«صناعة الشاشية» حرفة تونسية تكافح من أجل البقاء
منوعات
06 فبراير 2014 , 12:00ص
تونس - د.ب.أ
يقضي خريجو الجامعات في تونس عادة سنوات طويلة لتحقيق حلمهم في الالتحاق بوظيفة في القطاع العام أو في إحدى كبرى الشركات الخاصة، لكن محمد لم يتردد في التخلي عن هذا الحلم في سبيل الالتحاق بمهنة أجداده بسوق الشواشين.
ترك محمد المهدي (32 عاما) منصبه بأحد البنوك ليصبح حرفيا وتاجرا في سوق الشواشين، وهو يزاول مهنته كصانع للشاشية التونسية الشهيرة منذ ثماني سنوات.
وعلى بساطتها فإن محمد يجد متعة في مزاولة هذه المهنة في المكان الذي يحبه، وقضى فيه فترة صباه، وهو يرقب والده الذي سبقه في المهنة في سوق الشواشين بقلب المدينة العتيقة.
ويروي المهدي لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) «أنهيت دراستي الجامعية والتحقت للعمل بأحد البنوك، لكني بعد فترة غادرت البنك واستلمت العمل بورشتنا، العمل هنا أفضل».
ورث المهدي ورشته المفتوحة منذ عام 1929 عن أبيه الذي ورثها بدوره عن جده، حيث زاول فيها جميع أفراد العائلة بمن فيهم والداه حرفة صناعة الشاشية.
ويقضي المهدي في ورشته المزدحمة بأنواع من الشاشية التونسية الفاخرة ساعات طويلة في تلبيد الشاشية في المراحل الأولى من صناعتها تارة، وفي التحاور مع التجار الوافدين تارة أخرى، بينما يتوقف من حين لآخر وفد سياحي أمام واجهة المحل.
وقال المهدي «هذه الحرفة كانت مقتصرة على الأعيان فقط. ولا يمكن أن يصبح الحرفي من الشواشين إلا بعد أن يخضع لاختبار من اللجنة التابعة لغرفة الشواشين ثم تمنحه «النيشان» إذا اجتاز الاختبار».
والنيشان هي العلامة التي تطبع على الشاشية قبل بيعها.
ولطالما كانت صناعة الشاشية حرفة الأغنياء منذ القدم، لكن الروايات تختلف حول تاريخ ظهورها في تونس.
والقصة كما هي موثقة في النشرية الرقمية «تونس المدينة» بدعم من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ترجع صناعة الشاشية بشكلها الحالي إلى الأجداد القادمين من بلاد الأندلس عقب سقوط غرناطة في عام 1492، مع أن بعض المراجع تحدثت عن بداية ظهور هذه الحرفة في مدينة القيروان التاريخية منذ القرن الثاني للهجرة.
وتقول القصة المتداولة: إنه عندما استعد الأندلسيون للهجرة النهائية، تاركين كل شيء وراءهم، عملوا على حمل الأدوات اللازمة التي قد تمكنهم من مواصلة مهنتهم المتوارثة أبا عن جد، حال وصولهم إلى الأرض الجديدة التي ستستقبلهم.
ولحظة الانطلاق، أوقفت عجوز الموكب ورجعت إلى بيتها لتعود حاملة صندوقا صغيرا يحوي بعض حبوب «شوك الدواب» المخصص لمشق «الشاشية».
وعند نزولهم بتونس عمل الأندلسيون على تنقيب الأنحاء بحثا عن تربة ومناخ ملائمين ووقع اختيارهم على منطقة «العالية» قرب بنزرت أقصى شمال البلاد على ضفاف المتوسط، حيث تم غرس الشوك وأزهرت الغرسات مما مكن «شواشين» في مدينة تونس العتيقة من تحقيق صنعتهم على أفضل وجه لتعرف حرفتهم الازدهار.
لكن أغلب باعة الشاشية اليوم يتحسرون على تلك العصور الزاهية، حينما كانت صناعة الشاشية تدر على أصحابها من «البلدية» (السكان أصيلي العاصمة) الثروات.
وحتى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي كان سوق الشواشين سوق الأثرياء يعج بالمئات من الورشات والمصانع لكن أعدادها اليوم لا يتعدى أصابع اليدين فضلا عن بعض الباعة المنتشرين في أسواق المدينة العتيقة.
واقتصرت المصانع المتبقية على بعض العائلات البرجوازية العريقة أصيلة مدينة تونس العتيقة، وهؤلاء يحظون بمكانة مرموقة داخل المجتمع التونسي، ويرجع لهم الفضل في ترسيخ هذه الصناعة والمحافظة عليها جيلا بعد جيل.
وقال المهدي «صناعة الشاشية ما زالت مربحة وهي تحافظ على رواجها في الخارج. نحن نبيع كل منتوجنا ونقوم بتصدير أغلبه إلى الخارج».
وأضاف المهدي «يأتينا التجار باستمرار من ليبيا والكاميرون والنيجر».
لكن بخلاف القلة المسيطرة على السوق، فإن القطاع يشكو بشكل عام من أزمة، ليس بسبب تغير عادات اللباس فحسب، ولكن أيضاً بسبب ارتفاع أسعار الشاشية إلى جانب غياب الابتكار وأفكار التحديث لدى الحرفيين في هذا المجال.
ونحو %80 من إنتاج الشاشية يتم تصديره إلى الخارج، بشكل خاص إلى دول الجوار ليبيا والجزائر وإلى مالي والنيجر ونيجيريا وبعض الأسواق الإفريقية الأخرى، بينما يزداد الطلب عليها محليا في المناطق السياحية وخلال المناسبات الدينية وشهر رمضان، خاصة إذا ما تزامن مع فصل الشتاء.
وعكس ما يوحي به شكلها البسيط تمر صناعة الشاشية بمراحل مضنية قبل أن تأخذ شكلها الدائري بلونها الأحمر القرمزي.
وكما هو متعارف عليه وموثق في نشرية «تونس المدينة» يتم في مرحلة أولى اختيار صوف مستورد بجودة عالية، ثم يقع غسله وتجفيفه ثم مشقه وغزله حتى يصل إلى أيادي الحائكات لتقوم بحياكته في شكل قبعة واسعة، قطرها 30 سم وعمقها 40 سم، تسمى «كبوس».
بعد هذه المرحلة، يقع تلبيد «الكبابيس» باستعمال الماء والصابون إلى أن تأخذ شكل قلنسوة بنسيج ضيق لا يظهر سردات الحياكة الأولية، عندها تخضع القلنسوة إلى عملية مشق تهدف إلى جعلها وثيرة ولينة.
بعدها تصبغ الشاشية وتخضع إلى عملية مشق جديدة. وفي الأخير يخيط الحرفي رمز «النيشان» داخل الشاشية بواسطة رسم خيطي أسود قبل تصديرها وتسويقها إلى الحرفاء.
وقال المهدي «الشاشية التونسية لا يمكن صناعتها إلا في تونس وتصنع بمثل هذه الطريقة التقليدية فقط».
وترتبط الشاشية بمحيطها أولا، وبالهرم الاجتماعي السائد.
ويوضح المهدي «ألوانها تختلف من جهة إلى أخرى، وفي السابق كان طولها يتحدد بحسب المستوى الاجتماعي لحامليها».
لكن شاشية اليوم تبدو أكثر التصاقا بروح العصر إذ تخلت عن مسايرة الفوارق الاجتماعية، وبدل ذلك يحاول الحرفيون استقطاب فئة الشباب عبر تصنيع شاشية أقل كلفة، لكن الأمر يحتاج إلى المزيد من التسويق.
ومع محاولات إنعاش القطاع، فإن أكثر ما يتهدد صناعة الشاشية هي الارتفاع المستمر لأسعار المواد الأولية وندرتها في بعض الأحيان، حيث يصعب توفر الصوف بجودة عالية في السوق المحلية، ويجري استيرادها في الغالب من دول مثل أستراليا وفرنسا وإسبانيا وتركيا.
والعنصر الأخطر من ذلك هو التراجع المستمر في عدد الحرفيين الذين يتقنون صناعة الشاشية، والسبب في ذلك أنه لا يجري تعويض من يتوفى أو من يهاجر المهنة نهائيا.
وقال محمد المهدي «عليك أن تكون محبا للمهنة ومولعا بالشاشية حتى تتعلم وتتقن صناعة الشاشية».
ويضيف المهدي «الشاشية جزء من هويتنا وتراثنا الثقافي، ربما تعرف شيئا من الكساد لكنها لن تختفي.. الشاشية لن تموت».