المسابقة إلى المغفرة وجنة عرضها السماوات والأرض

alarab
باب الريان 05 أغسطس 2013 , 12:00ص
كتبها وراجعها: مجد مكي
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأزكى صلوات الله وتسليماته، على من أرسله ربُّه رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، سيدنا وإمامنا، وأسوتنا وقائد دربنا محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه، الذين }آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{ [الأعراف:157]. ورضي الله عمن دعا بدعوته، واهتدى بسنته، وجاهد جهاده إلى يوم الدين. الدرس السابع والعشرون من سورة الحديد تفسير قوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} أما بعد: فخير ما أحييكم به أيها الإخوة والأخوات تحية الإسلام، تحية من عند الله مباركة طيبة، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد: ليلة القدر وسر إخفائها فهذه ليلة السابع والعشرين من رمضان، إحدى ليالي العشر الأواخر، وليالي الأوتار من رمضان، والعشر الأواخر مظِنَّة التماس ليلة القدر، خصوصا الأوتار منها، الليالي الفرديَّة، وليلة السابع والعشرين ذهب عدد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين إلى أنها ليلة القدر، منهم سيدنا عبدالله بن عباس، وسيدنا أبي بن كعب، الذي كان يحلف أنها ليلة القدر. ولكن لا يقين عندنا بأيِّ ليلة هي ليلة القدر، وهذا من رحمة الله بالناس؛ فقد ذكر الحافظ ابن حجر تسعة وثلاثين قولاً في ليلة القدر، أي ليلة هي؛ وذلك ليشمِّر الناس عن سواعدهم في رمضان كله، وفي العشر الأواخر خاصة. فقد أخفى الله علينا هذه الليلة؛ حتى لا يتكل الناس، ويتكاسلوا سائر الشهر، ثم يقولون: نقوم ليلة هي خير من ألف شهر، فنحن نرجو أن تكون هذه الليلة هي ليلة القدر، وعلينا أن نعمل ما نستطيع في سائر الليالي، ولعل الله تعالى، يتقبل منا صالح أعمالنا، ويغفر لنا ما فرطنا فيه. اللهم اغفر لنا ما مضى، وأصلح لنا ما بقي. سورة الحديد من سور المُسبِّحات في الليلة الماضية استمعنا إلى سورة الحديد، وهي سورة مدنيَّة، من سور المسبحات، التي تبدأ بتسبيح الله تعالى، ونقف عند آية منها، هذه الآية هي قول الله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)}. وقد جاءت هذه الآية بعد آية تحذر من الغرور بالدنيا، وهي قوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} النبات ترى فيه الخضرة، والنضرة، وبعد ذلك ييبس ويصبح هشيما تذروه الرياح، وهذا شأن الحياة والإنسان، فيبدأ الإنسان صغيرا ثم يكبر ويترعرع، ويكتمل، ثم تبدأ الشيخوخة ويهبط، وهكذا الدنيا كلها، إلى تغير ثم زوال، ثم ختم الله هذه الآية بقوله: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)} الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة: ثم قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ}، وجوهر الدين: الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، وهذا هو الدين، فالناس خلقوا للآخرة، أما الدنيا فقد خلقت وسيلة للآخرة، يقولون: الدنيا مزرعة الآخرة. أي: أن الناس تزرع هنا لتحصد هناك. والدنيا ليست هدفا في ذاتها، وإنما قيمتها من حيث الإعداد لدار الخلود والبقاء. فالإنسان كم يعيش في هذه الدنيا، سبعين سنة؟ تسعين سنة؟ مائة سنة؟ مائة وعشرين؟ لقد كان عمر نوح عليه السلام ألف سنة إلا خمسين عاما، وقالوا: لما جاء ملك الموت إلى سيدنا نوح، قال له: يا أطول الأنبياء عمرا، كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدار لها بابان، دخلت من أحدهما، وخرجت من الآخر. وهذه هي الدنيا وحقيقة الدنيا، وكما يقول الشاعر: وإذا كان آخر العمر موتا فسواء قصيره والطويل فالله حذَّر من الدنيا، فإن من الخطر أن تصبح الدنيا، أكبر همِّك، ومبلغ علمك، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا»، إنما يجب أن يكون أكبر همِّنا هو الآخرة، ولذلك قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ}، وفي آية أخرى قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ}[آل عمران:133]، فهنا لم يكتف بالمسارعة، بل أمر بالمسابقة، فهي مسابقة بالعدو والركض، ولكن إلى ماذا؟ إنها إلى المغفرة والجنة، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}[المطففين:26]، {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}[البقرة:148]. هذا هو السباق المحمود. السباق إلى المغفرة قبل الجنة {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ} طلب الله السباق إلى المغفرة، قبل السباق إلى الجنة، وهذا يدل على أن كل إنسان له ذنوبه وسيِّئاته وخطاياه، فهو في حاجة إلى المغفرة، لا يزعم أحد أنه ملك مُطهَّر أو نبيٌّ معصوم، أنت خلقت من الطين، والطين لا يخلو من الكدر، وأنت ابن آدم، وآدم نفسه وقع في الخطيئة، فليس بعيدا أن يخطئ أبناؤه، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم خطَّاء»، وما دام ابن آدم خطَّاء، فهو في حاجة إلى المغفرة، ولذلك قبل أن تطلب الجنة، اطلب المغفرة.. تتطهر أولا.. التخلية قبل التحلية. فكل إنسان في حاجة إلى أن يغفر الله له ذنوبه، ولو اعتقد إنسان أنه بلا ذنوب، فهذا هو الذنب نفسه، فالغرور نفسه ذنب كبير، ولا يوجد أحد يخلو من ذنب. طلب الأنبياء مغفرة الله بل إن الأنبياء أنفسهم طلبوا المغفرة، كل الأنبياء طلبوا من الله المغفرة، سيدنا نوح عليه السلاح قال: {بِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا}[نوح:28]. سيدنا إبراهيم قال: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}[إبراهيم:41]. سيدنا موسى قال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}[الأعراف:151]. سيدنا سليمان قال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}[ص:35]. كل الأنبياء طلبوا المغفرة من الله تبارك وتعالى، وأشدهم طلبا للمغفرة هو محمد صلى الله عليه وسلم، الذي رويت عنه صيغ عديدة في طلب المغفرة من الله عز وجل، ومنها ما سمي سيد الاستغفار، وهو أن تقول: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». ويستحب للإنسان أن يقول هذا الدعاء في الصباح وفي المساء. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يقولون: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، في المجلس الواحد، مئة مرة، يقول: «رب اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الغفور». ومن دعائه صلى الله عليه وسلم: «رب اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطاياي، وعمدي وجهلي وهزلي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير». وعن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربّنا وبحمدك اللهم اغفر لي» يتأول القرآن. وتعني بأنه يتأول القرآن، أنه كان يفسر قول الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}[النصر:1-3]. وليس هناك إنسان يستغني عن الاستغفار، كل الناس يحتاجون إلى الاستغفار، حتى إن الله تعالى ذكر قوَّام الليل، وهم المتقون، فقال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}[الذاريات:15-18]، يعني معظم الليل قوام متعبِّدون، وفي آخر الليل يقولون: يا رب اغفر لنا، وكأنهم كانوا معصية، وليسوا في طاعة، وهذا يبين شعورهم بالحاجة إلى الاستغفار. الاستغفار المطلوب هو المصحوب بحضور القلب فكل الناس بحاجة إلى مغفرة الله عز وجل، ولذلك علينا أن نستغفر الله، والاستغفار باللسان المصحوب بالقلب، فلا يكفي أن تقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي.. وفي نيَّتك الإصرار على المعصية، فهذا كأنك مستهزئ بالله عز وجل، «من استغفر وهو مصر على المعصية، فهو كالمستهزئ بربه»، والله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:135]، أما مجرد لَوْك اللسان بكلمات الاستغفار دون حضور قلب، فهو أشبه ما قالته السيدة رابعة رحمها الله: استغفار يحتاج إلى استغفار. السباق إلى الجنة {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} إذا كان الناس يتسابقون في الدنيا، ويلهثون، ويركضون، لا يملون ولا يتعبون، من الأجل الحصول على دنيا، قد يحصلون على شيء منها وقد لا يحصلون، حتى إذا حصَّلوها، هل تدوم لهم أو لا تدوم، وحتى لو دامت لهم، فهم أنفسهم لا يدومون، وصدق الشاعر: هب الدنيا تساق إليك عفوا أليس مصير ذاك إلى انتقال وما دنياك إلا مثل ظل أظلك ثم آذن بالزوال التسابق في الدنيا نراه أمام أعيننا، فلماذا لا نتسابق على الجنة، وهذا هو السباق المحمود، والمشروع، السباق إلى الجنة. {عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} عادة العرض يكون أقل من الطول، فإذا كان العرض كعرض السماء والأرض، فماذا يكون طولها، قدِّر ما شئت! نحن لا نعلم أي شيء عن السماء والأرض، وما نعلمه هو فقط عن هذه السماء التي تظلنا، وهذه الأرض التي تقلنا، ولكن ملك الله واسع، فهناك أشياء بعد السماء والأرض، ولهذا نقول في دعاء الرفع من الركوع في الصلاة: «اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد». آخر أهل الجنة دخولاً والجنة شيء واسع جدا لا يعلم حدوده إلا الله، الأحاديث التي وردت في الصحاح، عن آخر أهل الجنة دخولا، وهو آخر من يخرج من النار، ويسميهم بعض الناس: الجهنَّميُّون. أي: الذين كانوا في جهنم، ثم أُخرجوا منها، فيقول الله لهم: أخرجوا من النار كل من كان يعبد الله، فيعرفونهم من أثر السجود، فالنار تأكل كل شيء، إلا أثر السجود، لا تمحوه النار، فيعرفهم الملائكة ويخرجونهم، بعد أن عُذبوا في النار، بعد ما يقضون مدتهم ألف سنة، أو مليون سنة.. الله أعلم. عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً -أي: يسقط على وجهه- وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً -تسفعه: تضرب وجهه وتسوده وتؤثر فيه أثرا- فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْه،ِ فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا. ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنْ الْأُولَى، فَيَقُول: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا، فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا. ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنْ الْأُولَيَيْنِ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ؟ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُول: يَا ابْنَ آدَمَ أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْك؟َ -أي: ما يقطع مسألتك مني- أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ». كم يكون ملك الناس في هذه الجنة، كم تكون سعة هذه الجنة، إذا كان هذا ملك أدناهم منزلة، فكيف بمن هم أعلى منه؟! ونحن الآن في علم الفلك الحديث، وهم يحكون لنا عن سعة الكون، يقولون: هذا النجم جاءنا شعاعه بعد كذا مليون سنة، ويقولون: ولعل هذا النجم اختفى، ولكن حتى وصل إلينا نوره الآن.. فكم يكون بيننا وبين هذا النجم، وكم تكون سعة هذا الكون؟ لا تستبعدوا على ملك الله شيئا، وكل ما نريده السعي إلى الجنة، وألا تشغلنا الدنيا عن الجنة. {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} الجنة معدَّة للمؤمنين هذه الجنة التي عرضها السماوات والأرض، أعدت للمؤمنين بالله وبرسله، ليس للكفار فيها نصيب، بل أعدت لهم النار: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}[البقرة:24]، {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}[آل عمران:131]. أما الجنة فقد أُعدَّت للذين آمنوا بالله ورسله، والإيمان بالله ورسله أصل كل خير، ففي الآية الأخرى يقول الله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}[آل عمران:133]. والتقوى أيضا فرع من الإيمان، فـ «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». لا بد من بذل الثمن فالتقوى هي من شعب الإيمان، والجهاد من شعب الإيمان قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}[آل عمران:142]، تريدون جنة دون أن تدفعوا شيئا؟! هذا لا يكون {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُون}[التوبة:111]، فكيف تبغي الجنة دون أن تبذل نفسا ولا مالا؟ إنَّ طريق الجنة مفروش بالأشواك، مضرَّج بالدماء، مليء بجثث الشهداء، الذين ابتُلوا وامتُحنوا في سبيل الله، {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}[البقرة:214]، تريدون جنة، دون أن تُصهروا في بوتقة الابتلاء، كما صُهر الذين من قبلكم؟ كان الرجل من الأولين يُنشر بالمنشار فرقتين، ويمشط ما دون عظمه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه. {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ} البؤس والفقر في الأموال {وَالضَّرَّاءُ} التعذيب والجراح في الأبدان، {وَزُلْزِلُوا} الزلزلة في النفوس، كل هذا أصابهم في الطريق إلى الله، فلا يمكن أن ينال الجنة، إلا من سار في طريقها، وطريق الجنة هو طريق الخير في الدنيا والآخرة. الجنة بالنسبة للنار رخيصة جدا كان بعض مشايخنا يقول: الجنة بالنسبة للنار رخيصة جدا! فالذين يدخلون النار يدفعون أموالا طائلة في الخمر والنساء والقمار، ونحو ذلك من المنكرات. أما الجنة فليس إلا أن تصلي وتصوم وكلها أشياء ممكنة، فليس هناك أرخص من الجنة لمن سار في طريقها، سيجد اللذة ويجد النشوة، ويجد الحلاوة، حلاوة الإيمان، ويجد السعادة، التي قالها أحد الصالحين قديما، قال: نحن نعيش في سعادة لو علم بها الملوك، لجالدونا عليها بالسيوف، فهم لا يتركون للناس شيئا، ولكن الله أعماهم لأنهم لا يعلمون قيمتها، وهذا من فضل الله أنهم لا يعلمون قيمة السعادة الروحية. الطريق إلى الجنة فضل الله يؤتيه من يشاء، ونحن نعرف أن الله سنَّ للجنة طريقا يجب أن يسلكه أهلها، فمن أراد أن يكون من أهل الجنة، فليسلك طريق أهل الجنة، وهو طريق واضح، كما أن طريق أهل النار واضح، قال صلى الله عليه وسلم: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن»، طريق الرشد بيِّن وطريق الغي بيِّن، فلنسلك طريق أهل الجنة. وإذا أردنا أن نخرج من رمضان بفائدة عملية، فينبغي أن نخرج بنية صادقة أن نسير في طريق أهل الجنة، ونصمِّم عليه، ونصحب أهله، ونترك صحبة الأشرار، الذين يجروننا إلى النار جرا. طريق أهل الجنة أيها الإخوة هو طريق الخير، وطريق السعادة في الدنيا والآخرة، ولا تطلب الجنة بالكسل، ولا تطلب بالمعصية، ولا تطلب بطريق أهل النار، إنما من أراد الجنة فليسلك سلوكها، وليسع سعيها.