ثقافة وفنون
06 أغسطس 2011 , 12:00ص
الدوحة - العرب
أصدرت مكتبة الإسكندرية مؤخراً كتاباً بقلم الدكتور إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية بعنوان «العمارة والمجتمع». تطرق فيه الدكتور سراج الدين إلى موضوعات مألوفة ولكنها تستدعي وجهات نظر ورؤى مختلفة؛ حيث استعرض العلاقة بين العمارة والمجتمع كآلية عمل مستمرة، ومتكاملة، وتفاعلية في ظل سياق العالم والمجتمع الإسلامي المعاصر المتصف بسرعة التغير. وقدم الدكتور سراج خلال الكتاب العناصر الرئيسية لآلية التغيير، ثم مجموعة من الملاحظات حول وظيفة العمارة كانعكاس للمجتمع ودورها في تحديد التقدم وعلاقة ذلك بالهوية الثقافية المتغيرة، بالإضافة إلى تلك الموضوعات قدم الدكتور سراج الدين لرؤيته في دور المعماري في تقديم الماضي وتثمينه وفي فهم الحاضر واستشراف المستقبل.
بدأ الدكتور سراج الدين كتابه بتعريف العالم الإسلامي والذي يظل عالماً فقيراً بشكل عام، يتكون في غالبيته من بلدان نامية يتركز معظم ثقلها في جنوب، وجنوب شرق آسيا. ويكتسحه تيارات قوية من التغير تخلق التوتر والصراعات في الآلية المؤلمة الجارية لخلق وتطوير شعور جدير بالهوية يكون معاصراً وأصيلا في ذات الوقت. وهو في ذات الوقت مجتمع متنوع ومتباين يمتد من المغرب إلى إندونيسيا، وهو بشكل عام عالم فقير يتركز ثقله الديموغرافي في البلدان الفقيرة مثل بنغلاديش وباكستان وإندونيسيا ونيجيريا. ومن بين الاهتمامات الرئيسية لهذه الدول تحديث القاعدة الاقتصادية من خلال تحسين الرفاهة والوضع المعيشي للمواطنين، ويشير مؤلف الكتاب، خلال هذا التعريف إلى أن العديد من مجتمعات العالم الإسلامي تبدو وكأنها تنحرف عن ضالتها لا تدرك مبتغاها في ظل تأثرها بالتيارات العالمية خصوصا التأثيرات القوية للدول الصناعية الغربية، الأمر الذي يعرضها لأزمة هوية.
انتقل الدكتور سراج الدين بعد ذلك إلى تقديم للروابط الرئيسية التي تربط بين العمارة والمجتمع، والتي تشكل جزءا من الواقع المعيشي الديناميكي والمتغير في المدن المعاصرة؛ حيث تعتبر العمارة هي الأداة التي تعبر عن هذا الواقع المتغير، فالنسيج العمراني والمباني تعتبر مرآة فيزيائية للأوجه والأبعاد الأيديولوجية التي تحدد ماضي وحاضر المجتمع وتراثه الثقافي، بالإضافة إلى تطلعاته المستقبلية.
فعلى أحد المستويات هناك السعي للحفاظ على أفضل الأمثلة من المباني التقليدية كنماذج للإلهام المعاصر ومع ذلك فإن هذه الأبنية هي أيضاً شواهد على ما كانت يوما ما رؤى معاصرة لما يعتبر اليوم مرحلة سابقة قد انتهت وجزءاً لا يمحى من تجربتنا التاريخية كشعب، ويأتي في هذا السياق الحديث عن دور المعماري في الحفاظ على التراث القديم، الأمر الذي يأتي من خلال عملية تعليمية قوية للمعماريين تولد لديهم الحس النقدي المطلوب لفك مفاتيح المضمون الرمزي للماضي في أسلوب واقعي، وهو ما يتطلب معرفة واسعة بالمنهجية وبمضمون الدراسات التاريخية بالإضافة إلى المقدرة على رؤية البيئة المبنية في الماضي كما كان ينظر إليها من قبل معاصريها. بعد التعرض للماضي يجب علينا أن نفهم الحاضر؛ حيث تحاول العديد من المجتمعات إنكار عملية التحول وتفاديها من خلال إطلاق صفة الكمال على الماضي الذي لم يتواجد قط إلا في أذهانهم، كما أن التأثير المنتظم لحركة الحداثة في التفكير المعماري خلال القرن العشرين قد ساعد على تقوية نزعة البيئة الفيزيائية نحو العالمية؛ حيث تعاني المجتمعات الإسلامية من الغرق في طوفان التكنولوجيا الغربية والمستوردات الثقافية التي لا تنسجم مع الظروف المحلية ولا تتفهم التقاليد الثقافية.
أما فيما يختص باستشراف المستقبل والاستعداد له فيذكر الدكتور سراج الدين أن المعماريين يتبعون شعار «الأبنية تدوم إلى الأبد» في حين أنهم يجب أن يكونوا قادرين على فك رموز الماضي بما يمكنهم من فهم كيفية نظر الأقدمين لماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم مسلحين بمعرفتهم القائمة على المقارنة، كما يجب عليهم ألا يفكروا في مبانيهم الفردية فقط ولكن بعلاقتها مع المجتمع والمحيط الأكبر، والأهم من هذا، يتوجب على المعماريين الجمع بين كل ما سبق لتصميم وتفعيل منتجات تستطيع طوال مدة وجودها أن تحوز على موقعها في الديمومة والاستمرارية الأزلية للعمارة في العالم بجدارة.
تعرض الدكتور سراج الدين أيضا في هذا الفصل إلى دور المعماري في المجتمع كدور محوري في تحديد فهم المجتمع لواقعه، وفي صقل رؤيته لذاته ولتعبيره الثقافي الأصيل، ويشير الدكتور سراج إلى أن المعماريين والبنائين والمخططين المعماريين هم الوحيدون القادرون على صناعة منشآت تصبح فيما بعد معالم مهمة وعلامات بارزة ضمن البيئة العمرانية العامة، ويؤكد على أن المعماريين لن ينجحوا في دورهم داخل المجتمع إلا عن طريق تعليمهم وتدريبهم بشكل مدروس؛ حيث إن المناهج التي تستجيب لهذه المتطلبات لن تكون سهلة ولكن رعاية الموهبة هي دائماً أكثر تعقيداً وتطلب أكثر مما يتطلبه التدريب والتأهيل العاديين، ويجب على التعليم في هذا المجال أن يأخذ بعين الاعتبار الحاجة إلى عمق الفهم التاريخي والثقافي والقدرة على فك وفهم رموز المحاكمة الجمالية الأساسية التي تضيف المغزى والمشروعية لأمثلة الماضي في عالمنا اليوم وغداً.
أما الفصل الثاني من الكتاب فيدور حول مفهوم العمارة كمقولة فكرية تعتمد على نظرة معمارية نقدية محددة وتركز بشكل أساس على النقد متعدد الأبعاد الفيزيائي والثقافي وذلك المتعلق بالسياق والمحيط وجميعها تتعامل مع المقولة الفكرية المعمارية، كما تتجلى على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية وتنقسم إلى ثلاثة أجزاء هي: مفهوم الأصالة الثقافية وتجلياته في العمارة المعاصرة في المجتمعات الإسلامية واستخدام العمارة الحاذقة والمركبة القائمة على اللغة المحلية، وأخيرا الجماليات العمرانية الحديثة والتي قدم لها الدكتور سراج الدين عدداً من الأمثلة الحائزة على جائزة الأغا خان للعمارة مثل مبنى مسجد بونج في باكستان، ومسجد نيونو في مالي، ومركز رمسيس واصف في مصر.
وحول جائزة الأغا خان للعمارة أفرد الفصل الثالث من الكتاب صفحاته مشيرة إلى عدم اهتمام المسابقة بالضخامة والفخامة كمعيار أساس للعمل المعماري؛ إذ كرمت المسابقة أعمالا ذات طابع اجتماعي في العشوائيات في إندونيسيا وأبراج مياه في الكويت، وغيرها من الأمثلة، فقد نظمت هذه المسابقة لتشجيع المفاهيم المعمارية التي تنجح في مواجهة احتياجات المجتمعات الإسلامية وتطلعات هذه المجتمعات. كشفت الجائزة خلال دوراتها الماضية نماذج متفردة في مجالات التصميم المعاصر والإسكان الاجتماعي وتنمية المجتمعات المحلية وترميم الآثار وإعادة توظيفها بالإضافة إلى البيئة والحفاظ عليها.
ينهي الدكتور سراج الدين كتابه بتقديم مفهوم جديد للنقد المعماري والذي أكد أنه يجب أن يكون على مستوى واع رفيع ينظر إلى العمل المعماري على عدة مستويات منها: البناء بوصفه بناءً، وهو أبسط أنواع النقد والتقييم وأكثرها مباشرة؛ حيث يعتمد على النظر إلى مدى استجابة المبنى للجوانب الوظيفية وإلى صفاته الجمالية للحوار مع الأقليات والمعارضة، وفي ذات الوقت دعم الترابط الاجتماعي والبناء في سياقه المادي، ويشمل ذلك دراسة إيجابيات وسلبيات العلاقة بين المبنى والبيئة المحيطة به مثل مدى التناسق أو التنافر، والبناء في سياقه الحضاري، ويشمل ذلك مدى ملاءمة البناء وتوافقه مع التراث الحضاري الذي تعبر عنه الأشكال البنائية التي أنتجتها المهارات التي أفرزها المجتمع عبر التاريخ، البناء في سياقه الدولي، وهو مكانة العمل المعماري باعتباره جزءاً من الشبكة الدولية للتيارات والأساليب والمدارس الفكرية ومدى مساهمته في تطويرها أو بلورتها سواء عن طريق التأييد أو الابتكار.
وأخيرا يأتي البناء في سياقه الفكري، كآخر مستوى للنقد المعماري البناء، ويشير هذا المستوى إلى المدى تأثير العمل المعماري على الاتجاهات المحلية ويضيف إلى المستوى الفكري للمنطقة ولا يعتبر هذا مرادفاً للنظر إلى البناء في سياقه الدولي؛ فالوسط الفكري على المستوى المحلي والإقليمي يهتم بقضايا واقعية وملحة تنبع من الظروف المحلية حتى وإن كانت هذه القضايا عالمية فهذا المستوى الأخير للنقد يختلف عن أكثر الآراء المتداولة في النقد المعماري.