سعدي الشيرازي.. شاعر الإنسانية

alarab
ثقافة وفنون 05 مايو 2012 , 12:00ص
علي إمام زاده *
دور الأدب في حياة الشعوب ذو أهمية بالغة.. فهو يحافظ على الذوق البشري من الانتكاس، وعلى المعنويات الإنسانية من الارتكاس. الجماعة الإنسانية حيّة بما تمتلكه من مقوّمات الحياة. وأهمّ هذه المقومات الذوق الإنساني والمشاعر الإنسانية، وإذا ضعفت هذه المقومات دبّ الموت في حياة الجماعة، وفقدت دورها على ساحة التاريخ. ويتعاظُم دور الأديب ويسمو ويتعالى حين يعيش بين ظهراني أمة تكالبت عليها عوامل الموت والإبادة، لتحوّلها من أمة متحركة على طريق المستقبل الأفضل إلى مجموعة من الأفراد الذين يعيش كل منهم همومه الخاصة الصغيرة، وليتحرك على طريق أطماعه وأهوائه وأحقاده وحسده وضغينته، عندئذ تتحول هذه الأمة إلى شبح أمة وتفقد هويتها ومقومات حياتها ولا سبيل أمامها عندئذ إلا الفناء. لاشك أن الأمة الإسلامية حيّة بقرآنها، لأنه الكتاب الذي يستطيع أن يضخّ في جسدها دائماً مقوّمات الحياة، ويحافظ على مستوى رفيع من ذوقها ومشاعرها الإنسانية، بما يحمله من إعجاز أدبي ومحتوى تغييري. لكنّ الظروف السيئة إذا تكالبت على الفرد أو على الأمة تخلق على القلوب حجاباً وتضرب على الآذان أسدالاً ووقراً، وتجعل بين الإنسان والخطاب القرآني حجاباً، وهنا يأتي دور المصلحين ليزيلوا هذه العوامل العازلة من وقر وحجاب، وليفتحوا قلوب الناس وآذانهم لتتلقى نداء الروح ولتصغى إلى كلام السماء. وأفضل وسيلة يستطيع أن يمارسها المصلح لتحقيق الهدف هو «الأدب» لأنه الخطاب الذي يحمل من نور الجمال ما يستطيع أن يشقّ به ظلمات كل قبح تسقط البشرية في أوحاله. وشاعرنا «سعدي الشيرازي» من أولئك المصلحين الذين عاشوا في أحلك الظروف الاجتماعية حيث ادلهمّت خطوب الجهل الداخلي والغزو الخارجي في القرن السابع الهجري لتمزّق وجود الأمة، فحمل قيثارة أدبه وظل يعزف عليها في أرجاء العالم الإسلامي، ليكون له الدور الخالد في مخاطبة جيله وكل الأجيال بلغة تنفذ إلى القلب والروح فتوقظ المشاعر الإنسانية من سباتها، وترفع الإنسانية إلى حيث أراد لها بارئها من عزّة وكرامة. وسعدي رجل ظهر في القرن السابع الهجري (ولد سنة 606 ه) بمدينة شيراز من بلاد فارس. يتحدث بلغة تستولي على العقول والقلوب بنثرها وشعرها. وجد الناس فيه ضالتهم التي تنشدها فطرتهم الإنسانية. في وقت تكالبت فيه الظروف المتردية على العالم الإسلامي تؤدي إلى هجوم المغول وسقوط الخلافة العباسية. وما كان هجوم المغول إلا بعد أن توفرت في المسلمين قابلية الغزو. فقد تفشت أمراض النزاعات الداخلية والجهل. وأدى كل ذلك إلى غياب الأهداف الكبرى والمثل العليا في المجتمع. وما ينجم عن ذلك عادة من حرص وطمع وذل واختلال واضمحلال في القيم. بدأ شرف الدين مصلح بن عبدالله سعدي الشيرازي أول حركته في انتقاله من الطريقة التقليدية السائدة في عصره لتعلم الدين إلى طريقة العاشقين في فهم الدين والحياة والمجتمع. والعاشق له معناه الكبير لدى العارفين. فهو المتحرك الذي لا يقر له قرار. يشده الجمال نحو هدف سام كبير، ويجعله مستعدا لتقديم ألوان التضحيات في سبيل هذا الهدف. يشير إلى هذا الانتقال بقوله: كل أفراد قبيلتي كانوا معلمين في الدين / ومعلم العشق علمك أن تنشد الشعر هذا التحول أثر على خطاب الشاعر، فقد أصبح إنسانيا جماليا عميقا. كما دفعه هذا التحول إلى الخروج من دائرة بيئته الضيقة ليسوح في العالم الإسلامي. ويتعرف على مختلف الثقافات في العالم العربي وآسيا الوسطى وشرق آسيا. ليعود محملا ومفعما بتجارب إنسانية واسعة خلدها في نثره وشعره. وتشمل كليات سعدي: (گلستان) أو روضة الورد. ويضم مجموعة من ذكريات الشاعر وقصصه ومواعظه. وهي مزيجة من النثر والشعر. وكتاب (بوستان) أو روضة العطر. ويتضمن حكايات منظومة وقصائد في المديح. وكتاب (غزليات) ويتضمن الطيبات والبدائع والخواتيم والغزليات القديمة والترجيعات والملحقات والرباعيات. وكتاب (الموعظة) وفيه القصائد الفارسية والعربية والغزل العرفاني ونصيحة الملوك والمجالس والمنتديات. أعلنت منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة يوم الحادي والعشرين من أبريل كل عام يوما عالميا لتكريم الشاعر الإنساني سعدي الشيرازي. هذا الاحتفال يأتي تقديرا لدور الشاعر وقصائده التي عززت أواصر المودة والإخاء بين إيران والعالم، ولاسيَّما بين إيران والعرب وإن عشقه للإنسان والإنسانية منحه هذه المكانة على الصعيد العالمي. إن سعدي يعتبر رمز التواصل بين الحضارات وهو ابن شيراز التي أنجبت العشرات من فطاحل الشعراء والمبدعين فهو لم يكن شاعر إيران وحدها بل شاعر الإنسانية جمعاء؛ وأكبر دليل على ذلك اختيار منظمة الأمم المتحدة أبياتا من شعره لتضعها على ناصية مبناها في نيويورك استشعارا بقيمة هذا الشاعر العظيم الذي كتب شعره باللغتين العربية والفارسية وهي مستلهمة من الحديث النبوي الشريف «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» فنظم معنى هذا الحديث بالفارسية بأبيات رائعة ترجمتها بالعربية: بنو آدم جسد واحد / إلى عنصر واحد عائد إذا مس عضواً أليم السقام / فسائر أعضائه لا تنام إذا أنت للناس لم تألم / فكيف تسميت بالآدمي إنه أبومحمد شرف الدين سعدي الشيرازي، ويسميه الإيرانيون ملك الكلام وأفصح المتكلمين حيث يعتبر بعد الفردوسي وأنوري ثالث فطاحل اللغة الفارسية. * المستشار الثقافي بالسفارة الإيرانية بالدوحة