر، ثم لما يبس اسودّ من احتراقه، فصار غثاء تذهب به الرياح والسيول. وهو مثل ضربه الله تعالى للكفار، لذهاب الدنيا بعد نضارتها.
{سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى}:
الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم من ربه، أي: سَنُقْرِئُكَ القرآن يا محمد، فتحفظه وتعلمه ولا تنساه، كما قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل:6].
وهذا إخبار من الله ووعد منه لرسوله بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها. وهو بيان من الله لهدايته الخاصة برسوله، بعد الهداية العامة لجميع مخلوقاته، وهي هداية لتلقي الوحي، وحفظ القرآن، الذي هو هدى للعالمين، وتوفيقه لهداية الناس أجمعين.
وسين التنفيس: إما للتأكيد، أو أن المراد إقراء ما أوحى الله إليه حينئذ، وما سيوحي إليه بعد ذلك، فهو وعد كريم باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء، أي: سنقرئك ما يوحى إليك الآن، وفيما بعد على لسان جبريل عليه السلام، من نور الحفظ والإتقان، مع أنك أميّ لا تدري ما القراءة وما الكتابة؛ ليكون ذلك آية أخرى لك، مع ما في تضاعيف ما تقرأه من الآيات، من حيث الإعجاز، ومن حيث الإخبار بالمغيبات.
{إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ}:
استثناء مفرغ من أعم المفاعيل أي: لا تنسَ مما نقرئكه شيئا، إلا ما شاء الله أن تنساه أبدا، وذكر اسم الله هنا لتربية المهابة في النفس، وللإيذان بدوران المشيئة على عنوان الألوهية، المستتبعة لسائر الصفات.
وبعضهم قال: المراد النسيان في الجملة على القلة والندرة، كما روي أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في قراءته في الصلاة، فحسب بعض الصحابة أنها نسخت، فسأله فقال عليه الصلاة والسلام: «نسيتها»، فهذا من النسيان الطبيعي الذي يعرض لكل إنسان، ثم يذكر ويعود إلى الأصل.
{إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى}:
تعليل لما قيل، أي يعلم ما ظهر وما بطن من الأمور، التي من جملتها ما أوحي إليك،، تنسى ما شاء إنساءه، ويبقى محفوظا ما شاء إبقاءه، لما نِيطَ بكل منهما من مصالح دينكم وحياتكم، فهو يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه ويخبئونه من أقوالهم ومن أفعالهم، ومن نياتهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، كما قال سيدنا إبراهيم: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم:38].
{وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى}:
ولما كان في الوعد بالإقراء وعدم الإنساء: وعد ضمني بتشريع الأحكام، التي قد يكون فيها ما يصعب على المخاطبين احتماله، أردف ذلك بما يفيد أن الله لا يشرع لهم في هذا الكتاب وفي هذا الدين إلا ما فيه يسر لهم، بل ما فيه اليسرى.
لذا قال لرسوله {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} ونيسرك ونسهلك للشريعة الحافلة باليسر من كل جوانبها، فهو عليه السلام ممكن كل التمكين من اليسرى، كما قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [القرة:185]. وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28]. {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة:6]. وقال عليه الصلاة والسلام: «فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ».
أي: نوفقك توفيقا مستمرا للطريقة اليسرى، في كل باب من أبواب الدين، علما وتعليما، اهتداء وهداية، لتتدرج فيه إلى طريق تلقي الوحي، والإحاطة بما فيه من أحكام الشريعة السمحة، والنواميس الإلهية، مما يتعلق بتكميل نفسهن وتكميل غيره عليه السلام.
يتبع غداً إن شاء الله...