الصدق وأثره في المجتمع

alarab
الصفحات المتخصصة 06 يوليو 2012 , 12:00ص
الشيخ محمد المهدي ?
الصدق لغة هو مطابقة الحكم للواقع. وهذا التعريف عام، ويعرف أيضا بالإخبار على وفق ما في الواقع، وهذا التعريف أخص من التعريف الأول وسنتحدث هنا عن الصدق مع الله ثم الصدق مع رسول الله ثم الصدق مع الناس. يقول الله تعالى: (ومن أصدق من الله قيلا)، فلا أحد أصدق منه قولاً، وأصدق الحديث كتاب الله تعالى. وقال القرآن: (هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله). وقد أثنى الله على كثير من أنبيائه بالصدق، فقال القرآن عن نبي الله إبراهيم: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقًا نبيًا)، وقال الله تعالى عن إسماعيل: (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيًا)، وقال عن يوسف: (يوسف أيها الصديق)، وقال القرآن عن إدريس: (واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقًا نبيًا). وكان الصدق صفة لازمة للرسول صلى الله عليه وسلم، وكان قومه ينادونه بالصادق الأمين، ولقد قالت له السيدة خديجة عند نزول الوحي عليه: إنك لَتَصْدُقُ الحديث.. والصدق أنواع منها: الصدق مع الله: وذلك بإخلاص الأعمال كلها لله، فلا يكون فيها رياءٌ ولا سمعةٌ، فمن عمل عملا لم يخلص فيه النية لله لم يتقبل الله منه عمله، والمسلم يخلص في جميع الطاعات بإعطائها حقها وأدائها على الوجه المطلوب منه. الصدق مع الرسول صلى الله عليه وسلم: باتباع سنته وهديه. الصدق مع الناس: فلا يكذب المسلم في حديثه مع الآخرين، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ). الصدق مع النفس: فالمسلم الصادق لا يخدع نفسه، ويعترف بعيوبه وأخطائه ويصححها، فهو يعلم أن الصدق طريق النجاة، قال صلى الله عليه وسلم: (دع ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُك، فإن الكذب ريبة والصدق طمأنينة). روى الإمام مسلم أن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأُتيَ به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال هو جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فأتي به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل ثم أمر به فسُحبَ على وجهه ثم ألقي في النار)، فهنيئا لمن كان صادقا. قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان)، وقال (إن الذين يخافون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير)، لأن المؤمن الذي يخاف الله في السر والعلن إذا قال صدق وإذا وعد أوفى لا يعرف الكذب ولا الغش ولا الخداع إلا بما حدده الشرع ورخص به في أمور ومواقف محددة، كما في الحروب ومراوغة الأعداء وفي الصلح بين الناس حتى تسود المحبة والإخاء ومع الزوجات في بعض الأمور فقط حتى لا ينتشر الكذب أو يتخذه البعض ديدنا له في حياته، فإنما شرع الكذب فقط من أجل المصلحة والمنفعة العامة للمسلمين في مواقف بعينها.. ولذا نجد أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يبين لنا كيف نتعامل مع زوجاتنا، وأكد أن الذي لا يصدق مع الله ومع رسوله يكون منافقاً.. وقد ذهب بعض أهل العلم بكفر من استحل الكذب على الله وعلى رسوله. ومن يكذب على الناس فهذا حرام ومخالف للشرع بنص الآيات والأحاديث. قال تعالى حتى في الأمم السابقة في حال كفرهم (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين)، وقال (الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين)، وقال للجن والإنس (فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ. وَنَحْنُ أقرب إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لّا تُبْصِرُونَ. فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، وقال سبحانه (ليسأل الصادقين عن صدقهم). وهذا نداء عام من الله للمؤمنين (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)، وقال الله (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم)، وقال سبحانه: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب).. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أُحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: «اثبت أُحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان»، فهم جميعا صادقون ولكن النبي قال «وصديق» لأن الصديق أبلغ من الصادق، ولذا قال الله (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا)، وفي الحديث يقول النبي «اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيدكم». وخرج النبي يوما من المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: يا معشر التجار، فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبرَّ وصدق. وفي حديث ابن مسعود يقول النبي صلى الله عليه وسلم «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما وزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا). قال تعالى: (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز)، وفي الحديث «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ»، وفي رواية «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه).. إنها النية الصادقة تشابه الشهداء في الأجر.