خبراء: الإيجار من الباطن وراء رفع الأسعار ويثير المشاكل للمالكين والمستأجرين

alarab
تحقيقات 06 فبراير 2014 , 12:00ص
الدوحة - محمد سيد أحمد
لا تزال ظاهرة الإيجار من الباطن مؤرقة وشبه مستعصية على الحل لأسباب عديدة، يقول خبراء في العقار إن أهمها تشابك مصالح شبكة من سماسرة التأجير من الباطن مع ملاك العقارات، فالمالكون غالبا ما يفضلون التعامل مع شخص واحد بدل التعامل مع عدة أشخاص، وقد لا يتيح الوقت لمالك العقار التعامل مع المستأجرين كل على حدة، ويشير الخبراء إلى أن عدم تطبيق القانون الخاص بالعقارات بشكل جدي لا يزال يحول دون وضع حد لهذا النوع من الممارسات التي تخلف وراءها كل يوم مشاكل كثيرة للمستأجرين وحتى لملاك العقارات أنفسهم. وفي حديث لـ «العرب» أكد خبير عقاري أن كثرة مكاتب العقارات وتحولها إلى مهنة لكل من هب ودب هو ما جعل تنظيم سوق العقارات شبه مستحيل، بالإضافة إلى غياب المخطط العام الذي طال انتظاره والذي عن طريقه يمكن تخصيص أراض سكنية كافية لسكن العمالة الوافدة التي تحتاج عملية استيعابها سكنيا إلى آلاف الوحدات السكنية، وبسبب عدم كفاية الوحدات السكنية تحدث مشاكل كثيرة من ضمنها ما يعانيه العديد من أرباب العائلات بشكل يومي نتيجة لسكن مجموعة من العزاب إلى جوارهم، ولتنظيم هذا الحقل الاقتصادي الهام -الذي يعتبر إحدى ركائز الاقتصاد الوطني- يرى بعض المتدخلين أنه لا بد من تعاون الجميع بما فيهم المستأجر الذي يجب عليه أن لا تلجئه الظروف إلى سماسرة التأجير من الباطن حتى نضع حدا لأنشطة هذه الشبكات التي باتت تتحكم في مصير العديد من الأسر القطرية والمقيمة على أرض دولة قطر حسب تعبير أحد المتدخلين. يقول محمد الراشد إن كسل ملاك العقارات هو الدافع وراء استفحال ظاهرة التأجير من الباطن التي باتت تساهم بشكل كبير في رفع الإيجارات التي كنا نأمل أن تشهد تراجعا ملحوظا مع دخول آلاف الشقق والفلل إلى الخدمة في السنوات الأخيرة، وإذا لم يتم تنظيم هذا القطاع بشكل رسمي فستبقى الفوضى هي المسيطرة عليه، ومن غير المعقول أن تترك شبكة من الوافدين الآسيويين وبعض الجنسية العربية تتحكم في سوق العقارات في قطر بسبب غياب الوعي الكافي لملاك العقارات. وطالب الراشد المستأجرين بالمساهمة في إيقاف ظاهرة التأجير من الباطن عن طريق الامتناع عن تأجير أي عقار إلا عبر مكتب عقاري مرخص وبالطرق المتعارف عليها، لأن المستأجرين للأسف يساهمون في تكريس هذه الظاهرة من خلال التماهي مع أبطالها, وهو ما جعل التأجير من الباطن تزداد وتيرته بشكل كبير، حيث سيطرت عصابات آسيوية على ما يسمى بالمحلات التجارية الصغيرة، والعديد من العقارات السكنية التي دفع بأصحابها الكسل إلى تفضيل استئجارها من شخص واحد بدلا عن مستأجرين عدة، ففي العديد من الأحياء السكنية في الدوحة وضواحيها نتابع تشطيب عمارات وفلل سكنية طمعا في الحصول على شقة أو «استوديو» للسكن، وعندما تجهز العمارة نتصل على مالكها لنجد الرد المباشر والواضح، أنا لا أؤجر لأشخاص، وبعد يوم أو يومين نجد شخصا آسيويا أو عربيا قد أثبت رقم هاتفه على واجهة العمارة وكتب فوقه كلمة «للإيجار» أو «for rent» ثم ما يلبث هذا الشخص أن يقوم بتقطيع العقار بالخشب من الداخل محولا إياه إلى غرف صغيرة الحجم يؤجرها لعزاب بمبالغ مرتفعة، علما بأن هذه المبالغ عند ما تقسم على 4 أو 5 أشخاص تكون معقولة بالنسبة لهم، في الوقت الذي يجني المستأجر من الباطن من وراء هذه الأعمال عشرات الآلاف من الريالات، بالإضافة إلى رفع سعر الإيجار على الشقق, بحيث يصل سعر الشقة إلى 6 آلاف ريال في الوقت الذي لا يدفع هو مقابلها للمالك سوى 4 آلاف ريال، لذا آن الأوان لتنظيم هذا القطاع ووضعه تحت المراقبة وتخليصه من هذه الشبكات حتى يحافظ ملاك العقارات على مصالحهم, ويجد الباحثون عن السكن حاجتهم بأسعار معقولة. دور الطفرة الاقتصادية أما حمد النعيمي فيؤكد على أن التأجير من الباطن كان محدودا قبل الطفرة الاقتصادية وزيادة السكان المخيفة التي حدثت بعد تلك الطفرة، فبعد الانطلاقة الكبيرة في مجال البنية التحتية وتشييد المشاريع العقارية الكبيرة من أبراج وفلل ومجمعات دخل بعض الآسيويين والعرب على خط سوق العقارات ليحولوها إلى فوضى كبيرة, بات من شبه المستحيل تنظيمها ما لم تكن هناك قوانين صارمة ورغبة جادة من المعنيين بالأمر كوزارة البلدية وغيرها من الجهات التي يتبع لها هذا القطاع، علما بأن الخسائر الناجمة عن تأجير الوحدات السكنية الصغيرة من الباطن، أكبر من تلك الناتجة عن تأجير المجمعات والفل حسب اعتقادي، وتبقى الفلل هي أم المشاكل في هذا المجال، فمعظم سماسرة التأجير من الباطن متفقون على أن الفيلا هي فرصتهم الثمينة وضالتهم التي يبحثون عنها دائما، ذلك أن الفيلا قابلة للتقسيم وتحويلها إلى كانتونات صغيرة تشبه الملاحق، أو تقسيمها إلى غرف تؤجر كل واحدة منها لمجموعة أشخاص مما يخلق أوضاعا صعبة لمن يسكن بجوار هذه الفيلا، لأن عشرات العزاب يتكدسون فيها, مشكلين ضغطا كبيرا على الخدمات المتوفرة، من دورات مياه ومطابخ, الأمر الذي يؤدي غالبا إلى كثرة الأعطال المتعلقة بالمياه, بحيث تفيض كل أيام، ناهيك عن خروج هذه العمالة العازبة إلى الشوارع في معظم الأوقات, وأحيانا بملابس غير لائقة, مما يسبب تذمرا لدى أرباب الأسر المجاورة، وهي الظاهرة الأخرى التي يشتكي منها الجميع والتي من أبرز أسبابها تأجير الفلل من الباطن. تفعيل قانون العقارات ونبه النعيمي على أن القانون المنظم للعقارات والإيجار يجب تفعيله بما يخدم مصلحة ملاك العقار والمكاتب، والمستأجر على حد سواء، وإلا سيبقى هذا القانون مجرد حبر على ورق لعدم تقيد الجميع به، فكم من مستأجر يدرك أنه استأجر هذه الشقة أو هذه الغرفة من الباطن وهو معرض للطرد من السكن في أي وقت عندما يكشف أمره، لا يعبأ بذلك معتمدا على أن القانون شيء وتطبيقه شيء آخر، كما أن بعض ملاك العقارات يعرفون أنهم يؤجرون عقاراتهم من الباطن وهي مخالفة للقانون، لكن ذلك لا يهمهم ما دام هذا المستأجر يدفع ما اتفق عليه كل شهر، وقد يكون ممن جمعوا أموالا طائلة وبات يدفع إيجار سنة مقدما مما يطمئن مالك العقار ويجعله على ثقة من أنه لن يخسر شيئا ما دام قد تسلم الإيجار مقدما، والضحية في هذا كله هي شريحة أرباب العائلات التي لا يمكن أن تتقاسم السكن مع غيرها، بيد أنها مجبرة على الخضوع لرغبات وجشع سماسرة الباطن، فهذه الشريحة هي التي تعاني من تذبذب أسعار الإيجارات واستحالة هبوطها. وأشار النعيمي إلى أن عائلته تسكن في مدينة الشمال وعمله في الدوحة، وهذا الوضع يحتم عليه البحث عن سكن له ولزوجته في الدوحة, بحيث يستطيع الوصول إلى مكان عمله في الوقت المناسب، لكنه لم يجد سكنا إلا بعد جهود كبيرة. وأضاف: نظرا للإرهاق الذي سببه لي الدوام من هذه المسافة البعيدة بحثت عن سكن في الدوحة, وعثرت عليه بعد جهد كبير في منطقة الغرافة، وهو عبارة عن ملحق في فيلا يبدو أنها مؤجرة من الباطن، وهذا السمسار يقوم برفع الإيجار كل سنتين بنسبة %10 لافتا إلى أن قانون الإيجارات يخول له ذلك، وبعد نقاشات طويلة معه طلبت منه الذهاب للمكتب الذي تتبع له الفيلا، فاكتشفت أنه قام بتأجير الفيلا من مالكها بالباطن، وقد حاولت الوصول إلى المالك لأستفسر منه عن سبب هذه الزيادات وما إذا كان على علم بها، إلا أن جهودي باءت بالفشل في الوصول إليه لعدم القدرة على معرفته، ورضخت للأمر الواقع لأنه لا بديل أمامي, فالحصول على سكن في الدوحة بسعر معقول بات من سابع المستحيلات. يساهم في عدم استقرار أسعار العقارات الخبير العقاري زايد الخيارين, يرى أن ظاهرة التأجير من الباطن تساهم بشكل واضح في عدم استقرار أسعار العقارات, ولا يمكن محاربة تلك الظاهرة ما دامت أسباب بقائها مستمرة، ومن جملة تلك الأسباب وبروز هذه الظاهرة واستعصائها على الحل: النقص الكبير في العقارات المخصصة لسكن العمال, وهو ما يدفع بأشخاص لا علاقة لهم بمكاتب العقارات ولا بهذا المجال إلى البحث عن فرصتهم في جني أموال بسرعة والقيام بممارسة مهنة التأجير من الباطن، وللمثال على ذلك يمكن لأحدهم إيجاد مجموعة كبيرة من العمال تبحث عن سكن في مكان مناسب لمقر عملهم، ومن ثم يبدأ هذا الشخص -المتطفل على المهنة- بالبحث عن فيلا مناسبة, وعندما يجدها يعود إلى مجموعة العمال للاتفاق معهم على سعر مسبق ثم يؤجر الفيلا من مالكها مباشرة, ليقوم هو بعد ذلك بتقطيعها حسب عدد العمال وحشر كل 5 أو 6 أشخاص في غرفة واحدة مقابل مبلغ متفق عليه للسرير وهكذا، بالتالي علينا الاعتراف بأنه ما لم تخصص أرض كافية لإقامة سكن يستوعب العمال الآخذ عددهم في التصاعد يوميا فستبقى هذه المشكلة قائمة، وستبقى المشاكل المترتبة عليها قائمة كذلك، مثل سكن العمال وسط العائلات الذي عجز الجميع -رغم القوانين- عن حله، والسبب يعود إلى قلة مساكن العمال، فنحن لا يمكن أن ندفع بآلاف العمال يوميا إلى السوق التي تحتاجهم ثم لا نوفر لهم سكنا، أما السبب الآخر في ارتفاع الإيجارات واستشراء ظاهرة التأجير من الباطن فيعود إلى الفوضى الكبيرة الحاصلة في مجال مكاتب العقارات حتى أصبحت هذه المهنة «مهنة من لا مهنة له» في الوقت الذي تتطلب فيه ممارسة هذه المهنة الكثير من الشروط، مثل وجود مقر مناسب ومحترم للمكتب، ووجود أشخاص لديهم الخبرة والمعرفة بهذا المجال، ووجود مهندسين في المكتب يستطيعون معرفة أنواع العقارات والطريقة الأفضل لتأجيرها، وهل هي صالحة للسكن العائلي أم لسكن العزاب، هذه الشروط للأسف تغيب عن الكثير من المكاتب العقارية. ظهور المخطط العام ولدى سؤاله عن عدم تنظيم السوق العقارية أوضح الخيارين أن تنظيم السوق العقارية يتطلب شروطا ما زالت لم تتحقق، من أهم تلك الشروط هو غياب المخطط العام الذي ينتظر بروزه في الفترة القادمة، وما لم يبرز المخطط العام للعلن فستبقى السوق العقارية على حالها من حيث تذبذب أسعار الإيجارات، لكن بعد ظهور المخطط العام ستكون هناك فرصة كبيرة لتنظيم السوق العقارية. وفيما يخص رؤيته للمكاتب الحالية الموجودة وما إذا كانت تستطيع تغطية كامل السوق العقارية، أجاب الخيارين بأن المشكلة لا تكمن في قلة المكاتب، بل هي في كثرتها وفوضويتها حتى أصبح كل من يرغب في ممارسة نشاط تجاري يقوم بفتح مكتب بغض النظر عن خبرته في المجال، فبسبب كثرة المكاتب العقارية -وعدم استكمال الكثير منها للشروط الحقيقية الواجب توفرها في مكاتب العقارات- نشهد اليوم هذه الفوضى في الإيجارات وتذبذبها وعدم ضبطها، وعليه فإنني أعود وأكرر القول بأنه لا بد من غربلة مكاتب العقارات وإخراج المتطفلين على هذه المهنة, وكل مكتب لا تتوفر فيه الشروط، كما أن منح الرخص التجارية يجب أن يكون مقننا بحيث لا تمنح رخصة إنشاء مكتب عقاري إلا بعد التثبت والتأكد من أنه مستوف للشروط التي تؤهله لممارسة هذا النشاط الهام الذي يتعلق بحياة الناس اليومية, ويؤثر سلبا أو إيجابا على لقمة عيشهم، وعندما تتم هذه الأمور الكفيلة بضبط نشاط مكاتب العقارات فسيكون بالإمكان ضبط الأسعار ومعرفة مكمن الخلل. أنشطة تخالف القانون بدوره ينصح عبدالله الحداد -مسؤول أحد مكاتب العقارات- الملاك بالالتزام بالقانون والبحث عن الأسعار المناسبة والشركات المناسبة والمتخصصين قبل تأجير عقاراتهم، وأردف: أتساءل عن السر وراء غياب التفكير والمنطق عن ملاك العقارات وعدم متابعتهم لمآلات العقارات التي يؤجرونها من الباطن، فهؤلاء ربما لا يدرون أن أحدهم يؤجر عقاره بـ50 ألف ريال لآسيوي أو عربي، ثم يقوم هذا الوافد بتأجيرها بـ100 ألف ريال, في الوقت الذي كان بإمكان مالك العقار البحث عن مكاتب متخصصة ذات سمعة محترمة والاتفاق معهم على طريقة تأجير عقاره، ويضمن بذلك عدة أمور حسب رأيي، أولها الاطمئنان على عين عقاره، والثاني التأكد من أن حقه لن يضيع لوجود المكتب ومعرفة مقره ومن يعمل به، عكس الوافد الذي يمكن أن يختفي في أي لحظة، وقد اختفى أجانب فجأة بعدما استلموا الإيجارات كاملة, وتركوا صاحب العقار يواجه مشاكل مع المستأجرين. وأشار الحداد إلى أن المكاتب المحترمة لا تسمح بالتأجير من الباطن، لأنها لا تقبل ممارسة أنشطة تخالف القانون، وحتى لو تضمن العقد فقرة تسمح بالتأجير من الباطن فإننا لا نوافق على عقد لا يتفق مع القانون لئلا نضع أنفسنا في مشاكل نحن في غنى عنها حسب تعبير الحداد، كما أنه لا يمكن توقيع أي عقد آخر إلا بشيكات ضمان مستوفية الشروط، بالإضافة إلى معرفة الشخص ومكان عمله، من هنا أنصح ملاك العقارات أن يديروا أملاكهم بأنفسهم بدلا من تأجيرها من الباطن عن طريق الآخرين، لأن التأجير من الباطن أثبتت الوقائع والتجارب بأنه أحد الأسباب -إن لم يكن أهمها- في عدم القدرة على ضبط أسعار سوق العقارات وزيادة التضخم.