باب الريان
05 أغسطس 2011 , 12:00ص
د. راسم محمد عبد الكريم •
قال تبارك وتعالى في محكم كتابه الحكيم: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}.
جاء في تفسير ابن كثير: «(السماء بنيناها) أي جعلناها سقفاً محفوظاً رقيقاً، (بأيدٍ) أي بقوة (وإنا لموسعون) أي قد وسعنا أرجاءها فرفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي.
التفسير العلمي: يقول الله تبارك وتعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} الآية الكريمة تشير إلى أن الكون المعبر عنه بلفظ السماء هو في حالة توسع دائم بأمر الله تعالى، يدل على ذلك لفظ (موسعون) فهو اسم فاعل بصيغة الجمع لفعل أوسع وهو يفيد الاستمرار، لكن القرآن الكريم كلام الله تعالى لم يبين تفاصيل الاتساع وإنما أورده مجملاً.
إن من دواعي الفخر والسرور أن نعلم أن من علماء المسلمين المتنورين بالقرآن والسنة -أي بالعقيدة الحق- قد أدركوا ضرورة وجود إمكانية لتوسع الكون؛ حيث نجد في كتاب تهافت التهافت لابن رشد الحفيد مناظرة بين أطروحات حجة الإسلام الصوفي العالم المسلم الأصولي المتنور بنور الحق -رحمه الله تعالى- الذي يتكلم بلسان علماء العقيدة المتكلمين أبو حامد الغزالي، وردود أبي الوليد ابن رشد الحفيد الذي يتكلم بلسان الفلاسفة، فالإمام أبو حامد الغزالي طرح هذه القضية في كتابه تهافت الفلاسفة؛ حيث قال: «هل كان الله قادراً على أن يخلق العالم أكبر مما هو عليه؟ فإن أجيب بالنفي فهو تعجيز لله، وإن أجيب بالإثبات ففيه اعتراف بوجود خلاء خارج العالم كان يمكن أن تقع فيه الزيادة لو أراد الله أن يزيد في حجم العالم عما هو عليه».
أما ابن رشد -رحمه الله تعالى- والذي يلتزم موقف الفلاسفة اليونانيين فإنه يرى أن «زيادة حجم العالم أو نقصه عما هو مستحيل لأن هذا التجويز إذا قام فلا مبرر لإيقافه عند حد، وإذن فيلزم تجويز زيادات لا نهاية لها».
من الواضح في هذه المناظرة أنه رغم عدم توفر المعلومات التفصيلية عن فيزياء الكون، والقوى العاملة فيه فإن المتكلمين المسلمين حين استندوا إلى أصول العقيدة الإسلامية المستنبطة بشكل صحيح من القرآن والسنة المطهرة توصلوا إلى فهم مسائل عويصة منها مسألة توسع الكون والتي هي قضية مستحدثة في الاستنباط العلمي في القرن العشرين الميلادي، بينما هذه المناظرة تمت في القرن السادس الميلادي.
وقال ابن كثير في تفسيره لقوله تبارك وتعالى: {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} «أي قد وسعنا أرجاءها فرفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي».
التفسير العلمي الحديث: أثبتت الأبحاث العلمية الأخيرة أن حجم الكون آخذ في الزيادة شيئاً فشيئاً، وكلما ازداد حجمه ازدادت المسافة بين أجرامه، فتوسع الكون هو أعظم ظاهرة اكتشفها العلم الحديث.
وفي عام 1929م أكد العالمان الفلكيان همسن وهابل نظرية توسع الكون؛ حيث وضع هابل القاعدة المعروفة باسمه وهي قانون تزايد بعد المجرات بالنسبة لمجرتنا وبالنسبة لبعضها البعض.
إن توسع الكون يعتمد على معطيات مادية وذلك من خلال دراسات طيف المجرات فالانتقال الطيفي نحو اللون الأحمر من الطيف يعلل تنحي المجرات كل عن الأخرى، وقد اكتشف عالم الطبيعة (هابل) أن الكواكب السديمية تبتعد عن سديمتها.
كما توصل العلماء إلى أن الكون يتضاعف إلى نصف قطره كل 1800 مليون سنة، وكما أن المجرات التي لا حصر لعددها تبتعد عنا مندفعة في السماء البعيدة بسرعة هائلة تبلغ 1400 ميل في الثانية، وأنها كلما ازدادت بعداً ازدادت سرعة اندفاعها إلى درجة أكبر، و {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}.
إن حركة ابتعاد المجرات ناتجة عن توسع الفضاء نفسه حيث تنساق معه المجرات كلها، وبصورة عامة فإن المجرات وتجمعات المجرات هي أشبه ما تكون بكتل غازية هائلة من الدخان (السديم) لا تزال تتوسع وتنتشر ويتوسع معها الكون منذ حصل الانفجار الكبير والعظيم في الذرة العملاقة الأولى.
وباختصار، فإن اتفاق الفلكيين في النصف الثاني من القرن العشرين على حقيقة توسع الكون أسقطت تماماً فرضية أزلية الكون وقدمه وثبت علماً أن للكون بداية ونهاية، فسبحان الخالق العظيم الواحد الأحد الذي صدقنا وعده عندما قال: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
dr_Rasimmuhammad@yahoo.com •