

قال فضيلة الشيخ د. محمد حسن المريخي خلال خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه واشكروه وراقبوه، واحمدوه على العافية في الدين والأبدان والبلدان والأرزاق، احمدوا الله على نعمة ظهور الدين، ووضوح العقيدة، ورسوخ الإيمان، احمدوه على الرحمة واليقين، كبت عدوكم، وبسط رزقكم، وأحسن معافاتكم وجمع فرقتكم وبلغكم شهر رمضان، ويسر لكم صيامه وقيامه، وألهمكم الدعاء، أقيموا دين الله قولا وعملا، أسبغ عليكم النعم، وأسدى إليكم المنن، احمدوه على نعمة الأمن والأمان، وعلى تأمينكم، أطعمكم من جوع، وآمنكم من خوف.
وأضاف الخطيب: أيها المسلمون الوداع في كثير من أحيانه مؤلم والفراق موجع، ووداع الأحبة، ومفارقة الغالين شديد على النفس، وهذا للوداع عموما، فكيف إذا كان الوداع وداعا لضيف ربنا وخالقنا منه الصالحات أعمالنا شهر الله الفضيل، وداع رمضان وداع مؤلم، وفراقه فراق، يوجع القلب عند الصادقين المخلصين من المؤمنين، لكن عزاءنا أنه سيحمل أعمالنا الصالحة بإذن الله ليودعها عند ربنا جل وعلا ليوفينا إياها، ونحمده سبحانه على تفضله، وهو شفيعنا بين يدي ربنا عز وجل، شهر رمضان والصيام، شفعاء لنا بين يدي ربنا عز وجل، يا رب منعته الطعام والشراب والشهوة في النهار فشفعني فيه، فيشفع بإذن الله، وتقبل شفاعته، عزاؤنا في فراق شهرنا، ويصبرنا ويسلينا، ويؤنس وحشتنا، عزاؤنا ما كان يحمل لنا من بشارات ربنا بمغفرة ذنوبنا، ورحمة ربنا أن من صام وقام رمضان إيمانا واحتسابا، عزاؤنا عباد الله أن صيامنا جنة وسترة من النار بإذن الله وسقيا وإرواء من العطش يوم القيامة، "ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا كلما اقترب من حوض منع وطرد فجاءه صيام رمضان، فأسقاه وأرواه" وصدقتنا ظلال تظللنا يوم لا ظل إلا ظله، تظللنا بإذن ربنا "ورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النار وشررها فجاءته صدقته فصارت سترا بينه وبين النار وظلا على رأسه". عزاؤنا عباد الله ما أودعناه من العمل بإذن الله ما أودعناه من العمل الصالح والأمل واليقين بما وعد الله سبحانه وتعالى عباده الموحدين.
وأردف: أيها المسلمون جمعتكم هذه هي آخر جمعة في شهركم المبارك، وإن شهركم قد استعد للرحيل والمغادرة، وقد ذهبت أيامه ورحلت لياليه، قد مضى كله إلا قليلا، بقيت منه ثلاث ليال أو أربع، وهي بالأهمية بمكان فهي من العشر الأواخر المباركات فيها ليلة القدر، وليلة القدر المتنقلة في العشر كلها، لا تعلم ليلتها، فلا ترخو حبال السواعد، ولا تفتروا عباد الله في المجاهدة، والمصابرة، اغتنموا الفرصة قبل أن يغلق الباب، وإن ساعاته تمر مر السحاب، بادر الأوقات بما أمكنكم، واشكروا الله على أن أخركم إلى هذه الخواتيم من الشهر، ترقبوا ليلة القدر فيما بقي من الليالي والأوقات، فإنكم في الليالي البواقي من الشهر، يقول صلى الله عليه وسلم " التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن على السبعة البواقي". رواه مسلم. والخمس البواقي، والتسع البواقي من شهر رمضان، ألا يا عباد الله، وإن من فضل الله على الأمة أن رتب سبحانه أجر ليلة القدر لمن قامها يصلي فيها، وليس لمن رآها، ولو اشترط رؤيتها. لتعسر الحال على الناس، ولكن الله ذو فضل على المؤمنين، يقول صلى الله عليه وسلم "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، وجدير عباد الله جدير لمن وفقه الله تعالى وأنعم عليه بالإيمان أن يستغل ما تبقى من الشهر بالصلاة والصيام الشرعي والذكر والدعاء وقراءة القرآن والحرص على الطاعة ابتغاء وجه ربه طمعا في الجنة، ورهبة من العذاب والنار خوفا من عذاب الله، واستغلال ما تبقى من أيام الشهر للإصلاح الشامل، وتعديل الفكر، واستقامة الثقافة وتقديم دين الله تعالى الحنيف، فوالله إن في النفوس عباد الله وعند الناس، وفي البلدان والدنيا من الضيق والكدر، ما لا يزيله، ولا يطرده إلا الوقوف بين يدي الله تعالى، وخاصة في هذه الليالي المتبقيات من الشهر الفضيل.
وذكر الشيخ محمد المريخي أن الله تعالى قد شرع لكم في ختام الشهر زكاة الفطر، وهي واجبة بالإجماع على القادر عن نفسه، وعمن يعول، كما أنها وجه مشرق في محاسن هذا الدين العظيم، حيث العيد يا عباد الله للغني والفقير، والواجد والمعدم، وحتى يكون عيدا، فلا بد أن يفرح الجميع، ويسن إخراجها عن الحمل ولا يجب، ووقتها من قبل العيد بيوم أو يومين، إلى ما قبل صلاة العيد. ويجب الحرص على أدائها وإيصالها لمستحقيها من الفقراء والمساكين، ومقدارها صاع من تمر أو صاع من شعير، أو صاع من غالب قوت البلد كالتمر والأرز، وتخرج في بلد الصائم، ويجوز نقلها لبلد أهله إن كانوا أكثر حاجة، يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر، والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة" أي صلاة العيد. رواه البخاري.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما، "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي الصدقة من الصدقات". رواه أبو داوود وغيره. ولفت الخطيب أنه مما شرع الله تعالى وسن رسوله صلى الله عليه وسلم صلاة العيد يوم العيد، أدوها مع المسلمين واصطحبوا لها الرجال والأولاد والنساء، فهي شعيرة ظاهرة من شعائر المسلمين، وهي شكر لله واعتراف بفضله، شكر على كمال العدة وتمام المنة، تقول أم عطية الأنصارية رضي الله عنها أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج في العيدين العواتق، وذوات الخدور، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين ليشهدن دعوة المسلمين، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته، كما شرع الله تعالى التكبير من غروب شمس آخر يوم من الشهر ليلة العيد، حتى يدخل الخطيب في خطبته، يكبر المسلمون ربهم عز وجل، "ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون". فعيد المسلمين الذين صاموا وقاموا. فهو أول فرحتيهم للصائم، فرحتان، فرحة يوم فطره، وفرحة يوم لقاء ربه، فأعياد المسلمين تتميز عن أعياد الجاهليين، تتميز عن أعياد الجاهلية والجاهلين والجاهليين بأنها قربة وطاعة لله، وفيها تعظيم لله، وذكر الله بالتكبير، وحضور الصلاة في جماعة، وتوزيع زكاة الفطر، وإظهار الفرح والسرور على نعمة الدين، وتمام الصيام، يبتهج المسلمون عباد الله بعيدهم، ويشكرون ربهم على التمام، ويسألونه القبول وحسن الختام، فالعيد عباد الله، هبة الله تعالى لعباده الصائمين المؤمنين، ليفرحوا ويوسعوا على أنفسهم وأهليهم، فشمروا رحمكم الله عن سواعد الجد فيما بقي من الشهر، فإن ضيفكم عجول، استدركوا ما فات، واجبروا تقصيركم، أطيلوا سجودكم، وزيدوا في نوافلكم، وألجوا بدعواتكم، واجعلوا من رمضان والقرآن والطاعة والعبادة حياة لقلوبكم، فالعبرة بالخواتيم، فلا ييأسن مقصر، ولا يقنطن مستكثر الذنوب، فرحمة الله واسعة، وهو يغفر الذنوب جميعا. "يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي"، يقول ابن الجوزي رحمه الله إن الخيل إذا شارفت نهاية المضمار بذلت قصارى جهدها لتفوز بالسباق، فلا تكن الخيل أفطن من عبد الله المسلم. فإنما الأعمال بالنيات، ولعل من لم يحسن الاستقبال يحسن الوداع، ويفوز بالختام. تختم الشهر عباد الله بالاعتذار إلى ربكم، عن التقصير والضعف، اعتذروا عما بدر ووقع، واستغفروه، إنه كان غفارا.
وحث الشيخ المريخي المسلمين قائلا: اجعلوا عيدكم فرحا وسرورا، وأدخلوا الفرح والسرور على أنفسكم وأهليكم، والناس، ولا تجعلوا العيد حزنا وبؤسا واستمرارا للخلافات، ودواما للقطيعات، ومواصلة للبغضاء والمشاحنات، فإن الفرح والسرور حياة طيبة، وبناء حسي ومعنوي، وآمال وحب وسعادة، اجعلوا العيد عباد الله مناسبة للإصلاح والتسامح والعفو وإعادة الصلات والمودات، ولقاء الإخوان والأخوات والأرحام، وترك الماضي، وهجر الخلافات، والتنازل عن الأخطاء ابتغاء مرضاة الله. وطرد الشيطان، ومعصية النفس الأمارة بالسوء، اجعلوا العيد عباد الله نقطة تحول حقيقية من الشر إلى الخير. ومن الهدم إلى البناء، ومن الإعراض إلى الإقبال، بدلوا السيئة، والمنحرف، والمعوج، والفاسد، والطالح، والمغشوش، تصالحوا مع الله تعالى، تصالحوا مع الله لعلكم ترحمون. واشكروا الله على النعم وراقبوا المنن ولا تغفلوا عباد الله عن العابثين والغافلين والمقرضين والمعرضين عن الدين، اتقوا فتنتهم وعبثيتهم، "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"، فإن الله أوحى إلى جبريل، أن اقلب مدينة كذا وكذا، قال إن فيها عبدك الصالح، قال به فابدأ، قال به فابدأ، فإن وجهه لم يتمعر فيّ قط، راقبوا الله تعالى في نعمه ومننه، مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، فشيء جميل عباد الله أن يظهر العيد ببهجته وفرحته، وسروره على محيا الناس، وتسطع فرحته في جبينهم، وتطيب بطيبة العيد النفوس، وتطمئن القلوب، وتفرح وتنشرح الصدور، وأكثروا عباد الله من هذا أن تظهر في العيد الرحمة والمودة، وتطيب الخواطر، والرأفة بالضعفاء، والأرامل، والمساكين والأيتام، ومن ابتلاهم الله تعالى بأي حال أو ضعف، من فقد عزيز أن يواسيه إخوانه ويطمئنوه، وألا ينسى المصابون والمظلومون والمعتدى عليهم من إخوانكم المسلمين، ففي فلسطين العزيزة يذبح المسلمون، وتدمر بيوتهم على رؤوسهم من قبل العدو الحاقد الظالم المتسلط، وفي غير فلسطين في العالم العربي والإسلامي، فلا تنسوهم في العيد. رحمكم الله لا تنسوهم بدعوة أو مواساة أو مساعدة أو وقفة معهم لله عز وجل، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وأتم علينا وعليكم النعمة.