«كبشة الأنصارية» أم الشهيدين التي أشرق الإسلام من بيتها
باب الريان
05 أغسطس 2012 , 12:00ص
رقية الشرباصي
لم تحظ بشهرة كبيرة في عالمنا المعاصر رغم أنها كانت سباقة، ولعبت دوراً كبيراً في نشر الدعوة الإسلامية هي وأولادها، فكانت خير من أنجبت، فكبشة بنت رافع الأنصارية هي أم سعد بن معاذ الذي أسلم على يد مصعب بن عمير رضي الله عنه، ولم يكتف بإسلامه فقط، بل وقف موقفاً حازماً مسانداً لدين الله معتمداً على مكانته بين قومه، حيث وقف على قومه لما أسلم فقال: يا بني عبدالأشهل! كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلاً وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلامكم علي حرام رجالكم ونساءكم حتى تؤمنوا بالله ورسوله. فما بقي في دار بني عبدالأشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا.
ولم تكن أم معاذ أقل قوة من ولدها فقد دعت مصعب بن عمير ليتخذ من دارها منبراً يدعو فيه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام، فأشرق الإسلام من دارها، وحين أسلم ولدها وكان سبباً في إسلام سائر قومها أسلمت ودخل نور الإيمان إلى قلبها، ومن حينها لم تتوان عن خدمة الدعوة والسبق إلى كل خير، فقد كانت أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار، وكانت معها أم عامر بنت يزيد بن السكن، وليلى بنت الخطيم، وذلك كما ذكر ابن حجر رحمه الله في «الإصابة».
وذكر ابن الجوزي رحمه الله في «صفة الصفوة» أن أول دار أسلمت من دور الأنصار دار بني عبدالأشهل. فأكرم بها من دار، وفرحت أم سعد فرحاً عظيماً حينما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم يذكر دارها ودور الأنصار بخير، فقال: «خير دور الأنصار بنو النجار ثم بنو عبدالأشهل، ثم بنو الحارث الخزرج، ثم بنو ساعدة. وفي كل دور الأنصار خير».
البشارة
خرج ولديها سعد وعمرو ابنا معاذ لغزوة بدر، فما كانت كبشة لتدخر ولديها عن الجهاد في سبيل الله، ويبلي الوالدان بلاء حسناً، إلا أن لسعد موقفاً في هذه الغزوة جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حالة رضا وسعادة، فقد نجت قافلة المشركين من أيدي الجنود المسلمين، ورغم ذلك أصر أبوسفيان على استمرار القتال، وكان عدد المسلمين قليلاً جداً ولا قبل له بمواجهة المشركين، فيسجل سعد رأيه بكلمات يذكرها التاريخ إلى يوم الساعة، وذلك بوادي ذفران [وهو يبعد عن المدينة المنورة نحو مائة كيلو متر، فجمع رسول الله الناس، وقال لجنوده: «أشيروا علي أيها الناس!».. ورددها مراراً، وما زال يكررها عليهم، فيقوم الواحد تلو الآخر ويدلو بدلوه، فقام أبوبكر فقال وأحسن. ثم قام عمر فقال وأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال وأحسن.. حتى قام القيادي الأنصاري البارز سعد بن معاذ، فحسم نتيجة الشورى قائلاً: «لَقَدْ آمَنّا بِك وَصَدّقْنَاك، وَشَهِدْنَا أَنّ مَا جِئْت بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاك عَلَى ذَلِكَ عُهُودِنَا وَمَوَاثِيقِنَا، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ.. فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْت فَنَحْنُ مَعَك، فَوَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَوْ اسْتَعْرَضْت بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْته لَخُضْنَاهُ مَعَك، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غدا، إنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ صُدُقٌ فِي اللّقَاءِ. لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيك مِنَّا مَا تَقُرُّ بِهِ عَيْنُك، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللّهِ».
ولم تدخر كبشة ولديها سعدا وعمراً ابني معاذ أيضاً في غزوة أحد، فكانا من أوائل المجاهدين، ونال عمرو الشهادة مع عدد من بني عبدالأشهل، ووصل الخبر للمدينة المنورة، فخرجت البطلة الصابرة المحتسبة تعدو، لا بحثاً عن ولدها الشهيد، وإنما بحثاً عن سلامة رسول الله وحين وجدته واقفاً على فرسه وولدها سعد ممسكاً بعنان الفرس قالت: أما إذا رأيتك سالماً فقد هانت المصيبة، فعزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بولدها عمرو بن معاذ وأعطاها البشري التي ستطفئ حر قلبها حين قال: يا أم سعد أبشري وبشري أهليهم أن قتلاهم قد ترافقوا في الجنة جميعاً، وقد شفعوا في أهليهم».
قالت: رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا!! ثم قالت: ادع يا رسول الله لمن خلفوا فقال: «اللهم أذهب حزن قلوبهم، واجبر مصيبتهم، وأحسن الخلف على من خلفوا».
ورغم لوعة فؤادها على ولدها، لم يشغلها هذا عن مشاركة المسلمين فيما أحل بهم، فذهبت لتبكي حمزة بن عبدالمطلب عم رسول الله الذي استشهد أيضاً في غزوة أحد ظناً منها أن هذا يرضي رسول الله، لكن رسول الله قال: «رضي الله عنكن وعن أولادكن، مروهن فلينقلبن ولا يبكين على هالك بعد اليوم». وسمعت أم سعد وأطاعت.
الشهادة
«أم سعد» كبشة الأنصارية التي فقدت فلذة كبدها في غزوة أحد، لم تتردد أن يشارك ولدها سعد بن معاذ في غزوة الخندق، وهي تعلم أنه معرض للقتل أكثر من غيره، فقد كان ابنها يرتدي درعاً قصيرة ظهرت منها ذراعه، فمر من أمام حصن بني حارثة، وكان فيه النساء والأطفال، ومن بينهم عائشة أم المؤمنين، فقالت له أمه التي لم يشغلها ما رأته من قصر درع ولدها ومجازفته بحياته: الحق برسول الله يا بني فقد – والله – تأخرت. فقالت عائشة: والله يا أم سعد لوددت أن درع سعد أطول على يده مما هي. فقالت أم سعد: يقضي الله ما هو قاض.
وقضى الله أمره وأصيب في ذراعه فقطع عرقه، وتوجه سيدنا سعد بالدعاء إلى الله عز وجل ألا يميته، حتى تقر عينه من بني قريظة اللذين نقضوا عهدهم، وخانوا الله ورسوله والمسلمين، واستجاب الله فالتحم جرحه.
وتأتي غزوة بني قريظة عقب غزوة الخندق، وحوصر بني قريظة، وكلف رسول الله سعداً بالحكم عليهم، فحكم بأن تقتل رجالهم، وتسبى نساؤهم وذراريهم، ولما نفذ حكم سعد وقرت عينه كما دعا الله، نفذ أمر الله عز وجل، فانفتق جرحه فمات شهيداً، وسالت الدموع من عين أمه وبكته وهو على نعشه قائلة:
ويل أم سعد سعداً صرامة وحدا
وسؤدداً ومجـــداً وفارساً معداً
سد به مسـدا يقدها ما قدا
ولما سمعها النبي –عليه الصلاة والسلام– قال: «كل باكية تكذب إلا أم سعد». وكانت شهادة صدق لأم سعد من خير خلق الله، وقال لها: «ألا يرقأ دمعك ويذهب حزنك؟ فإن ابنك أول من ضحك الله إليه واهتز له العرش».
وبقيت ذكرى سعد في قلب رسول الله وصحبه لم يمحها شيء، فقد أخرج ابن ماجه رحمه الله بسنده عن البراء بن عازب قال: أهدي لرسول الله –صلى الله عليه وسلم– سرقة من حرير، فجعل القوم يتداولونها بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتعجبون من هذا؟» فقالوا: نعم يا رسول الله! فقال: «والذي نفسي بيده! لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا».