احتفالات يغلفها مزيج من الثقافات العريقة.. «أمة قوس قزح» تحتفل بالشهر الفضيل بالتنوع والتعايش

alarab
الملاحق 05 مارس 2025 , 01:25ص
هشام يس

المسلمون بجنوب أفريقيا يتميزون بتنوع كبير ينعكس في طقوسهم الرمضانية
«عيد فيست» أكبر المعارض الرمضانية في أفريقيا ويجذب آلاف الزوار
حضور بارز للمنتجات التركية.. وتزيين المساجد والشوارع بالأضواء والزخارف
محاضرات يومية وبثها عبر الإنترنت لتصل إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور

 

تتعدد الثقافات وتتنوع العادات والطقوس بين الشعوب، لكن لشهر رمضان رونقه وطابعه الخاص في كل دولة حول العالم. وفي جنوب أفريقيا، أو «أمة قوس قزح» كما يُطلق عليها، تكتسب الطقوس الرمضانية نكهة مميزة تمتزج فيها التنوع الثقافي بروح التعايش السلمي التي تتمتع بها هذه الدولة.

ورغم أن عدد المسلمين لا يتجاوز حوالي 2% من إجمالي 60 مليون نسمة، فإن المسلمين في هذا البلد يتميزون بتنوع كبير يظهر جليًا في احتفالاتهم الرمضانية.
وينقسم المسلمون في جنوب أفريقيا إلى ثلاث مجموعات رئيسية: الأولى «الإندونيسيون/الماليزيون» الذين جلبوا معهم تقاليد جنوب شرق آسيا، والثانية الهنود الذين أثروا في الطعام والعادات بثقافتهم الغنية، والثالثة السكان الأصليون الذين يضفون لمسات محلية متميزة على احتفالات الشهر الفضيل.
 وما يثير الانتباه هو هذا المزيج الفريد من الثقافات، حيث تحرص كل مجموعة على الاحتفاظ بتقاليدها مع وجود روح مشتركة تجمع الجميع.
ورغم قلة عددهم، أصبح المسلمون من الشرائح النشطة اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا، وهو ما يتجلى في تفاعلهم مع رمضان.

الاستعداد لرمضان
ويستعد الناس في جنوب أفريقيا لاستقبال الشهر الفضيل بالعديد من الفعاليات والطقوس. وفي السنوات الأخيرة، شملت الاستعدادات فعاليات مثل معرض «عيد فيست» في جوهانسبرغ، وهو أحد أكبر المعارض الرمضانية في افريقيا. فقد جذبت النسخة الأخيرة منه حوالي 20 ألف زائر على مدار أيام قليلة، ويتضمن المعرض تسوقًا للأطعمة والملابس مع حضور بارز للمنتجات التركية. كما تُزين المساجد والشوارع بالأضواء والزخارف استعدادًا لاستقبال الشهر الكريم.
وتستمر فترة الصيام في كيب تاون ما بين 11.5 و12 ساعة يوميًا، وهي أقل مقارنة بدول نصف الكرة الشمالي.
ويحرص السكان على أداء الفريضة بإيمان وحماس رغم ارتفاع الحرارة أحيانًا، معتبرين رمضان شهرًا للطاعة والعبادة. وينقطع الكثيرون عن الملهيات للتركيز على قراءة القرآن الكريم والتأمل والتقرب إلى الله. كما تُعقد محاضرات يومية في المساجد، خاصة في العشر الأواخر، تتناول فضائل رمضان وأهمية ليلة القدر، وتُبث بعض هذه الدروس عبر الإنترنت لتصل إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور.

التكافل الاجتماعي
تُعد موائد الإفطار الجماعية في كيب تاون من أبرز التقاليد التي يحرص عليها المسلمون في هذا البلد الافريقي المتميز. وتجتمع الأسر لإعداد الطعام ومشاركته مع المسلمين وغير المسلمين على موائد كبيرة، تعكس روح الكرم والتضامن.
أما صلاة التراويح فتُقام في حوالي 500 مسجد في البلاد، ويشارك فيها الرجال والنساء مع تخصيص أماكن للنساء في بعض المساجد.
ويبدأ اليوم بوجبة السحور، ويفضل الكثيرون تناول أطعمة خفيفة مثل التمر والخبز والشاي. وفي بعض المناطق، يُضاف «بوبوتي» (طبق تقليدي من اللحم المفروم والتوابل) كوجبة مشبعة.
وبالنسبة للإفطار فيبدأ عادةً بالتمر والماء اقتداءً بالسنة النبوية، ثم تتبعه وجبات متنوعة. ففي كيب تاون، تشتهر «أكيني» (حساء العدس) كطبق رئيسي، بينما في جوهانسبرغ قد تجد «دال» (حساء العدس الهندي) مع خبز «نان».
ويحرص المسلمون في جنوب أفريقيا على التوازن بين العمل والعبادة، مع التأكيد على أداء الصلوات في أوقاتها، وقد يقللون من ساعات العمل إن أمكن للتركيز على القرآن والتراويح.
وتبرز منظمات مثل «لجنة مسلمي أفريقيا» و»هلال الرجاء» في توزيع المساعدات الإنسانية للفقراء بغض النظر عن دينهم، مما يعزز فكرة رمضان كشهر للخير. ومن الطقوس المميزة زيارة قبور الموتى والدعاء لهم كنوع من التذكر والعظة.
أما أنواع الطعام في جنوب أفريقيا خلال رمضان فتتأثر بالتنوع الثقافي، فتشمل نكهات ماليزية مثل «الحريرة»، وهندية مثل «السمبوسة» والتوابل الحارة. ويفضل البعض تناول وجبات خفيفة عند الإفطار، مع تأجيل الأطباق الثقيلة لما بعد التراويح.

مدن وجاليات
وتُعد كيب تاون مركز الثقل الثقافي للمسلمين في جنوب أفريقيا، حيث يتركز أكبر تجمع لهم في منطقة «بو كاب». ويتحول هذا الحي التاريخي خلال رمضان إلى مركز نابض بالحياة، مع تزيين المنازل الملونة بالأنوار والأعلام. وغالبًا ما يكون السكان من أصول ماليزية وإندونيسية، ويحافظون على طقوس مثل إعداد «سالومي» (طبق حلو من التوابل والحليب) للإفطار.
أما جوهانسبرغ، فباعتبارها مدينة تجارية كبيرة، تضم عددًا كبيرًا من المسلمين من أصول هندية وباكستانية. وتكثر فيها الأسواق الرمضانية الليلية، ويتبادل الناس أطباقًا مثل «البرياني» و»الكباب»، وتنتشر دعوات الإفطار في أحياء مثل «فوردسبورغ». وفي ديربان، توجد أكبر جالية هندية مسلمة، وتتميز بمأكولات حارة مثل «سمبوسة الكاري» و»روتي» مع الشوربات. وبسبب المناخ الدافئ، يشيع الإفطار في الهواء الطلق.
ومع اقتراب عيد الفطر، يخرج الأطفال لطرق أبواب الجيران طالبين الكعك والحلويات، ثم يكملون اللعب في الشوارع في طقس يعكس البهجة والفرح.