صرف الزكاة لطباعة الكتب والأشرطة الإسلامية ولصالح المواقع الإسلامية على شبكة المعلومات

alarab
باب الريان 05 أغسطس 2012 , 12:00ص
د. راسم محمد عبدالكريم
لقد حدد الله تبارك وتعالى مصارف الزكاة في كتابه العزيز بثمانية أصناف، فقال جل شأنه: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. وتفسير الآية الكريمة باختصار كما يلي: - الصنف الأول: {لِلْفُقَرَاء} الذين لا يجدون ما يقع موقعاً من كفايتهم. - الصنف الثـاني: {وَالْمَسَاكِينِ} الذين لا يجدون ما يكفيهم. - الصنف الثالـث: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} أي العاملين على الصدقات من جابٍ وقاسمٍ وكاتبٍ وحاشرٍ. - الصنف الرابـع: {وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} أي لتأليف قلوبهم ليسلموا، أو يثبت إسلامهم، أو يسلم نظراؤهم أو يذبوا عن المسلمين. - الصنف الخامس: {وَفِي الرِّقَابِ} أي المكاتَبين. - الصنف السادس: {وَالْغَارِمِينَ} أهل الدَّين إن استدانوا لغير معصية أو تابوا وليس لهم وفاء أو لإصلاح ذات البين ولو أغنياء. - الصنف السـابع: {وَفِي سَبِيلِ اللّهِ} أي القائمين بالجهاد ممن لا فيء لهم ولو أغنياء. - الصنف الثـامن: {وَابْنِ السَّبِيلِ} المنقطع في سفره. - {فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ} بخلقه، {حَكِيمٌ} في أمره وشرعه. فلا يجوز صرفها لغير هؤلاء، ولا منع صنف منهم إذا وجد، فيقسمها الإمام عليهم على السواء، وله تفضيل بعض آحاد الصنف على بعض. جمهور العلماء المتقدمين يرون أن نصيب {وَفِي سَبِيلِ اللّهِ} من الزكاة يقصر على المجاهدين الغزاة في سبيل الله تعالى، وهذا هو الأصل عند المتقدمين. وهذا هو الأصل، وهذا هو القول الأول في هذه المسألة. جاء في تفسير القرطبي: «{وَفِي سَبِيلِ اللّهِ} وهم الغزاة وموضع الرباط، يعطون ما ينفقون في غزوهم سواء كانوا أغنياء أو فقراء، وهذا قول أكثر العلماء، وهو تحصيل مذهب مالك -رحمه الله-». جاء في تفسير الطبري: «وأما قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللّهِ} فإنه يعني وفي النفقة في نصرة دين الله وطريقته وشريعته التي شرعها لعباده بقتال أعدائه، وذلك في غزو الكفار». وجاء في فتح القدير: «{وَفِي سَبِيلِ اللّهِ} قال: هم المجاهدون». وهناك رأي ثان للفقهاء المتقدمين: أن قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللّهِ} يعني الحج، جاء في تفسير القرطبي: «وقال ابن عمر: الحجاج والعمار. ويؤثر عن أحمد وإسحاق -رحمهما الله- أنهما قالا: «سبيل الله: الحج». وجاء في زاد المسير: «قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللّهِ} يعني الغزاة والمرابطين، ويجوز عندنا أن نعطي الأغنياء منهم والفقراء. وهو قول الشافعي، قال أبو حنيفة: لا يعطى إلا الفقير منهم، وهل يجوز أن يصرف من الزكاة إلى الحج أم لا؟ فيه عن أحمد روايتان». ومن الأحاديث النبوية: أن رجلاً جعل جملاً في سبيل الله فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (فهلا خرجت عليه فإن الحج في سبيل الله). في عصرنا الحاضر ظهرت آفاق عديدة للدعوة لنصرة دين الله وإعلاء كلمته، ومنها طباعة الكتب الإسلامية والأشرطة الإسلامية والمواقع الإسلامية على شبكة المعلومات (الإنترنت)، وكلها تصب في الدعوة إلى دين الله، ونشر عقيدة التوحيد إلى العالم بطرق فعالة. فما حكم الشريعة في شمولها في قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللّهِ}؟ استحسن العلماء المتأخرون أن سبيل الله في قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللّهِ} يشمل كل أطراف الخير التي قصدت لوجه الله تعالى، «وفي الغزو أو في جميع القرب». ومن القائلين بهذا القول الشيخ ابن جبرين الذي أجاب عن سؤال: ما حكم دفع أموال الزكاة في دعم ميزانيات المواقع الإسلامية على شبكة المعلومات؟ فأجاب ما نصه: «الجواب: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد: نرى -والحال هذه- جواز دفع الزكوات لدعم ميزانيات تلك المواقع؛ لأنها في سبيل الله الذي هو أحد مصارف الزكاة، فإن الدعوة إلى الله ورَدّ شبهات المشركين والمبتدعة من أقوى الأسباب للدخول في الإسلام الذي هو القصد الأكبر من قتال الكفار. فليس القصد من القتال مجرد قتل الأفراد ولا الاستيلاء على الأموال والبلاد، وإنما القصد دعوتهم إلى الله، وإدخالهم في الإسلام، ولهذا جاء في حديث بريدة عن مسلم قوله: (وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الإسلام)، ثم قال: (فإن هم أبوا فسلهم الجزية)، ثم قال: (فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم). وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقاتل إلا بعد أن يبدأ بالدعوة إلى الإسلام. ولا شك أن شبكة المعلومات قد سدت ثغرة علمية ودعوية على امتداد الساحة الإسلامية والعالمية؛ حيث تم دخول كثير من غير المسلمين في الإسلام، وتم رد كثير من الشبهات حول الإسلام، كما أن لها أثراً كبيراً في تصحيح العقيدة والعبادات، فعلى هذا تدخل في سبيل الله وتصرف الزكاة في تثبيتها وتزويدها، ويتأكد على المسلمين القادرين أن يمدوا هذه الشبكة بما تيسر لهم من الصدقات والتبرعات حتى تؤتي ثمارها وتظهر آثارها، والله أعلم». وهو القول الثاني في هذه المسألة. قام مجمع الفقه الإسلامي في مكة المكرمة بدراسة هذه المسألة بتفصيل وأصدر قراراً بها، واستند في قراره على تبريرات معتبرة تخص عصرنا الحالي، وللأهمية ما جاء فيه أُورِدُه هنا بنصه: «الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بدورته الثامنة والمنعقدة بمكة المكرمة فيما بين 27/4/1405، 8/5/1405هـ وبعـد دراسـة مـا يدل عليه معنى: {وَفِي سَبِيلِ اللّهِ} في الآية الكريمة، ومناقشة وتداول الرأي ظهر أن للعلماء في المسألة قولين: أحدهما: قصر معنى: {وَفِي سَبِيلِ اللّهِ} في الآية الكريمة على الغزاة في سبيل الله، وهذا رأي جمهور العلماء، وأصحاب هذا القـول يريدون قصر نصيب {وَفِي سَبِيلِ اللّهِ} من الزكاة على المجاهدين الغزاة في سبيل الله تعالى. القول الثاني: أن سبيل الله شامل عام لكل أطراف الخير، والمرافق العامة للمسلمين، من بناء المساجد وصيانتها وبناء المدارس والربط وفتح الطرق، مما ينفع الدين وينفع المسلمين، وهذا قول قلة من المتقدمين، وقد ارتضاه واختاره كثير من المتأخرين. وبعد تداول الرأي ومناقشة أدلة الفريقين قرر المجلس بالأكثرية ما يلي: 1 - نظراً إلى أن القول الثاني قد قال به طائفة من علماء المسلمين، وأن له حظاً من النظر في بعض الآيات الكريمة مثل قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى} الآية (البقرة: 262). ومن الأحاديث الشريفة، مثل ما جاء في سنن أبي داود: أن رجلاً جعل جملاً في سبيل الله فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (فهلا خرجت عليه فإن الحج في سبيل الله). 2 - ونظراً إلى أن القصد من الجهاد بالسلاح هو إعلاء كلمة الله تعالى، ونشر دينه بإعداد الدعاة، ودعمهم ومساعدتهم على أداء مهمتهم، فيكون كلٌ من الأمرين جهاداً. لما روى الإمام أحمد والنسائي وصححه الحاكم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم). 3 - ونظراً إلى أن الإسلام محارب بالغزو الفكري والعقدي من الملاحدة واليهود والنصارى وسائر أعداء الدين، وأن لهؤلاء من يدعمهم الدعم المادي والمعنوي، فإنه يتعين على المسلمين أن يقابلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلام وبما هو أنكى منه. 4 - ونظراً إلى أن الحرب في البلاد الإسلامية أصبح لها واردات خاصة بها، ولها بنود مالية في ميزانية كل دولة بخلاف الجهاد بالدعوة، فإنه لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدة ولا عون. لذلك كله فإن المجلس قرر - بالأكثرية المطلقة- دخول الدعوة إلى الله تعالى وما يعين عليها ويدعم أعمالها في معنى {وَفِي سَبِيلِ اللّهِ} في الآية الكريمة. إن ترجيح القول الثاني الذي يوسع في مجال الإنفاق في سبيل الله وبما تتطلبه الدعوة إلى دين الله في عصرنا الحالي بأدلته القوية، النقلية منها والعقلية يعد استحساناً بالضرورة، لضرورة الإنفاق في هذا الباب الذي يقل الإنفاق فيه، وكذلك يعد استحساناً بالمصلحة لمصلحة المسلمين في نشر دينهم في الآفاق كي يعم العدل على الأرض ويسعدوا في الآخرة. والله تعالى أعلم.