عليك الدعوة وعلى الله الهداية.. ابذُر الحبّ وارجُ الثمار من الرب
باب الريان
05 أغسطس 2011 , 12:00ص
الفرق بين رسَالتَيْ موسى
ومحمد عليهما السلام
{أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}
كما أُرسل محمد صلى الله عليه وسلم وأنزلنا عليه الكتاب: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: 1] أنزل إلى موسى: {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ} فالفرق بين موسى ومحمد؛ أن الله يقول لموسى: أخْرج قومك، ومحمد قال له: لِتُخْرَج الناس. فهذه رسالةٌ محدودةٌ، وهذه رسالة عامة، هذه رسالة لقوم مخصوصين، وهذه رسالة إلى العالم.
وما زال اليهود إلى اليوم، لا ينشرون رسالتَهم إلى العالم، لا يزعُمون أنَّ عندهم رسالة عالميَّة، رسالتهم رسالة قوميَّة، رسالة لشعب إسرائيل، حتى الإله عندهم يقولون: ربّ إسرائيل. ونحن نقول: رب العالمين. من أوَّل آية في القرآن بعد البسملة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]، هم يقولون: رب إسرائيل، ورب الجنود، لأنهم مجتمع عسكري محارب.
التذكير بأيام الله تعالى
{وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ}
ما المراد بأيَّام الله؟ أيامُ الله هي: الأيام الجديرة أن تُنْسب إلى الله، فلا يقال: هذا يومُ فلان إلا إذا كان هذا اليوم حَصَل فيه على شهادة كبيرة، أو جائزة عظيمة، أو تحقَّق له شيء رائع، فتقول: هذا يوم فلان، فعندما تقول: يوم الله. فمعناه: أنه اليوم الذي أنزل فيه نعما سابغة وباهرة، أو الذي أنزل فيه نقما على المجرمين من عباده، فهي أيام الله، فيمكن أن نقول: إنَّ من أيام الله: يوم أهلك قوم نوح بالطوفان، ويوم أهلك عاداً بريح صرصر عاتية، ويوم أهلك ثمود بالطاغية، صيحة أخذتهم فأصبحوا في ديارهم جاثمين، ويوم أهلك فرعون وجندَه حينما انفلق بهم البحر وغرقوا جميعا، فأغرقناه ومَنْ معه أجمعين.
هذه كلها هي أيام الله، فهي إما أن تكون أياما لإنزال النِّعَم أو لإنزال النِّقَم، فكأنَّ الله تعالى يقول لموسى: ذكِّر قومك بأيام الله، أيام نِعَم الله عليهم، وسنأتي في الآية التالية إلى تذكيرهم ببعض النعم: {إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ}.
ويُذكِّرهم بأيام نِقَمِ الله على أعدائهم، كيف انتقم الله من أعدائهم، كيف انتقم الله من فرعون الذي أذلَّهم واسْتعبدهم؟ {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4]. وهذا هو القسم الأول من النِّقم.
ثم يأتي القسم الثاني، وهو: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص:5،6]. فهذه أيام الله تعالى، كما قال مؤمن آل فرعون: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [غافر:30-33].
حاجة الناس إلى التذكير بأيام الله
الناس بحاجة إلى التذكير بأيام الله حتى لا تُنسى، من طبيعة الإنسان أن ينسى، كما قال الشاعر:
وما سُمِّي الإنسان إلا لِنَسْيِهِ وما القلبُ إلا أنه يَتَقلَّب
الإنسان في حاجة إلى التذكير، والمراد بالتذكير: إزالة النسيان، بحيث يجعل الأمر دائماً حياً في ذاكرته لا يمحى ولا ينسى.
فالتذكير بالنِّعم لأهلها، وبالنِّقم لأهلها، والتَّذكير فيه أيضا معنى العظة والإنذار، ولذلك الرسل يُعْتَبرون مُذكِّرين، النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أمر بالتذكير في آيات كثيرة: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى:9]، {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات:55]، {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية:21، 22].
فالتذكير هو منهاج النبوة، والعلماء هم وَرَثة الأنبياء، ومهمتهم أن يسيروا في طريق التَّذكير، يُذكِّرون الناس: بأيَّام الله وبِنِعَم الله، وبفَضْل الله -عزَّ وجل- وبهُدى الله.
المستفيدون من التذكير بأيام الله
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}
إنَّ في هذا الإخراج من الظلمات إلى النُّور، وفي هذا التذكير بأيام الله لآيات دالة ومُنبِّهة.
لكن لا يَتنبَّه لهذه الآيات، ولا يَسْتنير بنُور هذه الآيات، ولا يهتدي بهُدى هذه الآيات إلا كلُّ صَبَّار شَكُور، وهو الإنسان المؤمن؛ لأنَّ الإيمان نصفان: نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ، فكأنَّه يقول: إنَّ هذه الآيات للمؤمنين الصَّادقين الذين يقابلون البلاء بالصبر، ويقابلون النَّعماء بالشكر، وهذا شأنُ الإنسان المؤمن كما جاء في الحديث الصحيح: «عَجَباً لأمر المؤمن؛ إنَّ أمرَهُ كلَّه له خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن، إنْ أصابته سرَّاء شكر فكان خيرا له، وإنْ أصابته ضرَّاء صَبَر فكان خيرا له». هذا شأن الإنسان المؤمن، بين صبر وشكر، بين سرّاء وضرّاء، بين نَعْماء وبأساء.
دلالة صيغَتَي المبالغة في قوله سبحانه: {صَبَّارٍ شَكُورٍ}
وصبَّار وشكور صيغتا مبالغة -كما يقول أهل اللغة- فهناك رجل آكل ورجل أكَّال، الآكل يأكل مرة، والأكّال الكثير الأكل، والصَّبَّار الكثير الصَّبر، والشَّكور الكثير الشكر، فليس مُجرَّد صبره مرَّة، أو شكره مرَّة أن يكون الأمر قد انتهى، لا بدَّ أن يكون الصبر خُلُقاً له وأن يكون الشكر خُلُقاً له، فهو دائمُ الصَّبر دائمُ الشكر.
سِرُّ تَقْديم الصَّبْر على الشكر
لكن لماذا قدَّم الصبر على الشكر؟ مع أنَّ نِعَم الله سابغة: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان:20]، {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:34].
القرآن يريد أن يُوطِّن المسلم نفسه على تحمُّل البلاء، لأنَّ البلاء بالمرصاد للإنسان بصفته إنساناً، يعني مُجرَّد كونه إنساناً، أصبح مهيئاً لنزول البلاء به: { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد:4]. {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} [الإنسان:2]. فحياتُه قائمةٌ على الابتلاء، وبصفته من أهل هذه الدنيا، فالدنيا دار ابتلاء من أوَّلها كما قال عليٌّ رضي الله عنه: «ماذا أصف لك من دار مَنْ صحَّ فيها سقم، ومَنْ أمن فيها ندم، ومَنْ افتقر فيها حزن، ومَنْ استغنى فيها افتتن، في حلالها الحساب، وفي حرامها العقاب، ومتشابهها العتاب».
وكما قال الشاعر:
جُبلت على كَدَر وأنت تريدها صفوًا من الآلام والأكدار
ومُكلِّف الأيام ضدَّ طباعها متطلب في الماء جذوة نار
هذه أيَّام الدنيا لا تَتَطَّلب أن تكون سعادةً مستمرةً أو صفاءً مستمراً، فصفاؤها مَشُوب بالكدر، وسعادتها مَشُوبة بالشقاء، وسرورها مَشُوب بالحزن، وهذه طبيعة الدنيا.
تعرُّض أصحاب الرسالات للبلاء
أصحاب الرسالات أكثر تعرُّضاً للبلاء من غيرهم، لأنَّ الله الذي خلق آدم خلق ومعه إبليس، وخلق إبراهيم ومعه نمرود، وخلق موسى ومعه فرعون، وخلق محمداً ومعه أبو لهب وأبو جهل، فالحقُّ يصارعه الباطل دائماً، فمن يحمل رسالة الحق لا بدَّ أن يُعَاديَه أهل الباطل، ومَنْ دعا إلى الصلاح حاربه أهل الفساد، مَنْ دعا إلى الخير قاومه دعاةُ الشَّر، ولذلك لمَّا سُئل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- «أيُّ الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الصَّالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإنْ كان في دينه رقَّة خُفِّف عنه، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة» يكفر عنه سيئاته بما ينزل به من بلاء «ما يصيب المسلم، من نَصَب ولا وَصَب ولا همّ ولا حَزَن ولا أذى ولا غمّ حتى الشوكةُ يشاكها إلا كفَّر الله به من خطاياه».
والقرآن يخاطب المؤمنين طالباً منهم أن يحملوا دعوة محمد، وأن يصبروا على ما يصيبهم في طريقها من بلاء وبأساء: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:2، 3].
وهذا سرُّ تقديم الصَّبَّار على الشَّكور: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} وقد تكرَّرت هذه العبارة في القرآن أربع مرات في مناسبات شتى.
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}
التَّذكير بالنِّعم أصل من أصول الرسالات:
ومن التَّذكير بأيام الله: أن يذكِّرهم بِنِعَمِ الله تعالى عليهم، حتى لا ينسوها. والتذكير بالنِّعم أصلٌ من أصول الرسالات السماويَّة كلها.
شكر المنعم من أوَّل الواجبات على الإنسان من حيث هو إنسان، اللهُ هو الذي هيَّأ لك هذا الكون كلَّه، وسخَّر لك كل ما في الكون، جعله جميعاً في خدمتك، فالشمس تضيء لك، والقمر ينير لك، والنجوم تهديك، والبحار تسقيك، والأرض ذلول لك، كل شيء في الكون مُسخَّر لك، فنعم الله كثيرة، ولكن الإنسان ينسى نعم الله.
ومن أعظم نِعَمِ الله على الإنسان: أنه أرسلَ الرُّسلَ إليه مُبشِّرين ومُنْذِرين يهدونه إلى الله وإلى طريق الله وإلى الجنة.
فالتذكير بالنِّعم أصْلٌ من الأصول، لذا يذكِّر القرآن المؤمنين بالنِّعم: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} [آل عمران: 103].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ} [المائدة:11].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب:9].
آياتٌ كثيرةٌ في القرآن تُذكِّر المسلمَ بِنِعَمِ الله، وهذا أصْلٌ مهمٌّ جدًّا ؛ أن يذكر الناس نعمة الله تعالى عليهم.
نسيان أكثر الناس نِعَم الله عليهم
للأسف كثيرٌ من الناس ينسى نعمة الله، يذكر البليَّة إذا نزلت به، بليَّة واحدة يظلُّ يذكرها ليلاً ونهاراً، وآلاف النعم يَتَغافل عنها، فمن المهم ذكر النِّعم، ولذلك سيدنا موسى عليه السلام يُؤَصِّل هذا الأصل حينما يقول لقومه: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} لا تنسوا ما كنتم فيه من ذلٍ واستعباد، ظَلِلْتم قروناً وأنتم عبيدٌ عند فرعون وقومه.
{إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ}
النجاة من فرعون ملك مصر
فرعون هو لقب لملك مصر، وهذه تسميةٌ للملوك في هذا الوقت، فهناك كسرى ملك الفرس، وقَيْصر ملك الروم، والنَّجاشي ملك الحَبشة، وتُبَّع ملك اليمن إلى آخره.
وملك مصر من المصريين، يسُّمونه (المصريون القدماء) إنما الغزاة لا يُسمَّى ملكهم فرعون، مثل ملك مصر وحاكمها أيام سيدنا يوسف، فالقرآن لم يعبِّر عن حاكم مصر بفرعون وإنما بالملك: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} [يوسف:43]. {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} [يوسف: 50].
السرُّ في تسمية العزيز بالملك
فعبَّر القرآن عنه بالملك. لكن لماذا لم يُعبِّر عنه بفرعون؟ على خلاف التَّوراة التي كانت تُسمِّيه فرعوناً؟! لأنه لم يكن فرعوناً، فلم يكن من الأُسر الفرعونيَّة التي حكمت مصر، إنما كان من ملوك الرعاة أو العمالقة أو الهكسوس، الذين غَزَوا مصر من الجزيرة العربية، وحكموا أهلها عدَّة قرون، إلى أن تجمَّع المصريون تحت قيادة قائد اسمه (أحْمُس) لحرب الهُكْسوس، وحَرَّر مصر منهم، كما هو معروف في التاريخ المصري. ولذلك حاكم مصر في أيام سيدنا يوسف لم يكن فرعوناً، ولم يكن مصرياً، هو من الذين حكموا مصر من الخارج.
ولذلك من دقَّة القرآن، وأنه حقاً مُنزَّل من لدن حكيم خبير، الذي يعلم السرَّ في السماوات والأرض، قال: الملك. ولم يقل فرعون، على خلاف ما في التوراة.
سبب اضْطهاد بني إسرائيل
تغيَّر الوضع في عهد سيِّدنا موسى، طُرِدَ الهكسوس أو العمالقة أو الرعاة، وحكمت الفراعنة مصر من جديد، أسرة من أسر الفراعنة حكمت مصر في ذلك الوقت، واضْطهدوا بني إسرائيل.
لماذا اضْطهدوا بني إسرائيل؟ البعض يقول: هذا أمرٌ سياسيٌّ لأنَّ بني إسرائيل لم يساهموا معهم في حربهم ضدَّ الهكسوس، لأنَّ الهكسوس كان لهم منهم مواقف قديمة من عهد سيدنا يوسف، فيبدوا أنهم لم يساهموا في حرب الهكسوس، فأخذها عليهم المصريون.
والبعض الآخر يقول: إنَّ فرعون رأى رؤيا.
وقول آخر يقول: إنَّ الكَهَنة هم الذين قالوا له: إنَّ غلاماً من بني إسرائيل سيشب ويكبُر ويزيل مُلْكَك على يديه، فقال: نقتِّل هؤلاء الذكور ولا نُبقي فيهم أحداً، فهذا سرُّ العزمة الفرعونيَّة على تذبيح الذكور من بني إسرائيل واسْتحياء النساء، وهذه كانت القاعدة.
الله -سبحانه- أنجى موسى عليه السلام، بآية من الآيات، ومعجزة من المعجزات، ونجَّاه إلى أين؟ نجَّاه الله ليعيش في قصر فرعون، يعنى يُربِّي فرعون مَنْ يزول ملكه على يديه، كأنَّ القدر يسخر منه، يقول له: افعل ما تفعل وما أردناه سينفذ رُغْم أنفك.
{يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ}
سوء العذاب
الأعمال الشاقَّة والأعمال المُزْرية التي يتأفَّف منها المصريُّون، ويأنفوا أن يقوموا بها؛ يُكلِّفون بني إسرائيل بها، بتنظيف المراحيض، وضرب الحجارة، يَسُومونهم سُوءَ العذاب، يُكلِّفونهم بأشدّ الأعمال وأسوأها.
سوء العذاب: العذاب هو الألم، فهم يُكلِّفونهم الأشياء المُؤْلمة والثقيلة والمتعبة والشاقَّة، كلها يكلّف بها بنو إسرائيل.
{وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}
السرُّ في إضافة الواو في قوله تعالى (ويذبِّحون):
في هذه السُّورة أضاف (واو) العطف في قوله: {وَيُذَبِّحُونَ}، وفي سورة البقرة قال: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} [البقرة:49] يذبِّحون هنا للتفسير أو للبدل يعني: ما سوء العذاب؟ هو تذبيح الأبناء واسْتحياء النساء.
الفرق بين التقتيل والتذبيح:
في سورة الأعراف: {يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [الأعراف:141]، فأحياناً يُعبَّر عن سوء العذاب بالتقتيل وأحياناً يعبَّر عنه بالتذبيح.
التَّقتيل: هو إزهاقُ روحِ الإنسان بأيِّ آلةٍ من الآلات، أما التَّذبيح فهو: تقطيع الرقاب. فهم أحياناً يُقطِّعون الرقاب وأحياناً يقتلون بآلاتٍ أخرى.
والتعبير القرآني يقول:{يُذَبِّحُونَ}، و{يُقَتِّلُونَ} ولم يقل: (يَذْبحون) و(يقتلون) لأنَّ هذا يدلُّ على التكثير، ومعنى ذلك أنها مجازر، يُذبِّحون ويُقتِّلون.
{يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} في آية البقرة والأعراف فسّر هذا السُّوء بأنه: التذبيح أو التقتيل للأبناء واستبقاء النِّساء أحياء.
وفي هذه الآية عطف (ويذبّحون) يعني جعل هذا أمراً آخر، فهم كانوا يُكلِّفونهم بالأعمال الشاقَّة، ويُذبِّحون أبناءَهُم، فأضافت هنا معنىً جديداً يعنى غير الأعمال الشاقَّة والمُزْرية والمُذلَّة التي كَلَّفوهم بها، ذبَّحوا أبناءهم واستحيوا نساءَهُم.
والأبناء: الأولاد الذكور، واستَحْيوا نساءَهُم، أي: أبقوهم على قَيْد الحياة للخدمة والمُتعة، فالنساء كانت تعمل خادماتٍ عندهم، وهذا أشدُّ من القتل، فالإنسانُ الكريم يعدُّ استبقاء ابنته امرأته عند عدوِّه لتخدمه أشدَّ عليه من القتل والذبح.
{وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}
مرجع الضمير في قوله سبحانه: {ذَلِكُم}
هل معنى: {وَفِي ذَلِكُمْ} الإنجاء، فيكون البلاء هنا نعمة كما قال سبحانه: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35]، أو يكون معنى: {وَفِي ذَلِكُمْ} أي: في تقتيل الأبناء واستحياء النساء، بلاءٌ من ربِّكم عظيم، بلاءٌ شديد ومحنةٌ عظيمة. وأيُّ محنة أعظم من هذه؟!
ربكم هو الذي فعل هذا؛ ليُؤدِّبكم لأنكم خرجتم على دين التوحيد واتَّبعتم ملَّة الآخرين، تركتُم ملَّة إبراهيم وإسحاق ويعقوب، واتَّبعتُم ملَّة المصريين وعبدتم معهم الأصنام، وانحرفتم عن دين التوحيد الذي جاء به أنبياؤكم من قبل.
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}
إعلام موسى قومه بسُنَّة إلهيَّة
ما زال سيِّدنا موسى يخاطبهم، ويقول لهم: وإذْ تأذّن ربكم، من الإذن والإعلام، كما قال سبحانه في آية أخرى عن بني إسرائيل: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأعراف167]. أي: أعلمكم ربُّكم بهذه الحقيقة، بهذه السُّنَّة، بهذا القانون الإلهيّ: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}.
الإنسان بين الشكر والكفر:
لأنَّ الإنسان بين شكر وكفر، كما قال سبحانه: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان:3]. والشكر له ثوابُه، والكفر له عقابُه، شكر النعمة والكفر بالنعمة لا يُتْرك، لكنَّ الله من سُنَّته الثوابُ والعقابُ في الدنيا وفي الآخرة، وهنا هذا الثواب في الدنيا: { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.
ما معنى (شكرتم)؟
الشكر طبعاً متعلِّق بالنعمة، فكلُّ نعمة يقابلها شكرٌ أو كفرٌ، فالحديث هنا عن النِّعم، وهو يذكِّرهم بنعم الله: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}، ثم يُبيِّن لهم هذا القانون.
قوانين قرآنيَّة
هناك قوانين قرآنية مثل القوانين الطبيعيَّة، {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد:7].
هذا قانونٌ قرآنيٌّ، وهناك: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} [الطلاق:2].
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11]. هذه قوانين قرآنيَّة.{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.
معنى الشكر وعناصره:
ما معنى الشكر؟ الشكر معنى مُركَّب من عدَّة عناصر، بعضه يتعلق بالقلب، وبعضه يتعلق باللسان، وبعضه يتعلق بالجوارح.
شكر القلب:
أما ما يتعلَّق بالقلب: فأن تعترف بأنَّ الله –تعالى- هو المنعم، فالنِّعم كلها من عنده: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل:53].
لا بدَّ أن يعترف القلب بهذا، فليس من المعقول أن يُقدِّم لك أحدٌ خدمة ولا تشكره كما جاء في الحديث: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، ولكن لا بد أن تعلم أنَّ الذي رقَّق قلبه لك ويسَّره ليخدمَكَ هو الله، فلا تنسى صاحبَ الفضل الأول.
فالأمر الأول: أن تعترف بأنَّ الله هو صاحب النعم كلِّها. هذا ما يتعلق بالقلب.
شكر اللسان:
الأمر الآخر: ما يتعلَّق باللسان، فتقول: الحمد لله. تشكر بلسانك، وتحمد لله به كما قال الشاعر:
لك الحمد مولانا على كلِّ نعمة ومن جملة النَّعماء: قولي لك الحمد
يعنى: أحمدك على كلِّ ما أنعمت به عليَّ، ومن جملة هذه النِّعَم: أنْ وفَّقتني لأنْ أقولَ لك: الحمد لله. فهذه نعمةٌ جديدةٌ، كما قال الشاعر:
إذا كان شكري نعمةَ الله نعمةً عليَّ له في مثلها يجبُ الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر
مهما قلت لن تستطع أن تفيَ الله -تعالى- حقَّه من الشكر، لأنك إذا شكرت الله هذه نعمة جديدة تحتاج شكراً جديداً، فلن ينتهي الشكر أبداً، لن نستطيع أن تعطي الله -تعالى- حقه من الشكر.
حَمْدُ الله سبحانه على نِعَمة:
الشكر باللسان تقول: الحمد لله. الإسلام علَّمنا إذا أكلنا وشبعنا أن نحمد لله. إذا ركبنا الدابة أو السيارة أن نقول: الحمد لله {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف:14،13].
تستيقظ من نومك تقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور». كل هذا يُعلِّمك الحمْد، كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى ما يحب قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإذا رأى ما يكره قال: «الحمدُ لله على كلِّ حال»، أي: إذا كان الأمر يكرهه يقول: الحمد لله، لذلك نقول: الحمدُ لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.
ربُّنا وحده هو الذي يُحمد على المكروه، لأنَّ المكروه قد يكون وراءه خير وأنت لا تدري: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [البقرة:216]. {.. فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } [النساء:19].
ورُبَّ ضارة نافعة. وكم من منحةٍ في طيِّ محنة. فقل: الحمد الله دائماً. من الشكر المطلوب: أن تقول ذلك دائماً، أن تُعوِّد لسانك على الحمد لله.