السحرة أعجز من أن يستطيعوا تغيير طبائع الأشياء ومهارتهم في التخييل والإيهام وسحر الأعين
الصفحات المتخصصة
05 أكتوبر 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح في هذه الحلقات مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير على حلقات حصرياً في «العرب». ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ}
وهذا لون ثالث من الشر، أمر الله رسوله – وبالتالي كل واحد منا- العياذ برب الفلق منه، وهو {شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ}، والنفاثات: جمع (نفاثة) وهي صيغة مبالغة مشتقة من النفث، وهو النفخ مع ريق أو من غير ريق، {فِي العُقَدِ} جمع (عقدة) وهي: ما يربط ويشد من الخيط أو الحبال. وهو من عادة أهل السحر، وقد ذكرت (النفاثات) وهي صفة، ولكن ما الموصوف هنا، وما المراد منه؟ قيل: المراد: النساء، أو النفوس أو الجماعات.
وبعض المفسرين رجح النساء، ذهابا إلى أن السحر أكثر ما يقوم به النساء، وهو غير مسلَّم، وحتى الحديث الذي رووه في سحر النبي صلى الله عليه وسلم، كان الساحر فيه رجلا، وهو لبيد بن الأعصم، كما جاء في الصحيح.
قول أبي مسلم:
وإلى جواز هذه الأقوال، ينقل الينا الإمام فخر الرازي في تفسيره الكبير، قول (أبي مسلم) أو اختيار أبي مسلم: (شر النفاثات) أي: النساء في العقد، أي في عزائم الرجال وآرائهم، وهو مستعار من عقد الحبال، والنفث وهو تليين العقدة من الحبل بريق يقذفه عليه ليصير حله سهلا، فمعنى الآية: أن النساء لأجل حبهن في قلوب الرجال؛ يتصرفن في الرجال، يحولنهم من رأي إلى رأي، ومن عزيمة إلى عزيمة، فأمر الله رسوله بالتعوذ من شرهن، كقوله: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن:14]، فلذلك عَظَّم الله كيدهن، فقال: {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف:28].
قال الرازي: واعلم أن هذا القول قول حسن، لولا أنه على خلاف قول أكثر المفسرين .
ومع أن الإمام الرازي، استحسن هذا القول في ذاته، نجد العلامة الآلوسي في (روح المعاني) يعلق عليه قائلا: وهو من بدع التفاسير !
وقد أشار الزمخشري في (الكشاف)إلى هذا القول، وإن لم ينسبه إلى أحد، فقال: ويجوز أن يراد بهن النساء (الكيادات) من قوله: {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف:28]، فشبيها لكيدهن بالسحر والنفث في العقد.
أو اللاتي يفتن الرجال، بتعرضهن لهم، وعرضهن محاسنهن، كأنهن يسحرنهم .
ومما يؤيد هذا القول الحديث المتفق عليه عن أسامة: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» .
النفاثات هي الأنفس أو الجماعات:
والقول الأشهر: أن النفاثات إنما جمعت جمع تأنيث؛ لأن المقصود بها: الأنفس أو الجماعات، كما في عدد من التفاسير.
فالمراد: الاستعاذة من شر الأنفس النفاثات، أو الجماعات النفاثات.
والمعنى: الأمر بالعياذ والتحصن برب الفلق، رب الحياة والنور، من شر هذه الأنفس الخبيثة، والجماعات الشريرة، التي تشغل نفسها بإيذاء الخلق، وإفساد دينهم ودنياهم عليهم، بهذا العمل الشرير، الذي يقوم على النفث في العقد، أي: شدها وربطها والنفخ عليها من ريقهم، وتقطيع روابطهم، وتمزيق شملهم، وإرباك أسرهم، وهو ما يقوم به أرباب السحر أبدا، ومن يلحق بهم، وينزع عنهم، فشأن هذه الأنفس الخبيثة: أن تتخذ هذا السحر أداة للإيذاء والتخريب، وفساد ذات البين، كما قال تعالى في شأن السحرة، في قصة هاروت وماروت: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة:102].
والسحرة أعجز من أن يستطيعوا تغيير طبائع الأشياء، وإنما مهارتهم في التخييل والإيهام، وسحر الأعين، أما الأشياء من حبال وعصي ونحوها، فهي تبقى حبالا وعصيا، ولكن قدرتهم تكمن في الإيهام والإيحاء والتخييل، حتى قال القرآن في سحرة فرعون:: {فَلَمَّا القَوْا}أي: حبالهم وعصيهم. {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف:116]، حتى قال تعالى عن سيدنا موسى: { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إليه مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} [طه:66-67]. فإذا كان هذا تأثير السحر في نفس موسى عليه السلام، على ما وصف به من القوة، فما بالك بغيره من الناس؟!
اختيار ابن القيم:
وقد اختار الإمام ابن القيم في تفسير السورة: أن النفاثات هنا: هي الأرواح والأنفس النفاثات، لا النساء النفاثات؛ لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة، والأرواح الشريرة، وسلطانه إنما يظهر منها، فلهذا ذُكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث دون التذكير، والله أعلم.
ففي الصحيح عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي طُب (أي: سُحر) حتى إنه ليخيل إليه أنه صنع شيئا وما صنعه، وأنها دعا ربه، ثم قال: «أَشَعُرتِ أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟» فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال الآخر: مطبوب. قال: من طبَّه؟ قال: لَبيد بن الأعصم. قال له: في ماذا؟ قال: في مشط ومِشاطة، وجفّ طَلْع ذكر.
قال فأين هو؟ قال: في ذَروان، بئرٌ في بني زريق. قالت عائشة رضي الله عنها: فأتاها رسول الله، ثم رجع إلى عائشة رضي الله عنها فقال: والله لكأن ماءها نُقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين. قالت: فقلت له: يا رسول الله، هلا أخرجته؟ قال: أما أنا فقد شفاني الله، وكرهتُ أن أثير على الناس شرًّا. فأمر بها، فدُفنت» قال البخاري: وقال الليث وسفيان بن عيينة عن هشام «في مشط ومِشاقة».
ويقال: إن المشاطة: ما يخرج من الشعر إذا مُشط، والمشاقة: من مشاقة الكتان.
قلت: هكذا في هذه الرواية: أنه لم يخرجه، اكتفاء بمعافاة الله له، وشفائه إياه.
وفي رواية أخرى لهذا الحديث أنه عليه السلام استخرجه. وترجم البخاري عليه: باب هل يستخرج السحر؟ وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طَبّ، ويؤخذ عن امرأته أيُحَلُّ عنه ويُنشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح. فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه.
فهذان الحديثان قد يظن في الظاهر تعارضهما. فإن حديث عيسى عن هشام عن أبيه الأول، فيه: أنه لم يستخرجه. وحديث ابن جريج عن هشام فيه (أنه استخرجه) ولا تنافي بينهما. فإنه استخرجه من البئر حتى رآه وعلمه، ثم دفنه بعد أن شفي.
وقول عائشة رضي الله عنها: (هلا استخرجته) أي: هلا أخرجته للناس حتى يروه ويعاينوه؟ فأخبرها بالمانع له من ذلك، وهو أن المسلمين لم يكونوا ليسكتوا عن ذلك، فيقع الإنكار ويَغضب للساحر قومه، فيَحدث الشر، وقد حصل المقصود بالشفاء والمعافاة، فأمر بها فدفنت، ولم يستخرجها للناس. فالاستخراج الواقع غير الذي سألت عنه عائشة.
والذي يدل عليه أنه إنما جاء إلى البئر ليستخرجها منه، ولم يجئ لينظر إليه ا ثم ينصرف، إذ لا غرض له في ذلك. والله أعلم.
وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقى بالقبول بينهم، لا يختلفون في صحته، وقد اعتاصَ على كثير من أهل الكلام وغيرهم، وأنكروه أشد الإنكار. وقابلوه بالتكذيب، وصنف بعضهم فيه مصنفا مفردًا، حمل فيه على هشام. وكان غاية ما أحسن القول فيه: أن قال: غلط، واشتبه عليه الأمر، ولم يكن من هذا شيء. قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يُسْحر. فإنه يكون تصديقا لقول الكفار{ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الإسراء:47]، قالوا وهذا كما قال فرعون لموسى: { إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا} [الإسراء:101].
وقال قوم صالح له {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ} [الشعراء:153]، وقال قوم شعيب له: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ} [الشعراء:185]، قالوا فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يسحروا، فإن ذلك ينافي حماية الله لهم، وعصمتهم من الشياطين.
وهذا الذي قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم، فإن هشاما من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه. فما للمتكلمين وما لهذا الشأن؟! وقد رواه غير هشام عن عائشة!
وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة. والقصة مشهورة عند أهل التفسير، والسنن، والحديث، والتاريخ، والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين.
قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن يزيد بن حباب، عن زيد بن أرقم قال: سَحر النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ من إليه ود، فاشتكى لذلك أياما. قال: فأتاه جبريل، فقال: إن رجلا من إليه ود سحرك، وعقدَ لذلك عُقدًا. فأرسل رسول الله عليًّا. فاستخرجها، فجاء بها، فجعل كُلما حلَّ عقدة وجد لذلك خفة. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نَشط من عقال. فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه قط.
قالوا: والسحر الذي أصابه كان مرضا من الأمراض عارضا شفاه الله منه. ولا نقص في ذلك، ولا عيب بوجه ما. فإن المرض يجوز على الأنبياء، وكذلك الإغماء، فقد أغمي عليه صلى الله عليه وسلم في مرضه، ووقع حين انفكَّت قدمه، وجُحِش شِقَّه .
وهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته، ونيل كرامته، وأشد الناس بلاء الأنبياء، فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به: من القتل، والضرب، والشتم، والحبس. فليس ببدع أن يبتلى النبي من بعض أعدائه بنوع من السحر، كما ابتلي بالذي رماه فشَجَّه. وابتلي بالذي القى على ظهره السَّلا وهو ساجد، وغير ذلك. فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم، وعلو درجاتهم عند الله.
قالوا: وقد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري «أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: «نعم» فقال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك. فعوَّذه جبريل من شر كل نفس وعين حاسد، لما اشتكى. فدل على أن هذا التعويذ مزيل لشكايته صلى الله عليه وسلم.
وقالوا: وأما الآيات التي استدللتم بها لا حجة لكم فيها.
والجواب الذي ارتضاه ابن القيم هنا: هو جواب صاحب الكشاف وغيره: أن (المسحور) وهو من سُحر حتى جُنَّ. فقالوا: مسحور، مثل مجنون. أي: زائل العقل، لا يعقل ما يقول. فإن المسحور الذي لا يُتَّبع: هو الذي فسد عقله، بحيث لا يدري ما يقول. فهو كالمجنون. ولهذا قالوا فيه: {مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ} [الدخان:14]، فأما من أصيب في بدنه بمرض من الأمراض يصاب به الناس، فإنه لا يمنع ذلك من اتِّباعه، وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان، وإنما قذفوهم بما يُحذِّرون به سفهاءهم من اتباعهم، وهو أنهم قد سحروا حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون، بمنزلة المجانين. ولهذا قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} [الإسراء:48]، أي: مثَّلوك بالشاعر مرة، والساحر أخرى، والمجنون مرة، والمسحور أخرى. فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في تيهه وتحيره طريقا يسلكه، فلا يقدر عليه. فإنه أيَّ طريق أخذها فهي طريق ضلال وحيرة، فهو متحير في أمره، لا يهتدي سبيلا، ولا يقدر على سلوكها، فهكذا حال أعداء رسول الله معه، حتى ضربوا له أمثالا، برَّأه الله منها. وهو أبعد خلق الله عنها. وقد علم كل عاقل أنها كذب وافتراء وبهتان.
وأما قولكم: إن سحر الأنبياء ينافي حماية الله تعالى لهم، فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم، يبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم؛ ليستوجبوا كمال كرامته، وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم، إذا أوذوا من الناس فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء، صبروا ورضوا، وتأسوا بهم، ولتمتلئ صاع الكفار، فيستوجبوا ما أعد لهم من النكال العاجل، والعقوبة الآجلة، فيمحقهم بسبب بغيهم وعدوانهم، فيعجل تطهير الأرض منهم، فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله، بإيذاء قومهم. وله الحكمة البالغة والنعمة السابغة، لا إله غيره، ولا رب سواه.
تأثيرات السحر:
وقد دل قوله: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ} وحديث عائشة المذكور على تأثير السحر، وأن له حقيقة.
وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وقالوا: إنه لا تأثير للسحر البتة لا في مرض، ولا قتل، ولا حَل ولا عقد. وقالوا: إنما ذلك تخيُّل لأعين الناظرين لا حقيقة له سوى ذلك. وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث، وما يعرفه عامة العقلاء.
والسحر الذي يؤثر مرضًا وثِقلا وعَقْدًا، وحبا وبغضا ونزيفًا، وغير ذلك من الآثار موجود، تعرفه عامة الناس، وكثير منهم قد علمه ذوقا بما أصيب به منه.
وقوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ} دليل على أن هذا النفث يضر المسحور في حال غيبته عنه، ولو كان الضرر لا يحصل إلا بمباشرة البدن ظاهرا، كما يقوله هؤلاء. لم يكن للنفث ولا للنفاثات شر يستعاذ منه .
وأيضا فإذا جاز على الساحر أن يسحر جميع أعين الناظرين (أي: في قصة موسى) مع كثرتهم حتى يروا الشيء بخلاف ما هو به، مع أن هذا تغيير في إحساسهم، فما الذي يحيل تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقواهم وطباعهم؟ وما الفرق بين التغيير الواقع في الرؤية والتغيير الواقع في صفة أخرى من صفات النفس والبدن؟
فإذا غيّر إحساسه حتى صار يرى الساكن متحركا، والمتصل منفصلا، والميت حيا، فما المحيل لأن يغير صفات نفسه، حتى يجعل المحبوب إليه بغيضا، والبغيض محبوبا، وغير ذلك من التأثيرات؟!
وقد قال تعالى عن سحرة فرعون: { سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف:116] فبيَّن سبحانه أن أعينهم سُحرت. وذلك إما أن يكون لتغيير حصل في المرئي، وهو الحبال والعصيّ، مثل أن يكون السحرة استعانت بأرواح حرَّكتها، وهي: الشياطين. فظنوا أنها تحركت بأنفسها، وهذا كما إذا جرَّ من لا تراه حصيرا أو بِساطا، فترى الحصير والبساط ينجر، ولا ترى الجارّ له، مع أنه هو الذي يجره، فهكذا حال الحبال والعصي التبستها الشياطين، فقلبتها كتقليب الحية، فظن الرائي أنها تقلبت بأنفسها، وإنما الشياطين هم الذين يقلبونها.
وإما أن يكون التغيير حدث في الرائي، حتى رأى الحبال والعصي تتحرك، وهي ساكنة في أنفسها، ولا ريب أن الساحر يفعل هذا وهذا، فتارة يتصرف في نفس الرائي وإحساسه، حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به، وتارة يتصرف في المرئي باستعانته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرف فيها .
وقد رد ابن القيم على ما يقوله منكرو السحر وتأثيره، من أنهم حرَّكوا الحبال والعصي بوضع مادة تحركها، مثل الزئبق، ونحو ذلك، وقال: إن بطلان ذلك أظهر من أن يتكلف رده .
رأي الإمام محمد عبده:
وللأستاذ الإمام محمد عبده رأي في معنى الآية المراد، ذكره في تفسيره لجزء (عمّ)، خالف فيه جمهور المفسرين، الذين مالوا إلى أن المراد ب(النفاثات في العقد) أنفس السحرة الشريرة، ولكنه ذهب إلى أن لفظة (النفاثات) جمع نفاثة، وهي صيغة مبالغة مثل علاَّمة وفهَّامة، وهي تشمل الذكر والأنثى.
وقال: إن المراد بهم هنا: النمَّامون المقطِّعون لروابط الألفة،وأنكر ما يقال هنا عن السحر، وأنا أخالفه رحمه الله، رغم إعجابي به، وأجد نفسي مع الجمهور الأعظم من المفسرين:أن المراد بهذه الآيه المحذرة من النفاثات في العقد يتعلق بالسحر والاستعاذة من شر السحر والسحرة.
والواقع يثبت أن هذه الفئة من الناس من النفاثات في العقد هم من أخطر الفئات، ولهم شر شديد في المجتمع، فالسحرة وما يتفرع منهم، وما يلحق بهم، من المنجمين والكهنة والعرافين والمالين، وكل هذه الأصناف التي تعمل في فضاء المجتمع الواسع، وتعبث بعقول الناس وعقائدهم وأفكارهم وأعمالهم.
وقد نحا نحو الشيخ محمد عبده بعض المعاصرين، في إنكار أن المراد بالنفث في العقد، في الآية (السحر)، ومن هؤلاء: العالم السلفي المحدث: الشيخ محمد حامد الفقي رئيس ومؤسس جماعة أنصار السنة في مصر
حيث علَّق على إثبات ابن القيم أيضا للسحر، فقال: (إن جوابات الشيخ –غفر الله لنا وله- عن السحر متكلَّفة. وتدل على أنه لم يخبر صناعة المشعوذين والممخرقين، والقرآن صريح في أن ما صنعه سحرة فرعون كان تخييلا، لا حقيقة له في الواقع، وسحر الأعين فن ليس بدقيق كل الدقة، ولا خفي كل الخفاء إلا على العامّة، وعلى من لم يدرسه ويعرف حيل أصحابه، ولذلك كتب مؤلفة من قرأها عرف ذلك...
أما أن يصل إلى إحداث بغض أو حب أو نزيف في رحم المرأة، من غير أسباب ذلك، فهذا الذي يحتاج إلى دليل، وكل ما ساق الشيخ وغيره من الأدلة: فلا ينهض حجة لذلك. والله أعلم) .
وقال صاحب الظلال (سيد قطب) رحمه الله، في تفسير الآية:
والسحر لا يغير من طبيعة الأشياء؛ ولا ينشئ حقيقة جديدة لها ولكنه يخيل للحواس والمشاعر بما يريده الساحر وهذا هو السحر كما صوره القرآن الكريم في قصة موسى عليه السلام: { قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ القَى * قَالَ بَلْ القُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إليه مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه:65-69].
وهكذا لم تنقلب حبالهم وعصيهم حيات فعلا، ولكن خيل إلى الناس وموسى معهم، أنها تسعى، إلى حد أن أوجس في نفسه خيفة، حتى جاءه التثبيت، ثم انكشفت الحقيقة حين انقلبت عصا موسى بالفعل حية، فلقفت الحبال والعصي المزورة المسحورة.
وهذه هي طبيعة السحر كما ينبغي لنا أن نسلم بها، وهو بهذه الطبيعة يؤثر في الناس وينشئ لهم مشاعر وفق إيحائه، مشاعر تخيفهم وتؤذيهم وتوجههم الوجهة التي يريدها الساحر، وعند هذا الحد نقف في فهم طبيعة السحر والنفث في العقد، وهي شر يستعاذ منه بالله، ويلجأ منه إلى حماه.
وقد وردت روايات بعضها صحيح، ولكنه غير متواتر، أنّ لبيد بن الأعصم إليه ودي سَحر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة... ولكن هذه الروايات تخالف أصل العصمة النبوية في الفعل والتبليغ، ولا تستقيم مع الاعتقاد، بأن كل فعل من أفعاله صلى الله عليه وسلم، وكل قول من أقواله، سنة وشريعة، كما أنها تصطدم بنفي القرآن عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مسحور .
* يتبع الجمعة القادمة إن شاء الله