اليونان تثري رصيد الأزمات الأوروبية المتتالية

alarab
اقتصاد 06 يوليو 2015 , 04:56ص
رويترز
تهدد أربع أزمات كبرى على أطراف أوروبا باجتياح الاتحاد الأوروبي، فيما قد ينطوي على دفع مشروع الوحدة الأوروبية الطموح بعد الحرب العالمية الثانية للوراء عشرات السنين.
فالمخاطر تحدق بوحدة الاتحاد الأوروبي وتضامنه ومكانته الدولية من أزمات الديون اليونانية والدور الروسي في أوكرانيا ومواصلة محاولات بريطانيا لتعديل علاقاتها مع أوروبا والهجرة عبر المتوسط. وسيؤدي الفشل في التصدي لأي من هذه الأزمات على نحو كاف إلى تدهور الأزمات الأخرى بما يضخم المخاطر التي يجابهها المشروع الأوروبي. وأكثر هذه التحديات إلحاحا هو تخلف اليونان عن سداد ديون وخطر خروج أثينا من نظام العملة الأوروبية الموحدة.
وكتب فابيان زوليج وجانيس إيمانويليديس في تحليل لمركز السياسات الأوروبية «ما سيتمخض عنه خروج اليونان (من العملة الموحدة) في الأجل الأطول سيكون له أثره على المشروع الأوروبي ككل، وسيمثل سابقة وسيؤدي إلى إضعاف مبررات وجود الاتحاد الأوروبي ذاته». ورغم أن اليونان لا تمثل سوى %2 من الناتج الاقتصادي لمنطقة اليورو وسكان الاتحاد الأوروبي، فإن إفلاس الدولة -بعد خطتين للإنقاذ أقرضها فيهما شركاؤها في الاتحاد الأوروبي ما يقرب من 200 مليار يورو (220 مليار دولار)- يمثل لطمة هائلة لمكانة الاتحاد.

ألمانيا
وحتى قبل معرفة نتيجة الاستفتاء الذي جرى أمس الأحد في اليونان، فإن الجو السائد في بروكسل يتسم بتبادل الاتهامات. فاليونانيون يشيرون بإصبع الاتهام للألمان، ومعظم الآخرين يلقون اللوم على اليونانيين، ويلقي بعض الاقتصاديين اللوم على التشبث بالتقشف، بينما يركز مسؤولون بالاتحاد الأوروبي على نجاح خطط الإنقاذ الأخرى.
ورغم أن مصير أثينا غير مؤكد، فقد أظهرت المشكلة اليونانية أن مؤسسي اليورو كانوا مخدوعين عندما أعلنوا أن العملة الموحدة رابطة لا تنفصم عراها. والآن ربما يحاول شركاء اليونان صفق الباب وراءها وأخذ خطوات سريعة لتوثيق الصلات بين الأعضاء الباقين، وربما إصلاح بعض الأخطاء الأولية في الوحدة النقدية، وذلك رغم أن المعارضة الألمانية ستحول على الأرجح دون أي تحركات صوب الإصدار المشترك للسندات الحكومية.
ففي المرة التالية التي يحدث فيها ركود أو يهز فيها ارتفاع عوائد السندات السيادية منطقة اليورو، ستتذكر الأسواق السابقة اليونانية.

عدم استقرار
وبخلاف المعاناة التي سيتسبب فيها الانهيار الاقتصادي لليونان وضياع المليارات من أموال دافعي الضرائب في أوروبا، من الممكن أن يؤدي هذا الانهيار إلى تفاقم الأزمات الثلاث الأخرى التي تواجهها أوروبا ويزعزع استقرار منطقة جنوب البلقان الهشة. ونظرا لزيادة التوترات في شرق البحر المتوسط بسبب الحرب الأهلية في سوريا والصراع الفلسطيني الإسرائيلي واستمرار انقسام قبرص والنزاعات على حقول الغاز البحرية، فمن المحتمل أن تلجأ اليونان إلى روسيا طلبا للعون. وفي المقابل قد تستخدم أثينا حق النقض (الفيتو) داخل الاتحاد الأوروبي للاعتراض على تمديد العقوبات على موسكو، بل إنها ربما تعرض على روسيا تسهيلات بحرية كانت ذات يوم للولايات المتحدة.
وتكافح أثينا لمجاراة طوفان من اللاجئين من الصراعات في سوريا والعراق الذين يصلون إلى جزرها في بحر إيجه سعيا للجوء في ألمانيا والسويد. ويسعد السلطات اليونانية أن يواصل هؤلاء اللاجئون رحلتهم بحثا عن اللجوء في بلدان أخرى بالاتحاد الأوروبي. وليس من الصعب تصور استخدام حكومة استبعدت من منطقة اليورو اللاجئين كوسيلة للضغط على الدول الأوروبية. وقد أثبتت أزمة المهاجرين بالقوارب عبر المتوسط أنها من عوامل الفرقة في الاتحاد الأوروبي، إذ اتهمت إيطاليا ودول أخرى على الخطوط الأمامية شركاء في الشمال والشرق بأنهم يعوزهم التضامن، وذلك لرفضهم الاشتراك في تمويل اللاجئين أو استقبال مجموعة منهم. وقد رفضت بريطانيا استقبال لاجئين.

ضعف
ومن شأن الفشل في تسوية أزمة ديون اليونان بعد خمس سنوات من المشاحنات، أن يجعل الاتحاد الأوروبي يبدو ضعيفا في عيون الرئيس الروسي فلاديمير بوتن والرئيس الصيني شي جين بينغ وآخرين يتطلعون لتوسيع نطاق نفوذهم.
ويسلم مسؤولو الاتحاد الأوروبي بأن أزمة منطقة اليورو تسببت في إعادة اتخاذ القرار على المستوى المحلي في بعض السياسات وأضعفت «القوة الناعمة» للنموذج الأوروبي. وأوهن ذلك نفوذ الاتحاد الأوروبي في مفاوضات التجارة العالمية والتغير المناخي.
ومن المحتمل أن يكون الأسوأ لم يحدث بعد، فمطلب بريطانيا بإعادة التفاوض على شروط العضوية في الاتحاد الأوروبي وطرح المسألة في استفتاء لا تعرف نتائجه بحلول عام 2017، يثير خطر فقد الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر اقتصاد فيه ومركزا ماليا رئيسيا وأقوى قوة عسكرية مشتركة.
والتوتر قائم في بروكسل رغم أن استطلاعات الرأي تظهر أن البريطانيين المؤيدين للبقاء في الاتحاد الأوروبي يتقدمون بعشر نقاط تقريبا، وكذلك بعض الارتياح لأن رئيس الوزراء ديفيد كاميرون لم يدرج أي مطالب مستحيلة في برنامجه لإعادة التفاوض.

استطلاعات خاطئة
وأخطأت استطلاعات الرأي في بريطانيا في تقدير نتيجة الانتخابات العامة في مايو. ومنذ فوز كاميرون في الانتخابات حاصره متشككون في الوحدة الأوروبية من أعضاء حزب المحافظين الذي يتزعمه عدة مرات.
ومن المحتمل أن يؤدي انهيار اقتصادي طويل في اليونان سواء ظلت داخل منطقة اليورو أم خرجت منها بالإضافة إلى الاضطرابات الاجتماعية والفوضى السياسية، إلى تعزيز موقف من يجادلون بأن الاقتصاد مكبل لأنه «مربوط بجثة».
وفي ضوء العداء الذي تكنه روسيا منذ الحرب الباردة لبريطانيا التي تعتبر في موسكو أخلص حلفاء الولايات المتحدة، فمن المرجح أن يسعد بوتن أي احتمال لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فمن شأن ذلك أن يضعف من يطالبون في الاتحاد الأوروبي برد أقوى على تصرفات روسيا في أوكرانيا وجورجيا، ويبعد شريك واشنطن الوثيق عن التكتل الأوروبي، رغم أن بريطانيا ستظل عضوا في حلف شمال الأطلسي. وهذا بدوره سيقوي موقف بوتن في التعامل مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي قادت الدبلوماسية الأوروبية الساعية لإعادة فرض سيطرة أوكرانيا على كامل أراضيها.