العودة: اختلاف الناس سُنة إلهية

alarab
محليات 05 ديسمبر 2015 , 02:09ص
محمد صبرة
أكد الشيخ سلمان بن فهد العودة، الداعية والمفكر الإسلامي السعودي المعروف، أن الاختلاف سُنة إلهية، منذ خلق الله عز وجل آدم عليه الصلاة والسلام.
وذكر أن الملائكة اختلفت وتنازعت في الرجل الذي قتل مئة نفس، حيث اختلفت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، واختلف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما في قصة موسى والخضر، وكما في قصة سليمان وداود «إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ». واختلف الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
وطالب في خطبة الجمعة التي ألقاها أمس بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب، باحترام مبدأ الاختلاف بين الناس مبينا أنه أمر فطري غزيري مفطور في النفوس بين الناس، حيث يختلف الأب مع ابنه، والأخ مع أخيه، والتوأم مع شقيقه.
وأشار إلى صور من اختلاف أبي بكر وعمر، وهما أفضل الصحابة، وسيدا كهول أهل الجنة، وأفضل من طلعت عليه الشمس أو غربت.
وضرب أمثلة على اختلاف الصحابة، منها ما حصل من خلاف في غزوة بدر بشأن الأسرى، حيث قال أبوبكر: هم أقاربنا وبنو عمنا وعشيرتنا وأرى أن نرفق بهم لعل الله أن يهديهم، ونأخذ منهم الفداء ونطلقهم. بينما قال عمر بن الخطاب، الذي كان قويا في الحق: لا والله يا رسول، ما أرى رأي أبي بكر، فإن هذه أول معركة أعز الله فيها الإسلام، وأرى أن تمكنني من فلان فأضرب عنقه، وتمكن عليا من فلان، وتمكن فلانا من أقاربه فيضربوا أعناقهم، حتى يعلموا أنه ليس في قلوبنا هوادة في دين الله عز وجل.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم، مال إلى رأي أبي بكر، القريب من اللين والتسامح، وقال للصحابة: أنتم فقراء فلا ينطلق أحد من المشركين إلا بفدية.

الاختلاف فطرة إنسانية
وتوقف عند ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرسخا مبدأ الاختلاف، وأنه أمر فطري غزيري مفطور في النفوس بين الناس، حيث قال لأبي بكر: مثلك كمثل نبي الله إبراهيم، عندما قال: «فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ». ومثلك كمثل عيسى عندما قال: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».
وقال لعمر: مثلك كمثل نوح عندما قال: «رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً»، وكمثل موسى عندما قال: «رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ».
وعلق على موقف النبي صلى الله عليه وسلم، من اختلاف أبي بكر وعمر، موضحا أنه أقر بوجود فرق في الطبع والتكوين والمزاج والرؤية والنظر، مع وجود الصدق والإخلاص.

تعلم سيرة أبي بكر وعمر
ونصح الشيخ العودة بتأمل سيرة الشيخين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، مطالبا بأن تكون سيرتهما دروسا نعلمها لأبناء المسلمين وبناتهم، في المدارس، ونقدمها في البرامج الإعلامية، واقترح أن تكون سيرتهما مادة درامية يسهل عرضها عبر وسائط الاتصال الحديثة، مع مراعاة الضوابط الشرعية.
وأبدى خوفه من أن يسبقنا أقواما بنظرات غير موضوعية، لجيل الصحابة رضوان الله عليهم، فيشوهون صورتهم أمام الأجيال المفتونة بالأدوات الإعلامية الحديثة وأمام غير المسلمين.

احترام الخلاف
وجدد التأكيد على وجوب احترام الاختلاف الراقي الرشيد بين الناس.
وقال نحن نعقد آلاف المحاضرات ونلقي آلاف الدروس ونقرأ آلاف الكتب، ونطلق آلاف التغريدات حول الاختلاف، ولا يزيدنا الأمر إلا بعدا عن احترام المختلفين معنا، وولعا بتحويل الخلاف إلى نار تأكل الأخوة.
وأوضح أن أمر الخلاف لا يكفي فيه إلقاء دروس ومحاضرات وتغريدات، مبينا أن الخلاف يجب أن يكون منهجا وتربية تتعلمها النفوس وتستقر بداخلها وتتفهمها وتتواضع لها.

تعظيم الصحابة
ودعا الشيخ سلمان العودة لتعظيم الصحابة وحبهم والثناء عليهم، معتبراً ذلك التعظيم «قربة إلى الله تعالى، ودليل على صدق الإيمان بالله تعالى ورسوله».
وأشار إلى أن الله عز وجل اختار الصحابة من بين سائر البشر لصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي رباهم على يده وعلمهم قولا وعملا، في السلم والحرب والسفر وفي الفقر والغنى والقوة والضعف، في مكة والمدينة، وقبل الهجرة وبعدها، فكانوا أفضل الأصحاب لأفضل الأنبياء.
وفي معرض دعوته لتوقير الصحابة وتعظيمهم، لم ينسَ «العودة» توضيح أن الصحابة بشر ليسوا معصومين، لافتاً إلى أنهم كانوا يصيبون ويخطؤون، ومعترفاً باختلاف مراتب الصحابة في سابقة الإيمان والتقوى والعلم والقوة والغنى والفقر، مؤكداً على أن جيل الصحابة أفضل الأجيال وأنهم أعظم الأمم، حيث اختارهم الله عز وجل لصحبة النبي وألهم النبي حُسن تربيتهم وتعليمهم، وتعاهدهم لأن يكونوا جيلا مثل المنارة لمن يخوض البحر، يهتدي بها ليعرف الطريق.
وأكد الشيخ العودة أن «أمة تعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم سوف يتربى أفرادها على النبل وصدق الإيمان، وحب الله والرسول، وعلى القيم النبيلة».
وبيَّن أن من يتعلم سيرة الصحابة يجد رجالا من لحم ودم يطبقون قيم ومبادئ الإسلام قولا وعملا، يحيون ويموتون عليها، فلا يجد في نفسه غضاضة من السير على نهجهم والاقتداء بهم.
وقال: قد نلتمس لأنفسنا العذر أن نخالف القيم وأن نتظاهر بشيء ونبطن خلافه وأن نختلف فيما بيننا، لأنه لا قيمة لمبادئ لم يطبقها أصحابها الأولون.
وتساءل: هل يتوقع مَن يعيشون في القرن الرابع عشر الهجري أن ينجحوا في شيء فشل فيه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟
وأجاب قائلا: ذلك أمر مستحيل

بشر لا ملائكة
وروى عن الصحابي عتبة بن غزوان، أحد الرماة الأفذاذ الذين أبلوا في سبيل الله بلاء حسناً، قوله على منبر الكوفة «والله، لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة وما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحِت أشداقنا، وما أصبح اليوم منا أحد إلا وهو أمير على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً وعند الله حقيراً» ثم استغفر ونزل.
وعلَّق «العودة» على الرواية مؤكداً أن الصحابة لم يكونوا ملائكة ولا قديسين، مبيناً أنهم كانوا بشراً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ويتفقون ويختلفون، وقد يصدر من أحدهم الخطأ، لكنه يسارع بتصحيحه من تلقاء نفسه. أو يصححه أحد له، وقد ينزل القرآن ليصحح ما حدث.
وضرب مثلا بتصحيح القرآن لأخطاء الصحابة، بما حدث في قصة حاطب بن أبي بلتعة.
وذكر أن القرآن نزل ليزكي الصحابة كما جاء في قوله عز وجل: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ».
وأبدى «العودة» أسفه من أقوال وكتابات منتسبين للإسلام يقعون في سير الصحابة ويغمزون ويلمزون فيهم.
وتساءل: إذا لم نؤمن بالصحابة ونوقرهم ونحترمهم.. فأي مستقبل لنا؟
وختم خطبة أمس، بالـتأكيد على وجوب حب الصحابة والاقتداء بهم، والنظرة الإيجابية لهم، واعتبر ذلك «ليس مجرد عقيدة يتلقاها المسلم أو يقرأها، وإنما هي تربية ينبغي أن يعرفها الصغار قبل الكبار، وهي روح تسري فينا تمدنا بالطاقة والقوة والأمل والحلم والرغبة في التغيير والنجاح وبلوغ الأفضل على صعيد الفرد والجماعة والأمة والشعب والدولة».