الإيمان نصفان: صبرٌ وشكرٌ.. والمؤمن الصادق يقابل البلاء بالصبر والنّعم بالشكر
باب الريان
06 أغسطس 2011 , 12:00ص
تفســــــــــــــــير القرضــــــــــاوي -
عقاب كفران المنعم
{وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}، عذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة، الله تعالى يعاقب من كفر بنعمته كما قال الله عز وجل: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل:112].
سلب نعمتي الأمن والغنى:
أعظم ما تطلبه المجتمعات لتسعد في حياتها أمران: الأمن والاطمئنان، والرغد والسعة في العيش، الكفاية والأمن، كما امتن الله على قريش بقوله: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ*الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:4].
شر ما يصاب به المجتمع هو: الجوع والخوف، الذي يبتلى بهذين الأمرين كما هو الشأن في كثير من بلادنا العربية والإسلامية، ابتلي بلاء عظيما.
إن مجتمعاتنا مبتلاة بالجوع والخوف، أكبر نسبة من البطالة، أكبر نسبة من الفقر، أكبر نسبة من الجائعين ممن يعانون من أمراض سوء التغذية، وممن يموتون من هذه الأمراض، في بلادنا العربية والإسلامية.
انظر إلى الهياكل العظمية التي نراها على شاشات التليفزيون في السنغال وفي الصومال وفي إفريقيا، هياكل، فهم لا يجدون ما يأكلون، لا يجدون القوت.
بلادنا مصابة بهذا البلاء: (الجوع أو الخوف)، وأحيانا يبتلوا بالاثنين معا.. بالجوع والخوف.
من حق الناس أن يخافوا، الواحد يدخل بيته لا يدري ربما جاءه من يأخذه إلى حيث لا يشعر، إلى مكان وراء الشمس، مثل إخواننا في العراق الآن، يُخطف أحدهم من بيته ولا يُعرف أين ذهب ولا من أخذه، ولا يعرفون له جثة، وأحيانا يجدون جثته في خربة من الخرائب، أو في طريق من الطرقات، هذا هو حال من فقد الأمن.
الأمن شيء عظيم، لذا من خصائص الجنة أنها دار أمن ودار سلام: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} [الحجر:46].
سيدنا يوسف لما استقبل أبويه وإخوته قال لهم: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف:99]. فالأمن أهم ما يطلبه الإنسان، فإذا كان معه سعة العيش ورغد العيش، كانتا نعمتان من أعظم ما يؤتاه الإنسان، فمن كفر بنعمة الله سلب هذان الأمران.
نتيجة الإعراض عن سنن الله وشرعه
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل:112]. بعد رغد العيش، أصيب بالجوع، بعد أن كانت آمنة مطمئنة، أصيبت بالخوف، ولم يكن هذا ظلما من الله لهم، ولكن بما كانوا يصنعون: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس:44]، {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران:182].
ذكر لنا القرآن من قصص الكفر بنعمة الله في أكثر من سورة، كما ذكر في قصة سبأ: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ} ما هذه الآية؟ {جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ*فَأَعْرَضُوا} [سبأ:15، 16]. أعرضوا عن هداية الله، أعرضوا عن منهج الله، أعرضوا عن سنن الله، حتى لم يهتموا بأمر الزراعة وأمر السدود وأمر السقي والحرث، بل أفسدوا، وعاشوا في ترف ككثير من الناس، حينما تتسع عليهم النعم ينسون حق هذه النعم، النعم يجب أن تصونها، وتصونها ليس بأن تقول: يا رب صنها، لا، لا بد أن تعمل على صيانتها.
كان عند هؤلاء القوم سد يسمى «سد مأرب»، فأهملوا أمر السد، فكانت النتيجة أن جاء سيل العرم {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} [سبأ:16]. كفروا بالنعم {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}؟! [سبأ:17]. من يكفر بالنعمة ينزل به عذاب الله، يعجل الله له العذاب إذا أهمل سنن الله أو أهمل شرع الله، فإذا أهملهما معا كانت المصيبة مصيبتين {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [سبأ:17].
هذا القانون الرباني الذي ذكره سيدنا موسى لقومه، وذكره القرآن بهذه الصيغة، وحينما يذكر القرآن مثل هذه الصيغ، يخصنا أيضا من ناحية أخرى، لأن مثل هذه القوانين الإلهية لا تنسخ، القوانين هي هي، لأن ربنا سيجازي الشكور من بني إسرائيل بالزيادة، وسيجازي أيضا الشكور عندنا -يعني عند المسلمين- هذه قوانين تمثل عدل الله في الأرض، هي ثابتة غير منسوخة، وكما قال الأصوليون: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد عندنا نسخ له. ولم يرد في ديننا ما ينسخ هذا، لذا يخاطب به المسلمون ويخاطب به غير المسلمين: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}.
الله سبحانه أنعم على أهل الخليج بالبترول، وسع عليهم من رزقه، وأفاء عليهم من فضله، بعض الناس عرف هذا الأمر، وعرف لله حقه، وعرف للمال حقه، وعرف للفقراء حقهم، وأدى الزكاة وغير الزكاة.
وبعض الناس يظن أن هذا المال دائم له هو، وأنه يستحقه، يقول كما قال قارون: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} أنا بشطارتي وبمهارتي وبذكائي جمعت هذا المال، أنا أحق به.
ثم هل البترول الذي ظهر تحت الأرض، هل ظهر بذكائنا وبمهارتنا؟ لا، بل ظهر بذكاء ومهارة الخواجات! الخواجات هم الذين اكتشفوا، نحن الذين استفدنا منهم، فالله هو الذي سخر لنا هذا، فعلينا أن نشكر نعم الله عز وجل، حتى يزيد الله لنا من فضله وحتى يثبت الله هذه النعم.
إذا كنت في نعمة فارعها
فإن المعاصي تزيل النعم
وداوم عليها بشكر الإله
فرب العباد سريع النقم
{وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}. الله سبحانه غني حميد، لا تظنوا أن الله حين يطلب منكم أن تشكروا نعمه، وأن تسيروا على منهاجه، وأن تتقوه، وأن تؤدوا إليه حقه، أن الله في حاجة إليكم؟! لا، الله هو الغني عن كل الناس. وكل من عداه وما عداه محتاج إليه، نحن لا وجود لنا من ذاتنا، ولا إمكان لنا من ذاتنا، نحن كنا عدما فأصبحنا شيئا مذكورا: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان:1]؟ فنحن لم نكن شيئا مذكورا، من الذي جعلنا شيئا مذكورا؟ من الذي وهب لنا الحياة؟ الله، هو الذي خلقنا من عدم، هو الذي سخر لنا النعم، هو الله، فينبغي أن نعلم أننا جميعا محتاجون إلى الله، فقراء إليه، والله سبحانه غني عنا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ* إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ*وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [فاطر:15-17]. وفي الحديث القدسي: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئا». الله سبحانه هو الغني عن طاعة المطيعين، لا تنفعه طاعة من أطاع، ولا تضره معصية من عصى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:46]. {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:40].
وكما قال سيدنا سليمان حينما جاءه عرش بلقيس، جاءه من اليمن في لمح البصر: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:40]. يعني يختبرني أعرف حق هذه النعمة فأشكر، أم لا أعرفها فأكفر بنعمة الله، ليبلوني ويختبرني أأشكر أم أكفر: {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}[النمل: 40].
دعوة الرسل
{أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ*قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ*قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ*وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ*وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ*وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ*وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ*مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ*يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ*مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ}.
الالتفات من أسلوب القرآن البلاغي
هل هذه الآيات تكملة وتتمة لخطاب موسى لقومه، أم هي بيان استئنافي، أو ما يسميه علماء البلاغة التفاتا لموضوع جديد؟!
بعض المفسرين مالوا إلى أنه من تتمة كلام موسى. والبعض قال: لا، هو كلام جديد.
وأنا مع هذا القول الثاني، فقد انتهى كلام موسى، وبدأ القرآن في خطاب جديد للمشركين، بدليل أن الخطاب لقوم يكفرون بالله، ويكفرون بالرسل. وقوم موسى ما كفروا بالله ولا برسولهم، هم يقولون: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} مما يدل على أنهم كفرة ومكذبون.
حث القرآن على الاعتبار بالتاريخ والسير في الأرض
فهو ابتداء كلام من جديد، يوظف فيه التاريخ لخدمة الرسالة، والتاريخ مخزن العبر، وذاكرة الأمم. والقرآن يحث دائما على الاعتبار بالتاريخ، تاريخ الماضين، هو مدرسة نتعلم منها، ونستفيد منها الدروس دائما، ولذلك يقول الله سبحانه: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [النمل:69].
{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران:137].
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46].
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [غافر:82].
فهو يطلب منا أن نسير في الأرض، نرحل مشرقين ومغربين، وننظر في آثار الأمم ونستفيد منها.
مصير الأمم المكذبة
الأمم التي كذبت رسل الله، وعصت رسل الله، واتبعت ما كان عليه الآباء، ورفضت التوحيد. ماذا كان مصيرها؟
التاريخ يحدثنا أن مصيرها كان هو الهلاك. فهو هنا يقول: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ..} النبأ هو الخبر ذو الشأن. وهذه أخبار لها شأن، لأنها تتعلق بأمم صدوا عن رسل الله، ووقفوا ضد الرسالة.
الله سبحانه وتعالى من لطفه وفضله ورحمته وحكمته لم يدع الناس هملا، ولم يتركهم سدى، بل أرسل إليهم رسلا مبشرين ومنذرين، ومنبهين ومعلمين: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165].
حاجة العقل البشري إلى هداية الوحي
كان الناس في حاجة إلى من يأخذ بأيديهم ليعرفهم ما يحب الله وما يكرهه، وما يرضاه وما يسخطه، لم يكتف بالعقل وحده، لأن العقل وحده قد يضل الطريق، قد لا يهتدي إلى سواء السبيل.
رأينا كبار الفلاسفة يقعون في أخطاء كبيرة، حتى أنهم لا يعرفون حق الله عز وجل ومقام الله جل جلاله.
أكبر فلاسفة اليونان (أرسطو طاليس) يقول: (إن الله لا يعلم في الكون شيئا، ولا يحل فيه، ولا يعقد، ولا يدبر فيه أمرا، الله لا يعلم إلا ذاته، إنما هذا اسمه عالم الكون، والفساد لا يعلم فيه شيئا).
حتى إن مؤرخ الفلسفة –مؤرخ أميركي مشهور- أرخ للتاريخ في كتاب شهير اسمه: (قصة الحضارة)، وله كتاب آخر اسمه: (مباهج الفلسفة). يقول في (مباهج الفلسفة): (يا لإله أرسطو من إله مسكين، إنه لا يعمل في الكون شيئا، ولا يدبر فيه أمرا، إنه مثل ملك الإنجليز يملك ولا يحكم). فهذا إله أرسطو لا يعرف شيئا في هذا الكون إطلاقا. وهناك فيلسوف ثاني اسمه (أفلاطون).. إذا كان إله أرسطو لا يعرف إلا نفسه، فإله أفلاطون لا يعرف نفسه. هؤلاء فلاسفة كبار، ولكنهم انحدروا إلى هذا المستوى من الفهم لمقام الله عز وجل!!
ومن هؤلاء الفلاسفة من يقول بفلسفة اللذة، ومن يقول بفلسفة المنفعة، ومن يقول بفلسفة القوة، ومن يقول: إن الإله مات والإنسان عليه أن يفعل ما يشاء -(نيتشة) وغيره من الفلاسفة– واختلف بعضهم مع بعض وناقض بعضهم بعضا، هذا يثبت، وهذا ينفي، وهذا يحق وهذا يبطل، حتى قال أحد أساتذة الفلاسفة: (إن الفلسفة لا رأي لها، لأنها تعطي الشيء ونقيضه) هذا يقول شيئا، والثاني يقول بخلافه تماما.
ولذلك كان الناس في حاجة إلى شيء يعين العقل، لأن العقل وحده لا يستطيع أن يهدي الإنسان سواء السبيل.
رأينا العرب في جاهليتهم هداهم العقل إلى أن يئدوا البنات: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ*بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير:8، 9]. قتلوا الأولاد من إملاق، أو خشية إملاق -بنين وبنات– إما من فقر واقع، أو خوف فقر متوقع!
رأيناهم يفعلون هذا، ورأينا الأمم تفعل أشياء غريبة جدا، لهذا كان الناس في حاجة إلى رسالة، إلى وحي من الله عز وجل. الوحي هذا يرشد العقل إذا انحرف، ويهديه إذا ضل، ويصوبه إذا أخطأ.
خطأ الحواس وتصحيح العقل لها
هناك هدايات عدة: هداية الحواس.. ربنا أعطانا الحواس الخمس: البصر، والسمع، والشم، واللمس، والذوق. هذه الحواس الخمس قد تخطئ، ما الذي يصحح خطأها؟ العقل.. يعني أنت قد تنظر إلى النجم في السماء فيتهيأ لك أنه كالكرة الصغيرة.
والنجم تستصغر الأبصار رؤيته
والذنب للطرف لا للنجم في الصغر
فهذه النجمة التي في عينيك صغيرة، هي أكبر من الأرض بملايين المرات.. عشرات الملايين.. مئات الملايين.. علم الفلك والرياضيات وحساب الرياضيات أوصلهم إلى هذا.
يمكن أن ينظر أحدنا إلى الظل فيراه ساكنا -حسب البصر- الظل ساكن، بعد دقائق الظل تحرك، إذن لم يكن ساكنا، هو يتحرك ببطء، ولكن البصر لا يراه.
يمكن للبصر أن يرى في الصحراء السراب يحسبه ماء، حتى إذا أتيت الموضع الذي رأيت فيه ماء لم تجد عنده ماء ولا شيئا، فهذا البصر هو أقوى الحواس يمكن أن يخدعك، ما الذي يصحح خطأ الحواس؟ العقل..
فإذا أخطأ العقل ما الذي يصححه؟ الوحي.. فالوحي كان نورا على نور، زيادة على نور الفطرة، ونور العقل كان نور الله.
عجائب الطاقة الإنسانية
وليس بعجيب أن يوحي الله إلى البشر، ما العجيب في هذا؟! {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} [يونس:2] ما العجب في هذا؟!
العجب أن يكون الإنسان عنده قدرة على أن يتلقى وحي الله! الإنسان أعطاه الله طاقات عجيبة، بعض الناس عنده طاقة جسمية يحمل مائتين وستين كيلوغراما، ناس عندهم قدرة، كالذي يجر سيارة بأسنانه، طاقات عجيبة في الإنسان، ولعلكم رأيتم بعض هذه الأعاجيب.
الأستاذ أحمد حسين ألف كتابا سماه: (الطاقة الإنسانية)، وذكر من عجائب الطاقة الإنسانية الشيء الكثير الكثير.. فما الذي يدهش الإنسان أن تكون عنده طاقة روحية، يستطيع أن يتلقى بها كلام الله ووحي الله عز وجل، أو من ناحية الربوبية ما الذي يعجز الله أن يخاطب الإنسان بكلام يسمعه إياه؟ ليس هذا بعجيب.
نعمة إرسال الرسل وموقف أقوامهم منهم
فإرسال الرسل نعمة من الله عز وجل ورحمة منه، وهي تدل على تمام حكمة الحكيم، الذي يريد أن يوصل الهداية الكاملة إلى الناس، فلم يكتف بعقولهم وحدها ولا بضمائرهم وحدها، ولكن أرسل لهم -مع هذا العقل العام بمثابة العقل البشري– الوحي، النبوة، الرسالة.
هؤلاء الرسل جاؤوا إلى أقوامهم، ولكن للأسف نرى كثيرا من الأقوام كذبوا الرسل، ومن هنا كان هذا الخطاب: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ} أما جاءكم أخبار هؤلاء الأقوام؟ وكيف وقفوا ضد الرسل الذين أرسلهم الله لهم وكذبوهم: {وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا} [نوح:21]، {وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [هود:59].
قوم نوح: {وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا} [نوح:21]. وعاد قوم هود: {وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [هود:59]. وقوم فرعون: {فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود:97].
كذب هؤلاء الرسل، ألم يأتكم نبؤهم؟ نبؤهم فاضت به الأخبار، وعرفه القاصي والداني، خصوصا هؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه.
الاستفادة من تاريخ الرسل وأممهم
قوم نوح هم الذين أغرقهم الطوفان، وقصة الطوفان معروفة عند البشر جميعا، ولذلك يعد سيدنا نوح أبا البشرية الثاني، لأن آدم يعد أبا البشرية الأول، ونوحا أبا البشرية الثاني: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} [الصافات:77].
فقوم نوح جاء الطوفان فأغرقهم، وكذلك عاد وثمود، وقصتهم على وجه الخصوص معروفة عند العرب، لأن كلا من عاد وثمود هم قوم من العرب، يسمون العرب البائدة الذين بادوا، ودرست آثارهم، ولذلك يقول الله تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ} [العنكبوت:38 ] تمرون على مساكنهم.
عاد كانوا في الأحقاف: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف:21].
في جنوب الجزيرة هناك إقليم اسمه إقليم الأحقاف -حتى الآن- وثمود: مدائن صالح. من يذهب إلى تبوك يمر بمدائن صالح.
والنبي -عليه الصلاة والسلام– هو والصحابة لما ذهبوا في غزوة تبوك مروا بحجر ثمود، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم».
{وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ} [العنكبوت:38]، ولذلك قال الله تعالى في أواخر هذه السورة: {وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} [إبراهيم:45] فهو يذكرهم بهذا التاريخ، لا بد أن يستفيدوا من تاريخ الأمم وتاريخ الرسل.
{أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ}.
القوم المهلكون
قوم نوح أهلكهم الطوفان، وثمود قوم صالح أهلكوا بالصيحة، وعاد قوم هود أهلكتهم الريح: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ*وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ*سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} [الحاقة: 5-7].
والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله.
هناك قوم إبراهيم، وهناك قوم لوط -المؤتفكات أو المؤتفكة- الذين جعل الله قريتهم عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود.
وهناك قوم مدين، وهناك قوم فرعون، كل هؤلاء جاؤوا من بعد عاد وثمود: {لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ}، كناية عن أقوام كثيرين، وليس من شأن القرآن أن يعنى بتفصيل هؤلاء، لأن المهم هو العبرة.
فالذين كذبوا رسلهم وعصوا ربهم ماذا كان مصيرهم؟ كان مصيرهم العذاب والهلاك، هلكوا لم تغن عنهم حصونهم من الله شيئا، لم تغن عنهم قصورهم، لم تغن عنهم قوتهم: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت:15].
{جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ}.
الرسل سفراء عن الله عز وجل
الرسل جاءتهم بالبينات، وهي الآيات البينا