كل نفس عليها من الله حافظ ورقيب يحرسها ويكتب أعمالها

alarab
باب الريان 05 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين. التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر. وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط. ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب. بسم الله الرحمن الرحيم {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17) } سورة الطارق مكية: فعن خالد بن أبي جبل العدواني، أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مُشرّق ثقيف وهو قائم على قوس -أو عصًا- حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، فسمعتُه يقول: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} حتى ختمها، قال: فوعيتُها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتُها في الإسلام، قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتُها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنّا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه. وروى النسائي بسنده عن جابر قال: صلى معاذ المغرب، فقرأ البقرة والنساء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفتّانٌ أنت يا معاذ؟! ما كان يكفيك أن تقرأ بـ: السماء والطارق، والشمس وضحاها، ونحو ذلك؟!» مقاصد السورة: تتضمن السورة الإقسام من الله تعالى بهذا الطارق، والنجم الثاقب، على أنّ كل نفس من أنفس البشر عليها من الله حافظ، ورقيب يحرسها، ويكتب أعمالها. وأن على الإنسان أن ينظر في بداية خلقه، وأنه خلق من منيّ الرجل، وهو نُطْفة لا شأن لها، ومن ماء المرأة، فهو من كليهما خُلق. وأن الله قادر على إعادته، كما خلقه من هذه المادة المهينة، بتأكيد البعث. وأنه سيُعاد يوم الحساب، {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}، وتنكشف الستور، فما له من قوّة تحميه، أو أحد ينصرُه. ثم يحلف اللهُ بالسماء التي تتراجع بالأمطار، وبالأرض التي تتصدّع بالنبات، على عظمة القرآن وصوابه. ثم يبشّر الرسول الكريم والمسلمين بالنصر المبين، وأن الكافرين يمكرون ويكيدون المكايد، والله لهم بالمرصاد، وسيُفشِل خططهم، ويُحبِط مكرَهم. {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ}: بدأ القسَم بالسماء، كما في السورة السابقة، ولكنه هنا أضاف إليها الطارق بهذا الوصْف. و (الطَّارِق): اسم فاعل من طرَق يطرُق، فهو طارق، إذا جاء ليلًا، وأصل الطرْق الدّقُّ، ومنه سُمّيتْ (المطرقة)، وإنما سُمِّي قاصد الليل طارقًا؛ لاحتياجه إلى طرْق الباب، ثم اتّسَع معناه لكل ما ظهر في الليل كائنا ما كان، والمراد هنا: النجم البادي ليلا، إمّا على أنه اسم جنس، أو نجم معهود. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ}: فخّمَه حين أقسم به، ثم نوّه بشأنه، ونبّه على رِفْعة قدْره، بحيث لا ينالها إدراك الخلق، فلابد أن تُتلقَّى مِن الخلّاق العليم. والمعنَى: وأيّ شيءٍ أعلمك عن حقيقة الطارق؟!. {النَّجْمُ الثَّاقِبُ}: خبرٌ لمبتدأ محذوف، أيْ: هو النَّجمُ الثاقب، أيْ: المُضيء أو النّافذ، كأنّ الليلَ جِلْد أسود، وهو يثقُب هذا الجِلد ويخرِقه، فهو يثقُب الظلامَ والأفلاكَ بضوئِه وينفُذُ فيها. والمراد به: إمّا الجنس، فإن لكل نجم ضوءًا ثاقبًا لا محالة، وهو الأولى، وقيل: نجم معيّن مثل: زُحل، أو الثريا، أو غير ذلك. وقيل: المراد الشهاب واحد الشُّهُب، التي ذكر القرآنُ أنّها تُرجَم بها الشياطينُ، قال تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} [الملك:5]. وقال تعالى: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات:10]. وقوله عزّ وجلّ: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ} تفْخيم لشأن هذا المُقسَم به، وقال سفيان بن عُيَيْنة كل ما في القرآن «وما أدراك» فقد أُخْبر الرسول به (يقصد: قد أخبر الله تعالى نبيّه بشأنه وحاله)، وكل شيء قال فيه: «وما يدريك» لم يُخْبر به. قال الرازي: اعلمْ أنّه تعالى أكثر في كتابه ذكْر السّماء والشمس والقمر؛ لأن أحوالَها في أشكالها وسيْرها ومطالعها ومغاربها عجيبة. وأمَا (الطارق): فهو كل ما أتاك ليلا، سواء كان كوكبا أو غيره، فلا يكون الطارق نهارا، والدليل عليه قول المسلمين في دعائهم: نعوذ بالله من طوارق الليل. ورُوي أنه عليه السلام «نهى عن أن يأتيَ الرجلُ أهلَه طروقا»، والعرب تستخدم الطروق في صفة الخيَال؛ لأن تلك الحالة إنما تحصل في الأكثر في الليل، ثم إنه تعالى لمّا قال: (والطارق) كان هذا مما لا يستغني سامعُه عن معرفة المراد منه، فقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ} ثم قال: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ}، أي هو طارق عظيم الشأن، رفيع القدر، وهو النجم الذي يُهْتدَى به في ظلمات البر والبحر، ويُوقَف به على أوقات الأمطار. {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}: هذا هو جواب القسم، (إنْ) نافية، و(لمَّا) بمعنى (إلَّا)، والمعنى: لا يوجد نفس بشرية إلا وعليها من الله حافظ، وعلى الجميع حفظة يحرسونهم، ويحفظون على كل نفس عملها ورزقها وأجلها وكل ما يتعلق بها، وما تكسب من خير أو شر، فعليها (حافظ)، أي: حارس ورقيب وراصد لِما تقوله وما تفعله، كما في قوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار:10-12]. وقال عز وجل: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} [الأنعام:61]. وقال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد:11]. {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:13]. والمُراد أنّ كل نفس عليها رقيب وحافظ، يحفظها من الآفات حتى يسلمها إلى المقادير. وقيل: الحافظ على الإنسان: عقله، يُرشِده إلى مصالحه، ويكفّه عن مضارّه. قال القرطبي: العقل وغيره وسائط، والحافظ في الحقيقة هو اللهُ جلّ وعزّ، قال الله: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف:64]. وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ} [الأنبياء:42]. قال الإمام الرازي: واعلم أنه تعالى لما أقسم على أن لكل نفس حافظًا يراقبها ويعُد عليها أعمالها، فحينئذ يحق لكل أحد أن يجتهد ويسْعى في تحصيل أهم المُهمات، وقد تطابقت الشرائع والعقول على أنّ أهم المهمات معرفة المبْدأ ومعرفة المَعاد، واتفقوا على أن معرفة المبدأ مقدمة على معرفة المعاد، فلهذا السبب بدأ الله تعالى بعد ذلك بما يدلُّ على المبدأ. فقال: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ}. وقال الرازي في بيان ما يحفظه هذا الحافظ أو هؤلاء الحفظة: «ففيه وجوه، إحداها: أن هؤلاء الحفظة يكتبون عليه أعماله دقيقَها وجليلَها، حتى تخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا. وثانيها: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} يحفظ عمَلها ورزقَها وأجلَها، فإذا استوفى الإنسان أجله ورزقه قبضه إلى ربه، وحاصله يرجع إلى وعيد الكفار وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم، كقوله: {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} [مريم: 84]. ثم ينصرفون عن قريب إلى الآخرة فيجازون بما يستحقونه. وثالثها: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}، يحفظها من المعاطِب والمهالِك، فلا يصيبها إلا ما قدّر الله عليها. ورابعها: قال الفراء: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} يحفظها حتى يُسْلِمَها إلى المقابر.» إذا تبيّن للإنسان أنه لا يوجد نفسٌ إلا عليها رقيبٌ وحافظٌ من الملائكة وجنود الله {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر:31]. فعلى الإنسان أن ينظر ويتفكر بعقله في خلقه وتكوينه العجيب، الذي جمع بين حُسن الصورة والتقويم، وقوة الفكرة والاستعداد للتعلم والتعليم، والتأهّل للدار الآخرة، يتفكر: ماذا كان أمره؟ وإلامَ صار؟ ممّ خلقه الله من الأساس؟ كما قال تعالى حين لخص مراحل الإنسان كلها في سطر أو سطرين من القرآن: {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} [عبس:18-23]. {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ}: الدّفْق: صبُّ الماء، يقال: دفقتُ الماء أيْ: صببتُه، وهو مدفوق، أي: مصبوب، وإنما قال: (دافق)؛ لأن معناه: «ذو اندفاق»، كما يقال: (دارع)، و(فارس)، و(نابل)، أي: ذو درع، وفرس، ونَبْل، كما أنهم يسمون المفعول باسم الفاعل، كقولهم: (سرٌّ كاتم)، (وهمٌّ ناصب)، (ليلٌ نائم)، وكقوله تعالى: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [الحاقة:21]. أي: مرضيّة. والجواب عن هذا السؤال أو الاستفهام: أنه –كما يعلم الجميع- خُلِق من ماءٍ دافق. لمْ يُخلق من ذهَبٍ، أو من جوْهر من الجواهر النفيسة، بل خُلق من الماء المَهين، كما سمّاه الله في سورة الإنسان، وهو ما نسمّيه الآن (الحيوان المنوي)، الذي تخرج الدَفْقة أو الدفَقات منه، من صُلب الرجل، فيها الملايين، وعشرات الملايين، وربما مئات الملايين، كل واحدٍ منها صالحٌ لأن يكون نواةً –أو نصف نواة- لإنسان كامل. {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ}: هذا الماء الدافق يخرج من الجنسين كليهما: الرجل والمرأة، فمنهما يكون خلق الإنسان، يجتمع الماء من صلب الرجل، وهو عظام ظهره الفقّارية، ويجتمع كذلك من ترائب المرأة –جمع تريبة- وهي عظام صدرها العلوية، وكان هذا أمرا مجهولا للبشر كافة، لا يعلمه أحدٌ منهم، فهو من الحقائق العلمية التي لم تكشف عنها العلوم المكتسبة إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين، وورودها في القرآن بهذا الوضوح وبهذا التأكيد في سياق الاستشهاد على صحّة البعْث والرجوع إلى الله ربِّ العالمين، دليل على أن هذا القرآن لا يعبّر عن عِلم محمدٍ بحدود البيئة العربية القاصرة، إنّما يعبّر عن عِلم الله بالكون الذي خلقه، وخلق كُلّ ما فيه: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير} [الملك:14]. {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}: بعد بيان هذه الحقائق العلمية الهائلة، يؤكد القرآن أن اللهَ تعالى قادرٌ بَيّنُ القُدْرة على رجع الإنسان وإعادته بعد موته، كما بدأه أول مرة، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم:27]. والضمير في قوله: {إِنَّهُ} هو لله تبارك وتعالى، وإن لمْ يسْبِقْ له ذكرٌ مباشر في الكلام، ولكنّه حاضر دائما، وكأنه قال: {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} وهو الخالق والضمير في قوله: {عَلَى رَجْعِهِ} يرجع إلى الإنسان، المذكور من قبل. قال الإمام الرازي في تفسيره: «قد بيّنا في مواضع من هذا الكتاب أن دلالة تولّد الإنسان عن النّطفة على وجود الصانع المختار من أظهر الدلائل، لوجوه. أحدها: أن التركيبات العجيبة في بدن الإنسان أكثر، فيكون تولده عن المادة البسيطة أدل على القادر المختار. وثانيها: أن اطّلاع الإنسان على أحوال نفسه أكثر من اطلاعِه على أحوال غيره، فلا جرَم كانت هذه الدلالة أتمّ. وثالثها: أن مشاهدة الإنسان لهذه الأحوال في أولاده وأولاد سائر الحيوانات دائمة، فكان الاستدلال به على الصانع المختار أقوى. ورابعها: وهو أن الاستدلال بهذا الباب، كما أنه يدل قطْعا على وجود الصانع المختار الحكيم، فكذلك يدل قطعا على صحّة البعْث والحشر والنشر، وذلك لأن حدوث الإنسان، إنما كان بسبب اجتماع أجزاء كانت متفرقة في بدن الوالدين، بل في جميع العالم، فلما قدر الصانع على جمع تلك الأجزاء المتفرقة حتى خلق منها إنسانا سويًّا، وجب أن يُقال: إنه بعد موته وتفرق أجزائه لا بد وأن يقدر الصانع على جمع تلك الأجزاء وجعلها خلقا سويا، كما كان أولا». {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}: وهو يوم القيامة، الذي يُكشف فيه كل شيء، ويصبح المكنون منشورا، ويظهر السرّ علانية، وتُخبر سرائر الناس، وما أسرّوه في نيّاتهم، فإذا كله يبدو ويتّضح، فيُعرف ويُفتضح ما أكنّتْه الضمائرُ، وما خبّأتْه القلوب، من العقائد والنيّات والخواطر والعزَمَات، وما خفِيَ من الأعمال والأهوال، ويميّز بين ما طاب منها وما خبث، يقول تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [مريم:38]. وقد ثبتَ في الصحيح عن ابن عمر، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لكل غادر يوم القيامة لواءٌ عند استه» يُقال: على قدر غدرته. {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ}: فما للإنسان في هذا اليوم {مِنْ قُوَّةٍ} في نفسه أو قومه تحميه ويمتنع بها، {وَلَا نَاصِرٍ} ولا أحد من الخارج كالحليف يستنصره ويتعزز بسنده، فكل واحد في هذا اليوم لا يفكر إلا في أمر نفسه، لا في أمر أحد غيره، ولو كان أقرب الناس إليه، {وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [لقمان:33]. قال أبو مسلم: بلوت يقع على إظهار الشيء ويقع على امتحانه كقوله: {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] وقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} [البقرة: 155] ثم قال المفسرون: السرائر التي تكون بين الله وبين العبد تختبر يوم القيامة حتى يظهر خبرها من سرها ومؤدِّيها من مضيّعِها، وهذا معنى قول ابن عمر رضي الله عنهما: يبدي اللهُ يوم القيامة كلَّ سرٍّ منها، فيكون زيْنًا في الوجوه، وشيْنًا في الوجوه، يعني من أدَّاها كان وجهه مُشرقا، ومن ضيّعها كان وجهه أغْبر. {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ}: ثم أعاد الله هنا القسم بالسماء التي أقسم بها في أول السورة، ولكنه يُقسم بها هنا على أمر جديد، كما وصفها هنا بوصف عجيب، يذكره القرآن لأول مرة في سورة {ذَاتِ الرَّجْعِ} قال الإمام القرطبي: أي ذات المطر. ترجع كل سنة بمطر بعد مطر. كذا قاله عامة المفسرين. وقال أهل اللغة: الرجع: المطر، وأنشدوا للمتنخل يصف سيفا شبّهه بالماء: أبيض كالرجع رسوب إذا  ما ثاخ في محتفل يختلي وقال عبد الرحمن بن زيد: الشمس والقمر والنجوم يرجعن في السماء، تطلع من ناحية وتغيب في أخرى. قال الرازي في تفسيره: اعلم أنه سبحانه وتعالى لما فرغ من دليل التوحيد، والمعاد أقسم قسما آخر. أمّا قوله: والسماء ذات الرجع فنقول: قال الزجاج: الرجع: المطر؛ لأنه يجيء ويتكرر. واعلم أن كلام الزجاج وسائر أئمة اللغة صريح في أن الرجع ليس اسما موضوعا للمطر، بل سُمّي رجْعا على سبيل المجاز، ولحُسن هذا المجاز وجوهٌ. أحدها: قال القفّال: كأنه من ترجيع الصوت، وهو إعادته ووصل الحروف به، فكذا المطر لكونه عائدا مرة بعد أخرى سُمي رجْعا. وثانيها: أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض ثم يرجعه إلى الأرض (وأقول: وهذا ليس مجرد زعم، بل هو الحقيقة الثابتة الآن بكل الدلائل). وثالثها: أنهم أرادوا التفاؤل فسمَّوْه رجْعا ليرجِع. ورابعها: أن المطر يرجع في كل عام. وقال الإمام القرطبي: {والأرض ذات الصدع} قسَم آخر، أي تتصدّع عن النبات والشجر والثمار والأنهار، نظيره {ثم شققنا الأرض شقا} [عبس: 26]. الآية. والصّدْع: بمعنى الشق، لأنه يصدع الأرض، فتنصدع به. وكأنه قال: والأرض ذات النبات، لأن النبات صادع للأرض. وقال قتادة: والأرض ذات الطرق التي تصدعها المشاة. وقيل: ذات الحرث؛ لأنه يصدعها. وقيل: ذات الأموات؛ لانصداعها عنهم للنشور. ويمكن أن يُراد هذا كله بـ {ذات الصدع}، ويمكن أن يزاد عليه بما يقبله اللفظ. {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ}: أقسم الله تعالى بالسماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع، على هذا الأمر: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ}، أي: القرآن الذي مثلتْه هذه السورة، وهذه الآيات منها، ولم يتقدم له ذكر في الآي التي معنا، يفصل بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين الرشد والغي. وقد جاء الحديث الذي رواه الترمذي من حديث الحارث الأعور عن عليٍّ رضي الله عنه في وصف القرآن: «كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل....» الحديث. ولهذا سُمّي القرآن: الفُرقان، قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1]. وقال بعضهم: (القول الفصْل): ما تقدم من الوعيد في هذه السورة، من قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}، ورجّحه القرطبي. {وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ}: الهزْل: ضِدُ الجِدِّ، والمعنى: أن القرآن ليس بالباطل ولا اللعب. وقد هزَل يهزِل، كما قال الكميت: أرانا عَلَى حُبِّ الحياةِ وطُولِها *** تَجِدُّ بنا في كلِّ يومٍ ونَهْزِلُ ويقول العلامة الدكتور زغلول النجار في (موسوعة الإعجاز العلمي) في كتابه (خلق الإنسان في القرآن)، وقد نشرتْها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر: «ثم تتبع الآيات بقَسَمين آخرين من الله تعالى، وهو الغنِيَّ عن القسَم لعباده، يقول فيها: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ* والأرض ذات الصدع}، ورجْع السماء هو قدرتها على إرْجاع النافع المفيد من مختلف صور المادة والطاقة التي ترتفع إليها من الأرض إلى ذلك الكوكب المبارك مرة أخرى، وذلك من مثل: صدى الصوت، المطر، الرجع الحراري بعد غروب الشمس، عودة الغبار المرتفع بواسطة الرياح من الأرض إليها، وانعكاس موجات البث الإذاعي والتلفازي على سطح النطاق المتأيّن من الغلاف الغازي للأرض، ورجوعه مرة أخرى إلى أماكن توجيهه، ولولا ذلك ما تمكن الإنسان من أي بث إذاعي أو تلفازي أو اتصال لا سلكي، وغير ذلك من صور الرجع الداخلي.. وقدرة سماء الأرض أيضا على إرجاع الضار المهلك من صور المادة والطاقة التي تهبط من السماء في اتجاه الأرض إلى فسحة السماء مرة أخرى، وذلك من مثل: الزائد من حرارة الشمس الذي ترده السحب، والأشعة فوق البنفسجية وتردّها طبقة الأوزون، والأشعّة الكونيّة ويردّها كل من النِّطاق المتأيّن وأحزمة الأشعّة الموجودة فيه، وغيرها. وتحصي العلومُ المكتسبة اليوم أكثرَ من عشْر صور لرجْع السماء بشكليه الداخليّ العائد إلى الأرض، والخارجيّ المندفع بعيدا عنها جمعتها هذه السورة الكريمة في كلمة واحدة هي (الرَّجْعُ)، وقد يرى القادمون من بعدنا في هذه اللفظة (الرَّجْع) ما لا نراه نحن الآن. والقسم بـ {والأرض ذات الصدع} يشمل انصداع التربة عن النبات، وعن أجساد الأموات يوم البعث، كما يشمل شبكة الصدوع التي تحيط بالأرض إحاطة كاملة، والتي يشبهها العلماء باللحام على كرة التنس، ممتدة لعشرات الآلاف من الكيلومترات في مختلف الاتجاهات، وبأعماق تتراوح بين 60 كم- 65 كم في صخور قيعان جميع محيطات الأرض، وقيعان أعداد من بحورها، وبين 100 كم– 150 كم في صخور اليابسة؛ لتشكل صمام أمن للأرض، تنطلق منه الطاقة الزائدة عن حاجتها، والناتجة من تحلل العناصر المشعة الموجودة في داخل الأرض. ولولا تلك الشبكة الهائلة من الصدوع المتصلة ببعضها البعض وكأنها صدع واحد لانفجرت الأرض على هيئة قنبلة ذرية كبيرة منذ اللحظة الأولى لتيبس قشرتها. يتبع غداً إن شاء الله...