عام الرمادة نموذج إسلامي لحل مشكلة المجاعة

alarab
محليات 06 أغسطس 2011 , 12:00ص
الدوحة - العرب
قالت الباحثة سلوى حامد الملا: إن البحث في عظمة الإسلام كفيل بإيجاد حلول لكثير من الأزمات التي تعانيها شعوب إسلامية وعربية من قبيل المجاعة التي تهدد الملايين في إفريقيا والقرن الإفريقي، وذلك من خلال استلهام نماذج رائعة تسهم في حل تلك الأزمات والتخفيف منها، وشددت الباحثة في ملخص لرسالتها للماجستير «دور القيادة الراشدة في إدارة الأزمة: دراسة حالة المجاعة في النيجر في ضوء نموذج عام الرمادة» على أهمية القيادة الراشدة في إدارة الأزمات على مستوى الدول والمؤسسات بشكل عام، وفي إدارة أزمة المجاعة بشكل خاص؛ لأن غياب القيادة الراشدة على مستوى الدولة وغياب القيادة على مستوى المنظمات والهيئات يفاقم الأزمة. وتمت مناقشة الرسالة في 18 يوليو 2010م بكلية الدراسات الإسلامية مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع ، برئاسة لجنة المناقشة سعادة الدكتور غيث بن مبارك الكواري وزير الأوقاف والدكتور خالد دياب مديرالإغاثة الخارجية في الهلال الاحمر القطري، والدكتور محمد خليفة مدير مركز القرضاوي والدكتور ناهد عز الدين المشرفة على الرسالة تجربة من الماضي تتفوق على الحاضر وانطلقت الباحثة من سؤالين رئيسين: ما الدروس المستفادة من خبرة الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كنموذج للقيادة وللحكم الراشد في إدارة أزمة المجاعة عام الرمادة؟ وكيف يمكن تطبيقها على حالة معاصرة هي أزمة المجاعة في جمهورية النيجر؟ وتفرع عن السؤالين المذكورين أسئلة أخرى تتعلق بدور القيادة والحكم الراشد في إدارة الأزمة، وسمات الدور الذي قام الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كنموذج تاريخي، وكيف أدارت القيادات في النيجر أزمة نقص الغذاء؟ وسعت الباحثة من خلال كثير من الدراسات والمؤلفات التي تندرج تحت بحوث دور القيادة في إدارة الأزمة لتسليط الضوء على أهمية ظاهرة القيادة كفرد أو كمؤسسة ضمن حكومة أو منظمات إقليمية أو دولية، وقدرتها على صنع القرار في إدارة الأزمات المختلفة، المحلية والداخلية والعالمية، ما ينعكس إيجاباً أو سلباً على حياة الفرد ومستقبل المجتمع. كما سعت أيضاً ببحثها لتأصيل النموذج التاريخي الإسلامي للحكم الراشد، والحكم الإسلامي الصالح لكل زمان ومكان الذي وضع أسسه ومبادئه الرسول صلى الله عليه وسلم، واجتهادات الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين في إرساء مبادئ الحكم الإسلامي وأسسه، مع تركيزها على نموذج ودور الخليفة عمر -رضي الله عنه- الذي أدار أزمة المجاعة عام الرمادة قبل حوالي 14 قرنا بما يوصي به اليوم البنك الدولي الدول النامية في إدارة شؤونها، وما يتضمنه من برامج إصلاح أو سياسات مواجهة الأزمات التي قد تطرأ على المجتمع الإنساني. وأكدت الباحثة على ربط الأمة الإسلامية وتلاحمها وتكاتفها في أزماتها، وتحقيق مبادئ التكافل والتراحم، من خلال الاستفادة من التجارب التاريخية الناجحة في إدارة الأزمات، مستلهمة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى) وقوله كذلك (من احتكر طعاما أربعين ليلة، فقد برئ من الله تعالى، وبرئ الله منه، وأيما أهل عرضة أصبح فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى). واختارت الباحثة أزمة «نقص الغذاء» أو «المجاعة»، لما يشكله الغذاء من حاجة إنسانية ملحة، وتسببه المجاعة من أزمات ومشاكل لحياة الإنسان وصحته وللدول في أمنها القومي واستقلالية قرارها الداخلي عن التدخلات الخارجية (دول أو منظمات دولية وإقليمية). واختارت الباحثة حالة النيجر كموضوع لدراسة أزمة معاصرة، لكون أغلب سكانها من المسلمين (%98)، وكونها عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي وحالة إنسانية في أنها تكاد تكون مرآة عاكسة لكل أنواع المشاكل التي تعترض دول العالم النامي والمتمثلة في صراعات سياسية، وانقلابات عسكرية، ومشاكل اقتصادية، وبيئية، وصحية، ضمن مجتمع وتحت ظل قيادة تعمل في غياب أسس الحكم الراشد. وألقت الدراسة الضوء على الدور القطري الناشط إقليميا ودوليا والذي اعتمد أدوات للحركة متعددة، فجمع بين التحرك على المستوى الحكومي الرسمي (مؤتمر المانحين لصالح النيجر) وعلى المستوى غير الحكومي عبر منظمات المجتمع المدني على رأسه الهلال الأحمر القطري، وأيضا على المستوى الإعلامي عبر قناة الجزيرة، مبينة سلسلة النجاحات التي حققتها الدبلوماسية القطرية في العالم الإسلامي بشهادة التقارير الدولية التي أشادت بالدور القطري المتنامي ووصفته بأنه قيادة إقليمية صاعدة وليس بعيدا من أنها تنطلق من مقاصد الشريعة. وسعت الباحثة في رسالتها لإبراز دور القيادة بأنماطها في إدارة الأزمة مع إثبات أهمية الأساليب والإجراءات والقرارات الخاصة للخروج منها من خلال أسلوب نمط «الحكم الراشد»، مع بيان أهمية صحة ودقة المعلومات الخاصة بالأزمة وظروفها، والذي يؤكد على أهمية عملية الاتصال التي تجري داخل بيئة الأزمة وخارجها. وأهمية التخطيط والتعامل مع الواقع وإدارته للخروج بأقل الخسائر. منهجية الدراسة وجمعت المنهجية التي اعتمدتها الباحثة سلوى حامد الملا بين التأصيل النظري لمفاهيم أساسية كالقيادة، إدارة الأزمة، الحكم الراشد. ومدخل مقاصد الشريعة الإسلامية في توظيفها في دراسة وتحليل القرارات التي اتخذها الخليفة عمر بن الخطاب من جهة وكيف تصرفت القيادات في النيجر. من جهة ثانية. كما استخدمت منهج المقارنة بين النموذجين لأزمة المجاعة مع اختلاف الزمن والظروف، من خلال تفكيك كل من الأزمتين على حدة، مع محاولة بيان الأسباب التي تجعل الأزمة مستمرة في النيجر، في حين نجحت إدارة عمر بن الخطاب في إنهائها عام الرمادة في ضوء مقاصد الشريعة الخمسة: (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال). وبينت الباحثة السياسات التي اعتمدها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في معالجة أزمة المجاعة (عام الرمادة) وعددتها في عشر سياسات ركزت الأولى على «الأمن الإنساني» والثانية على توزيع المغانم والمغارم والثالثة سياسات الضرورة (الطوارئ)، فيما تعتمد الرابعة على الدعاء مع الأخذ بالأسباب، والخامسة على التخطيط والرقابة على التنفيذ والمتابعة الفعالة. أما السادسة فتقوم على قدوة القيادة والبدأ بنفسه وأهل بيته في التقشف، فيما تقوم السابعة على الإغاثة والتكافل الإقليمي من خلال حشد وتعبئة الموارد والوحدة بين أجزاء الدولة الإسلامية. وتقوم الثامنة والتاسعة على السياسة الاتصالية والشفافية في المعلومات والإعلان عن الحقائق، والشمول الواضح في سياسة إدارة الأزمة. وقامت السياسة العاشرة على تعليق إنفاذ بعض الحدود وإيقاف سياسة الفتوحات الخارجية من خلال إعمال الاجتهاد. الخليفة عمر نموذج القيادة المسؤولة والحكم الرشيد وكشفت الدراسة بصفة عامة عن غياب دور فعال للدول الإسلامية في تقديم المساعدات الإغاثية للأغلبية المسلمة من سكان النيجر (وغيرها من دول فقيرة كالصومال) مقابل استغلال بعض الجمعيات والمنظمات الغربية غير المسلمة أزمة نقص الغذاء للدخول إلى النيجر للتبشير بأديان أخرى بين المسلمين، فضلا عما تداولته عدد من التقارير حول قيام بعض الشركات المنتجة للأدوية بإجراء التجارب على أطفال النيجر، فضلا عن شيوع الاتجار في البشر وغيرها من الجرائم المنتهكة للدين والعرض والنفس؛ حيث جعلت الأزمة البلد ساحة مستباحة للأطماع لما تتوفر عليه من معادن وثروات باطنية ولأصحاب المصالح لتحقيق مصالحهم ولو على حساب تعريض حياة الناس للخطر. وأوضحت الدراسة كيف جسد سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- نموذجا إرشاديا في إدارة أزمة المجاعة المعروفة بعام الرمادة أثناء خلافته، فأعطى مثالا يحتذى للقيادة المسؤولة وللحكم الراشد. فقد بدأ الفاروق عمر بنفسه، بينما أعطى الأولوية في توفير الغذاء لأكثر فئات المجتمع فقرا وحاجة من المستضعفين، فالقيادة تضحية. في حين، ظلت القيادات المعاصرة في حالة النيجر التي يحكمها العسكريون (عبر انقلابات متتالية) تطالب عامة الشعب، وأغلبهم فقراء، بتحمل إجراءات تقشفية بناء على توصيات الهيئات الدولية المانحة، في الوقت الذي تمتعت فيه نفس تلك القيادات بكل ألوان الترف والرفاهية. وذكرت الباحثة أن عمر -رضي الله عنه- مارس كافة الأدوار التي تقوم بها مؤسسات ومنظمات وهيئات دولية ومحلية، على المستوى السياسي والاقتصادي والإنساني والإغاثي والإحصائي، بل والإعلامي، وجسد بذلك نموذجا للحكم الراشد عبر الاستعانة بأسس المنهج العلمي، والاجتهاد الفقهي، علاوة على إيمانه والتجائه إلى الله. بالمقابل ركزت برامج التقويم الهيكلي، كما فرضها المانحون الدوليون، في حالة النيجر على تحقيق أهداف التحرير الاقتصادي، والمالي والانتقال للقطاع الخاص، دون أن تستكمل بسياسات توزيعية تراعي مبدأ العدالة والمساواة في توزيع أعباء وثمار التنمية. وهو ما أدركه البنك الدولي في مرحلة متأخرة جدا ببدء الحديث عن الحكومة الجيدة أو الحكم الرشيد، الذي وضع الخليفة عمر قواعده قولا وعملا منذ قرون. ورغم التطور التكنولوجي وتطور وسائل الاتصال في الوقت الحالي، سجلت معاناة سياسات الإغاثة من كثير من أوجه القصور، والذي تربطه القيادات المحلية والدولية بصعوبة الانتقال والوصول إلى الضحايا، مشيرة إلى قيادات النيجر اكتفت بتوجيه خطابها إلى العالم بعد فترة طويلة من التعتيم الإعلامي ورفض الاعتراف بحجم المأساة الحقيقي، الأمر الذي تسبب في تأخر تحرك الجهات المسؤولة عن الإغاثة، وخروج الأزمة عن السيطرة واتخاذها أبعادا سياسية. وسجلت الباحثة أن التجربة العمرية -إذا صح التعبير- في التعامل مع أزمة المجاعة ضربت مثلا على نجاح جهود التكامل الاقتصادي، في إدارة أزمة المجاعة بكفاءة عالية يسمح باستخلاص دروس يستفاد منها في إدارة الأزمات المعاصرة في العالم العربي والإسلامي، محذرة من خطر عجز الأمة العربية والإسلامية عن تحقيق الحد الأدنى من الأمن الغذائي، رغم ظهور كثير من التكتلات الإقليمية، مثل منظمة الاتحاد الإفريقي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وغيرها، والتي كان من المفترض أن توفر إطارا لتفعيل سياسات التكامل بما يغني الأمة الإسلامية عن طلب المساعدة من أية جهات أخرى خارج هذا الإطار. وأوضحت الباحثة أن الخليفة عمر استحضر في مواجهة أزمة المجاعة البعد المستقبلي، وتفادي تكرارها، فضلا عن سد باب جبهات أخرى تشغله عن الأزمة الكبيرة؛ حيث نبه إلى عدم استفزاز الأعداء، وعدم جر الدولة لمواجهة خارجية في تلك الفترة، ليستأنف بعد حل الأزمة الفتوحات. وأكدت الباحثة على أهمية العلاقة بين دور القيادة الراشدة والفاعلة في حل الأزمات، مشيرة لقول عمر -رضي الله عنه- «كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما مسهم»، مشددة على أن الشريعة الإسلامية بأحكامها صالحة لكل زمان ومكان، وأن اجتهادات الخليفة عمر بن الخطاب جديرة باتخاذها قدوة من خلال المرونة في التعامل مع النصوص والأحكام الشرعية وإعمال العقل والاجتهاد في تأويل النصوص وتنزيل الأحكام. توصيات اقترحت الباحثة في ختام دراستها ورسالتها بعض التوصيات حول كيفية الاستفادة من نموذج قيادة عمر الراشدة في إدارة أزمة النيجر وهي على الشكل التالي: - الأزمة في النيجر (والصومال والقرن الإفريقي) تحتاج إلى قرارات فاعلة واهتمام من القيادة الإسلامية، متمثلة بمنظمة المؤتمر الإسلامي بصفتها أعلى منظمة إسلامية، ونظرا لعضوية النيجر في المنظمة، للتعامل مع أزمة النيجر عبر سياسات، تتمثل في تفعيل تضامن الدول الإسلامية والعربية، من أجل تحقيق التنمية المستدامة للنيجر، ولغيرها من دول إسلامية فقيرة. - العمل الجاد على الاستفادة من القوى السكانية في النيجر، وهي حوالي 15.290.000 فردا (إحصاءات عام 2008)، فإنقاذ أهل النيجر وإخراجهم من الأزمة هو استثمار لرصيد الأمة الإسلامية، ولهذه الطاقة المعطلة، فمثلا يمكن لبعض الدول الغنية التي تشكو من نقص الأيدي العاملة اتباع سياسات لاستقدام العمالة من الدول الفقيرة. وهو ما سوف يجعل الشعب في النيجر يستشعر معنى التكافل والتعاون الإسلامي في المساهمة في حل أزمتهم، وفي الاقتراب من معاني الدين وسماحته، والتي يجهلها عدد كبير من السكان، بسبب تدهور التعليم. - المساهمة في إيجاد موارد ذاتية للأفراد لتمويل أسرهم وتنمية المشاريع الصغيرة في دولهم. وهو المنهج الذي انتهجه الخليفة عمر بن الخطاب في التعامل مع النازحين إلى المدينة، عند عودتهم إلى مناطقهم؛ حيث زودهم بما يكفيهم ويعينهم على العمل. - ترى الدراسة إمكانية إيجاد لجنة رسمية مشكلة من منظمة المؤتمر الإسلامي، ومن دولة قطر لدورها الريادي في المساهمة في التخفيف من آثار الأزمة، بتوجيه الاستثمارات العربية والإسلامية عبر بنك التنمية الإسلامي في النيجر، أو بشكل مباشر من الدول، فمثل هذا الدور الاستثماري سوف يجد له مكانا إلى جنب الاستثمارات الأوروبية والصينية وغيرها من دول غربية، والتي يبدو بأنها تتجه للاستثمار لأجل مصالحها وليس لأهداف إنسانية. - بناء عدد من السدود المائية، واستصلاح الأراضي الزراعية والمراعي، والتي يعتمد عليها في الإنتاج. وهي تقابل سياسة الخليفة عمر بن الخطاب في البلاد المفتوحة في ترك خيراتها لأهل البلد، مع مراعاة استقلالية الدولة وقيادتها، كما أن السنوات القادمة، حسب رأي البعض ستشهد «حرب مياه» بين الدول، ما يزيد من أهمية مشروعات الري. - أهمية دور الإعلام في الوقت الراهن وهو ما تميزت به شبكة الجزيرة بتواجدها في النيجر منذ الإعلان الأول عن المجاعة في عام 2005م وإلى اليوم، من خلال التقارير المصورة عبر مراسليها، وهو ما يستدعي توجيه المزيد من الاهتمام إلى الدور الإعلامي عبر منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية بتخصيص البرامج عن أحوال الدول الإسلامية ونقلها للعالم عبر قنواتها. - أهمية دور دولة قطر من خلال دور الحكومة الرسمي وعبر دبلوماسيتها، كفاعل خارجي مؤثر وملتزم بالعمل بأن تكون في طليعة المانحين لمواجهة الكوارث، ومن خلال الهلال الأحمر القطري والجمعيات الخيرية الأهلية، التي قامت بدورها الريادي في استمرار الدعم والمساعدات للنيجر قبل انعقاد مؤتمر المانحين عام 2007، والتي تؤكد أصالة الانتماء الإسلامي والإنساني، في حين يثير الاستغراب غياب ما يدل على الأزمة في النيجر على موقع منظمة المؤتمر الإسلامي، ونشراته. وهو ما يزيد من المراهنة على تواصل الدور القيادي الفاعل لدولة قطر في محيطها العربي والإسلامي عبر آليات منظمة المؤتمر الإسلامي. وهو دور يشهد بالفعل صعودا ملحوظا خصوصا في رأب الصدع بين أبناء الأمة الإسلامية وتحقيق الالتفاف المطلوب حول قضايانا الكبرى.