باب الريان
06 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ عبد السلام البسيوني
ولنتأمل هنا معنى كلمة العرش ودلالاتها:
العرش في اللغة: سرير الملك، كما قال تعالى في بلقيس الحاكمة الشورية: (إنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكهُمْ، وَأوتيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) النمل:23.
والعَرْشُ السقفُ، وفي عاميتنا المصرية كنا نسمي السقف الخشبي عرشا.. جاء في محيط المحيط: العَرْشُ مِنَ البَيْتِ: سَقْفُهُ، ومنه الحَدِيثُ: (أو كالقِنْدِيلِ المُعَلَّقِ بالعَرْشِ) يَعْنِي السَّقْفَ، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: (كُنْتُ أَسْمَعُ قراءَةَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ عَلَى عَرْشِي) أَيْ سَقْفِ بَيْتِي..
والعَرْشُ: البَيْتُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ به، كالعَرِيشِ، ومِنْهُ الحَدِيثُ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمْ يَوْمَ بَدْرٍ: (أَلا نَبْنِي لَكَ عَرِيشا تَسْتَظِلُّ بهِ؟).
والعرش من أسماء مكة المكرمة.
والعرش كناية عن المملكة والقوة، قالَ الراغِبُ: سُمِّيَ مَجْلِسُ السُّلْطَانِ عَرْشا اعْتِبَارا بِعُلُوِّه، وقالَ عَزَّ وجلَّ: (أَيَّكُمْ يَأْتِينِي بعَرْشِهَا) و(قال نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا) و(قَالَ: أَهكذا عَرْشُكِ) وكُني به عن العِزّ والسُّلْطَانِ والمَمْلَكَةِ. وقِوَامُ الأمر، ومِنْهُ قَوْلُهم: ثُلَّ عَرْشُهُ، أَي عُدِمَ مَا هُو عَلَيْهِ من قِوَامِ أَمْرِهِ، وقِيلَ: وَهَي أَمْرُهُ، وقِيلَ: ذَهَبَ عِزُّه.
وقوله تعالى: (فكأَيِّنْ من قرية أَهلكناها وهي ظالمة فهي خاويةٌ على عُروشِها) قال الزجاج: المعنى أَنها خَلَتْ وخرّت على أَركانها.
هل العرش هو الكرسي؟
من أهل الأديان الأخرى من يجعلون العرش والكرسي شيئا واحدا، ومنهم من يتأوله تأويلات باطنية؛ فهل العرش هو الكرسي؛ في منظور أهل السنة والجماعة؛ أم هما مختلفان؟
جاءت السنة الصحيحة واضحة في هذا الأمر تماما، بحيث لا تدع مسوغا لتأويل متأول، أو لخلط جاهل، أو لاجتهاد مجتهد:
فقد أخرج الشيخ أحمد شاكر في مقدمة عمدة التفسير، عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله تبارك وتعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} قال: (كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره إلا الله، عز وجل).
وفي السلسلة الصحيحة، وتخريج الطحاوية للألباني، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم: (ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة)؟
وأخرج الإمام الذهبي في العرش بسند حسن، وفي صحيح الترغيب، وحادي الأرواح، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم: (يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينظرون إلى فصل القضاء، فينزل الله من العرش إلى الكرسي في ظلل من الغمام).
وفي الجامع الصغير عن أبي أمامة رضي الله عنه بسند صحيح، عنه صلى الله عليه وسلم: (أربع أنزلن من كنز تحت العرش: أم الكتاب، وآية الكرسي، وخواتيم البقرة، والكوثر).
وهذه النصوص توضح تماما كونهما مختلفين، كما هو معتقد أهل الحق، جعلنا الله منهم، ولعل في هذه الأدلة كفاية، وسأبسط الكلام عن هذا بإذنه تعالى في دراسة مشابهة عن الكرسي؛ إذا وفق الله عز وجل عبده، وأعانه.
وللملوك القدامى والمعاصرين عروش يظهرون عليها عظمتهم الزائلة الزائفة، في شكل قاعات وأبهاء تأخذ الأبصار من بهائها وترفها، أو على هيئة مكاتب بيضاوية، أو كراسي ذهبية! ومن هذه العروش:
عرش نبي الله سليمان عليه السلام:
وهو من العروش المدهشة، التي لا تضارَع؛ فقد كان فوق الماء، وقد جُعل بلاطه من زجاج رقيق، شديد الصفاء والقوة والنعومة، حتى إن السائر عليه ليظن أنه غير موجود، بل إن ملكة سبأ لما جاءت لمقابلة سيدنا سليمان عليه السلام (قيل لها: ادخلي الصرح } وهو والله أعلم القصر الذي كان فيه العرش { فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها، قال: إنه صرح ممرد من قوارير، قالت: رب إني ظلمت نفسي، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) النمل:44، فقد اعتقدت أنها ستخوض لجة ماء، فرفعت ثوبها، فقيل لها: لا تفعلي؛ فإنه ليس ماءً تخوضينه، بل عرشا على الماء، دلالة على حضارة عصر سيدنا سليمان عليه السلام، واقتدار نبي الله في تسخير الإنس والجن والسنن، لإبداع مُلك لا ينبغي لأحد من بعده عليه وعلى أنبياء الله السلام.
وقد توفر لسليمان عليه السلام مزايا لم يؤتها أحد، منها:
? تسخير الجن والطير والريح والسنن الكونية، وامتلاك قدرة عسكرية لا قبل لأحد بها؛ بسبب نوعية الجنود المسخرين لخدمته، ومنهم الشياطين والجن والإنس والطير والريح: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ، فَهُمْ يُوزَعُونَ) النمل:17. (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ. وَالشَّيَاطِينَ كُلّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاص. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَاد. هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أو أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ص:36-38.
? قدرة مخابراتية وتصنتية هائلة، حتى إنه ليسمع كلام النمل؛ وهو ما لا تقدر عليه مخابرات الدنيا كلها: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ: يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ؛ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ، وَهُمْ لا يَشْعُرُون. فَتَبَسَّمَ ضَاحِكا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ: رَبِّ أوزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ، وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ، وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) النمل: 18-19. وكذا تسخير الكائنات - حتى الطيور في التجسس - كما حصل مع الهدهد: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَقَالَ: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. إنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ، وَأوتيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) النمل:22-23.
? قدرة تقنية غير عادية لنقل الأشياء والتحكم بها بشكل خارق، أو – على الأقل– لم يصل إليه العلم المعاصر، كحاله حين أراد أن ينقل عرش بلقيس من اليمن: (قَالَ يَأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّا عِندَهُ قَالَ: هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي؛ لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أم أَكْفُرُ، وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ). النمل: 38-40.
? قدرة كبيرة على السيطرة والإخفاء والتمويه والاستدراج: (قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا؛ نَنظُرْ: أَتَهْتَدِي أم تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ؟ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ: أَهَكَذَا عَرْشُكِ؟ قَالَتْ: كَأَنَّهُ هُوَ، وَأوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا، وَكُنَّا مُسْلِمِين) النمل: 41-42.
? البذخ والفخامة والإبهار في الاستقبال، تأثيرا في القادم، وتوجيها لتفكيره: (قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً، وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا، قَالَ: إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ، قَالَتْ: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) النمل:44.
لهذه الأسباب كلها أعتقد أن كرسي سيدنا سليمان كان الأترف، وعرشه كان أبذخ العروش وأبهاها وأزهاها في تاريخ الإنسانية كلها.