

الدرس السابع: الأكل من الطيبات
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ*إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ*إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ*أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ*ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}[البقرة:172-176].
نحن الآن مع مرحلة جديدة من مراحل سورة البقرة، كان الجزء الأول من السورة يُعنى بأهل الكتاب وبني إسرائيل منهم خاصة، والآن السورة تواجه المجتمع المسلم بالبناء والتوجيه، الجماعة المؤمنة، كيف تنظم مجتمعها على أساس ربَّاني، على ما يحب الله تعالى ويرضى، ومن هنا نجد هذا النداء الإلهي الجديد، الذي لم يقرع سمع الجزيرة العربية مثله قبل أن ينزل القرآن، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، ما كان الناس يسمعون إلاَّ يا بني علاَّن، وإلاَّ يا آل فلان، أمّا أن يخاطبوا بمثل هذا الخطاب فهذا شيءٌ جديد.
تطبيق أحكام الله
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، وهو خطابٌ للجماعة وليس خطابًا للفرد، ولهذا لم يعرف المسلمون يا أيها الذين آمنوا إلاَّ في المدينة، في مكة كان الخطاب يا أيُّها الناس، أمَّا في المدينة بعد أن أصبح لهم مجتمع، وأصبح لهم كيان وسلطان، وأصبحوا جماعة متميزة، فقد نزل القرآن يخاطبهم بهذا النداء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، وهو يشعر بهذا النداء الجماعي أن الجماعة مسؤولة مسؤولية تضامنية عن أحكام الله تعالى وتكاليفه، متكافلون في تنفيذ ما أمر الله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إذا سمعت الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، ففتح لها سمعك، فإنه خيرٌ تؤمر به، أو شرٌّ تنهى عنه.
أمر المؤمنين بالأكل من الطيبات وشكر الله على نعمه
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، جاء الخطاب قبل هذه الآيات للناس جميعًا {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا}[البقرة:168]، وهنا النداء للمؤمنين خاصَّة: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين، ففي آية أخرى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ..}[المؤمنون:51]، وهنا أمر لله من المؤمنين أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم الله، الطيبات تشمل الحلال والمستلذ، ما تستطيبه الأنفس وتستلذه، لم يحرم الله هذا على الناس، {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ..} كلُّ ما يُطلبُ منهم أن يشكروا نعمة الله، {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}، كما قال الله لقوم سبأ: {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ}[سبأ:15]، شكر نعمة الله أن تستعمل فيما خلقت له، فيما يرضي الله، لا أن يُستعان بنعم الله على معصية الله كما يفعل كثيرٌ من الناس، يؤتيهم الله النعم فيجعلون منها أدواتٍ لمحاربة الله، ومبارزته بالمعاصي والعياذ بالله! {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}، فهو واهب النعم، {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل:53]، {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ}[البقرة:152].
ما حرمه الله على عباده محدود وقد حرَّمه لحكمة
ثمَّ يبين الله سبحانه وتعالى أنَّه لم يحرم على الناس إلاَّ أشياء محدودة من الأطعمة {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ}، كلُّ من هلك حتف أنفه من غير تزكية اختيارية، من غير الذبح الشرعي، حرمه الله تعالى؛ لأنَّه مصدرٌ للأمراض والقاذورات والدم، وقد بينت آية أخرى أنَّه الدّم المسفوح، ولحم الخنزير؛ لأنَّه رجس، وقد بيَّن العلم الحديث بعض مظاهر هذا الرجس من بعض الديدان التي لا تعمل فيها النظافة ولا غيرها، وإذا كان أربعة عشر قرنًا بينت لنا بعض ما في هذا الحيوان القذر، فلا يدري الإنسان ماذا سيكون في الغد، وعلى المؤمن أن يعلن سمعنا وأطعنا، سواءً تبيَّن له هذا الرجس ما هو، أم لم يتبيَّن له؛ لأنَّ الله لا يُحرِّم إلاَّ طيبًا، ولا يُحرِّم إلاَّ خبيثًا في هذا الدين، {وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ}، وما ذُبح على اسم غير الله، والله سبحانه وتعالى إنَّما يريد أن تُذبح الذبائح باسمه، {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ}[الأنعام:118]، هذه الحيوانات مخلوقات خلقها لله عزَّ وجلَّ، وهي حيوانات محترمة، فلا يجوز لإنسان أن يذبحها إلاَّ باسم الله، كأنَّه حين يقول: باسم الله والله أكبر، كأنَّه يقول: إنَّ عندي إذنًا وترخيصًا من الله تعالى بإزهاق هذه الروح، أمَّا ألاَّ يذكر اسم الله عليها قط، أو يذكر اسم غير الله، كما كان يفعل المشركون الذين يذبحون على النصب، ويذكرون اسم الأصنام على ذبائحهم، فهذا محرم، {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ}،
الضرورات تبيح المحظورات
ومع هذا فإنّ الله تعالى رءوف بعباده ورحيم، فقد جعل للضرورات أحكامها {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}، اضطر في مخمصة، في مجاعة، كان في صحراء ولم يجد أمامه إلا هذه المحرمات، أيُترك لأنياب الموت تفترسه؟ لا، إنَّ هذا الإسلام دين واقعي، إنَّه يرعى حالات الضرورة فيُشرِّع لها، فمن اضطر غير باغٍ على غيره، ولا عادٍ غير متجاوز قدر الضرورة، أو غير معتدٍ على أحد من الناس، فلا إثم عليه إذا أكل من هذه المحرَّمات، على ألاَّ يسترسل في هذه الضرورة، ولهذا قال العلماء حينما أخذوا من هذه الآية وأمثالها في القرآن: أنَّ الضرورات تبيح المحظورات، قيَّدوها بمبدأ آخر حال «الضرورة يقدر بقدرها»، {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، ومن مغفرته ورحمته بعباده أنَّه سهَّل لهم في تناول هذه المطعومات المحظورة في الأصل.
عاقبة كتمان آيات الله واستبدالها بالمتاع الأدنى
ثم بيَّن الله سبحانه وتعالى أمرًا آخر، أمر الذين يكتمون ما أنزل الله سبحانه وتعالى من الكتاب: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ}، شأن أهل الكتاب وشأن اليهود الذين كتموا ما عندهم من صفة النبي محمد صلَّى الله عليه وسلَّم، وكتموا ما عندهم من بعض الأحكام وأخفوها، وحرَّفوا وبدَّلوا، مع أنَّ الواجب أن يُظهروا أحكام الله ولا يكتموها، إنَّ الله سبحانه وتعالى لا يريد لأحكامه أن تُخفى، ولا أن تُستر عن الناس، وأن يموه عليها بغطاء من التلبيس، {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}، مصالح خاصة، منافع دنيوية عاجلة، لا تساوي شيئًا بجانب رضا الله تعالى ومثوبته، هذا هو الثمن القليل، دنيا رخيصة، الدنيا كلُّها في نظر القرآن ثمنٌ قليل، {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ}[النساء:77].
{أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ}، وإذا كان هذا قد نزل في شأن اليهود وأمثالهم من أهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم الميثاق ليبيِّنُّنَّه للنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}، هذا إذا كان قد نزل في شأن هؤلاء، فإنَّه يجرُّ في ذيله كل من كان من المسلمين من علمائهم وكتم ما أنزل الله من الهدى والحق ولم يبيِّن، إنَّ العالم يجب عليه أن يبيِّن حكم الله ولا يكتمه ولا يُخفيه أبدًا، لا خوفًا ولا طمعًا، فالدنيا كلُّها لا تزن عند الله جناح بعوضة، الدنيا ثمن قليل، متاع قليل، من فعل ذلك فإنَّما يأكلون في بطونهم النار، كأنَّما عجلت لهم النار في الدنيا، هم يأكلونها، كأنَّما قُذفت في وجوههم قذفًا، {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ}، وهم يظنون أنَّهم يكسبون الأموال، ويجمعون الثروات، وفي الحقيقة أنَّهم يكسبون النار {مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ}.
{وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، لا يكلمهم الله يوم القيامة كلام محبة أو تقدير، قد يكلمهم كلام إهانة {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}[المؤمنون:108]، لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم نظر رحمة ولا نظر عناية ورعاية، إذا نظر إليهم فهو نظر المقت، إنَّ الله لا يبالي بهم، إنَّهم في موضع المقت من الله عزَّ وجلّ، موضع الإهمال، {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ}، إذا كان قد وقع منهم الكتمان فإنَّ الله تعالى لا يكلمهم، وإذا كانوا باعوا الآخرة بثمن قليل، فإنّ الله سبحانه وتعالى ادخر لهم عذبًا أليمًا {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ}، باعوا باقيًا بفانٍ! باعوا الشيء العظيم بالشيء الحقير! اشتروا الضلالة بالهدى، دفعوا الهدى وأخذوا الضلالة، ودفعوا المغفرة وأخذوا العذاب، {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}، ما أصبرهم على النار، ما أصبرهم على عذاب الجبَّار {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}، هم في شقاق مع فطرهم، هم في شقاق مع أنفسهم، في شقاق مع بعضهم، نسأل الله العافية. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.