

الوالد خالد الكعبي: كنت أدرك بإحساس الأب أن ابني سيفوز بجائزة التميّز
الأم نور الحمادي: أولادي أهم مشروع في حياتي.. وتخليت عن «حلم الطبيبة» لأتفرغ لهم
محمد: أحبّ المطالعة وقصّ القصص.. وأحلم بأن أكمل مشوار والدتي في التدريس
ليست عائلة عادية، فهي لا تستعمل العقاب في تربيتها، فالثواب والتحذير يكفيان مع أطفال تمت تنشئتهم على الأخلاق والدين وحفظ القرآن.
إننا إزاء أم وهبت وقتها وطاقتها لتربية أبنائها، وأب لم يبخل لا بالماديات ولا بالمعنويات على أسرته.
عائلة خالد حمد الكعبي تشجع الأبناء على العلم والمسؤولية، يربي الوالد خالد أبناءه الستة على الثقة المطلقة واحترام الرأي والتشجيع والمتابعة الدائمة.
والأبناء هم حمد «طالب جامعي»، عبد الله «حصل على جائزة التميّز مرتين، ومن الأوائل في الثانوية العامة»، محمد، راشد، ناصر، سريع، وابنته الوحيدة سلمى «طالبة جامعية».
لقاؤنا مع عائلة خالد الكعبي كان ودياً لدرجة أنك تحسّ في بيتهم بالألفة، وكأنك تعرفهم من زمن طويل، فترحيب الأم والأب والأبناء وابتساماتهم التي لا تفارقهم، وتلقائيتهم تعطيك انطباعاً عن مدى السلام الذي تعيشه هذه العائلة.
يقول الوالد خالد: لم تكن تربية الأولاد سهلة، واحتاجت بعد توفيق الله كثيراً من الصبر والمتابعة والسهر، لكن كنت دائماً واثقاً من تفوق أبنائي خصوصاً عبد الله، حتى إنني كنت واثقاً من حصوله على بلاتينية جائزة التميّز قبل أن يتم الإعلان عنها، فأنا أثق في إمكانياته وإصراره على النجاح، جميع أولادي متفوقون في دراستهم، لكن عبد الله كان دوماً أكثرهم تفوقاً وبحثاً عن التميّز.
وأضاف: كان تميّز أبنائي دائماً هو هدفي وغايتي وحلمي ورجائي، لكنني كنت مع ذلك وحتى قبل أن يدخلوا امتحاناتهم أقول لهم: إن الفوز غايتكم لكن الخسارة واردة والإخفاق ممكن، والخطأ صفة بشرية، خصوصاً بالنسبة لعبد الله الذي كنت أرى في عينيه الإصرار على النجاح، فكنت أخاف عليه من صدمات الإخفاق، فبالنسبة لي أهم شيء هو الاجتهاد والإخلاص، والتوفيق أكيد سيكون نتيجة حتمية لكل مخلص مجتهد، أزرع فيهم قيمة الصدق، وأقول لهم إنه من غش وبنى علمه وشهادته على غشّ فقد أصبح كل مستقبله وحياته حراماً، والآن الحمد لله أولادي الكبار يشاركونني في تربية إخوتهم الصغار.

الأم المربية والموجّهة
نور الحمادي زوجة خالد وأم أولاده، والتي كان لنا معها حديث مطوّل ومتشعب حول طرق التربية الناجعة، وحول التعليم والاختلافات بين الأجيال، يمكن أن يطلق عليها «أم خارقة»، فهي المربية في البيت لستة أولاد وبنت، والموجهة التربوية التي تشرف وتوجّه وتعلّم.
تبدأ مشوارها التربوي مع أولادها بتعليمهم القرآن الكريم وتحفيظهم ما تيسر من سوره، إيماناً منها بأن من يحفظ القرآن يحفظه الرحمن، ولأنها تدرك تماماً بما أنها موجهة اللغة العربية، أن الحصيلة اللغوية لحافظ القرآن الكريم تزيد في توسعة مداركه، تقول نور: مشواري في تربية أبنائي ما زال طويلاً، فأولادي ليسوا كباراً لكنني وبتوفيق من الله استطعت أن أرسم لأصغرهم طريق النجاح، ليمشوا عليه وفق ما مشى عليه إخوتهم الأكبر، حمد متفوق ويدرس بكلية الشرطة، وابنتي سلمى تدرس في الجامعة، وعبد الله الذي يدرس في كلية الطب حقق العديد من النجاحات.
كان وما زال شغل نور الشاغل مع زوجها وأساس أحاديثهما كيفية تربية أبنائهما وفق ما يريانه مناسباً، عن ذلك تقول: أقوم بتدريس أبنائي بنفسي، وأشجعهم على النشاطات الثقافية والرياضية وأرافقهم من أجل القيام بها، ليس الأمر سهلاً خصوصاً مع سبعة أطفال ستة منهم ذكور بكل ما يتمتعون به من شقاوة وعناد وعدم امتثال في بعض الأحيان، فالأولاد أحياناً يستغلون غياب الرقيب لتمضية الوقت في اللعب، وهو ما كان يضطرني إلى السهر على مذاكرتهم، لكن كل ذلك يهون عندما تجد أحلامهم تتحقق، وتجدهم يحرزون أفضل النتائج.
زواج أثناء الدراسة
تؤمن نور بأن النجاح في تربية الأبناء أساسه الاهتمام بهم وقضاء الوقت الإيجابي والفعّال معهم، وتؤكد أن أبناءها كانت لديهم القدرات العلمية الكافية، وأنها ووالدهم غرسا فيهم قيم الطموح، معتبرة أن هذا «دور الأسرة التي يجب أن توصل لهم فكرة أن التعليم ليس لمجرد الحصول على درجات عالية»، وإنما هو مستقبل كامل بكل تفاصيله.
إلى ذلك تضيف نور: تزوجت وكنت طالبة في الجامعة، تخليت عن حلمي في أن أصبح طبيبة ودرست الأدب العربي لأتمكن من التفرغ لأبنائي، خصوصاً أن أعمارهم متقاربة، فقد أنجبتهم تباعاً، وما زلت أذكر عندما كنت أذهب إلى العمل في المدرسة وأسمع الثناء عليهم والإشادة بتربيتهم وانضباطهم، كان ذلك بالنسبة لي يمثل قمة السعادة، فأولادي كانوا وما زالوا أهم مشروع بالنسبة لي، هم محور حياتي بل هم حياتي كلها، كان والدهم يقسم وقته بين وظيفته وأعماله الخاصة ومسؤولياته، أما أنا حتى عندما أكون في عملي عيني كانت عليهم، كنت حريصة على تربيتهم على الإحساس بقيمة كل شيء في حياتهم، وأن يقدّروا النعم التي أنعمها الله عليهم، لم أربّهم على الترف، أردتهم أطفالاً مسؤولين، وأخذت قراراً بأن أحفّظ أبنائي القرآن منذ بلوغهم سن الرابعة، فالقرآن سبب في التوفيق والهداية، كما أنني أشجعهم على الانفتاح على الآخر وتقبله، فأصدقاؤهم من جميع الجنسيات، خصوصاً مختلفي الأعراق.
تضيف: أردت أن يكون أبنائي متحدثين مختلفين أشداء مقدامين على الحق، أعلمهم دوماً أن أوقات الشدة تصنع الرجال، والرجال يصنعون أوقات الرخاء، وأوقات الرخاء تصنع التخاذل، أعلم أبنائي أن عليهم أن يخدموا أنفسهم بأنفسهم وألا يكونوا اتكاليين، يصلحون سياراتهم وكذلك إذا ما استطاعوا أن يقوموا ببعض الأعمال التي تنمي فيهم روح المسؤولية، فابني الأوسط مثلاً لديه مشتل في مزرعتنا يشرف عليه بنفسه، يقوم بزراعة بعض الخضار والفواكه بمساعدة إخوته، وعبد الله إلى مرحلة الصف الثالث الثانوي لم يحتج يوماً إلى مساعدة مدرس خصوصي، لا هو ولا إخوته حمد وسلمى، أردت أن أعلّمهم المثابرة والاجتهاد، وألا أعوّدهم على المدرسين الخصوصيين رغم أن إمكانياتنا كانت تسمح، أعلّمهم أنه عندما تتعطل سيارتك عليك أن تذهب بنفسك لتصليحها، أسمح لهم بالسفر لأغراض تطوعية ورحلات مدرسية رغم أنني أقلق عليهم فإنني أسمح بذلك لكي يتعلموا الاعتماد على النفس.

اختلاف الأجيال
تدرك نور أن الأجيال تختلف عن بعضها البعض، وأن ما صلح لزمانها لا يصلح مع أبنائها، وهي تتعامل معهم على هذا الأساس، وهنا تقول: كنا نعيش في مجتمع محافظ مليء بالمسلمات، نطبق الأوامر ولا نناقش، لكن جيل أبنائنا يناقش ويسأل ويجادل، ولا يطبق قبل أن يقتنع، لذا فإن مخاطبة عقولهم هي الأهم في إيصال المعلومة لهم، بطريقة تجعلهم جزءاً من القرار ويساهمون في اتخاذه لتطبيقه بكل رضى، وحتى في عملي وعند تفتيشي للأقسام وحضوري للدروس مع المعلمين والأساتذة، فإنني أحثهم على مخاطبة عقل التلاميذ ونفس الشيء بالنسبة للأبناء، فأحد أسباب تفوق الأبناء هو التواصل معهم، وأن تكون علاقة الأهل معهم مفتوحة، وقبل هذا وبعده المتابعة مع المدرسة، وترى الأم أن من أهم الأشياء التي تحفّز المتفوقين هي الأنشطة الثقافية؛ إذ إنها تعزز من شخصية الطالب.
وتشير إلى أن «التعليم يُعد جزءاً من وطنية الإنسان، والوطنية ليست مجرد شعارات، وقد غرست في نفوس أبنائي التعليم والوطنية، مما ساهم بشكل كبير في تميّزهم».
وأكدت أن أبناءها لديهم القدرات العلمية الكافية، وأنها ووالدهم غرسا فيهم قيم الطموح، معتبرة أن هذا «دور الأسرة التي يجب أن توصل لهم فكرة أن التعليم ليس لمجرد الحصول على درجات عالية».
لكن قبل ذلك كله، تنصح نور أولياء الأمور بتربية أبنائهم على البساطة والتواضع، وتؤكد أن أسوأ ما يمكن أن يُربى عليه الأطفال هو الترف، الذي يعلمهم الأنانية وعدم إدراك قيمة النعم والتبذير وغيرها الكثير من الصفات السيئة، خصوصاً في هذا الزمن الذي كثرت فيه المقارنات.
تزيد نور قائلة: أعلم أبنائي قيماً مجتمعية، وأطلعهم على قضايا مجتمعهم ودينهم، أحرص أن يعرف أبنائي قضية فلسطين المحتلة والقدس وما يعانيه المسلمون في بعض المناطق من العالم من اضطهاد، لكيلا يكونوا سطحيين ولا تكن المظاهر هي شغلهم الشاغل، جميل أن يهتموا بأناقتهم ومظهرهم، لكن الباطن أهم.
تهتم نور بتفاصيل تربية أبنائها الذين يشكلون محور حياتها، وما زالت تحتفظ لكل واحد منهم بـ «الحبل السري» وأول رسمة وأول مخطوطة، وأول ما ارتدوه من ثياب كذكرى.

عبد االله.. والتميّز
عبد الله ليس الأكبر بين إخوته، ولكن يمكن اعتباره «الملهم»، إذ حصل على جائزة التميّز مرتين: الأولى في المرحلة الإعدادية، والثانية في الثانوية.
«حصلت على الجوائز بمساعدة والديّ، والجهود التي بذلتها للفوز بها، ولا أنسى دور المدرسين في دعمي أيضاً»، بهذه العبارة استهلّ عبد الله حديثه، ثم أضاف: «دائماً كانت العائلة محفّزة لي، وتدعمني معنوياً بشكل كبير، لأحقق إنجازات وأتفوق في مسيرتي التعليمية».
وكانت الجائزة الأولى عندما أنهى عبد الله المرحلة الإعدادية من تعليمه، وحصل على بلاتينية التميّز عندما أنهى المرحلة الثانوية، حيث كان من بين الأوائل في الدولة الذين حصلوا على أعلى العلامات في شهادة الثانوية العامة، سافر عبد الله للتطوع وهو في عمر السادسة عشرة وكان أصغر مشرف رحلة، يقول إنه تعلم الكثير من تلك الرحلة، ورغم صغر سنه فإنه كان يشعر بالمسؤولية ناحية الطلبة الذين يشرف عليهم، يقول إنه كان يعتبرهم أبناءه.
تعلم عبد الله تحمل المسؤولية منذ صغره، فقد كان يراجع دروسه وحده دون اللجوء إلى مدرسين خصوصيين، ويقوم بأعمال تطوعية، ويحب المطالعة.
تحدثنا مع عبد الله عن مشاركته في جائزة التميّز وحصوله عليها مرتين خصوصاً أن الطبعة الأخيرة كانت «بلاتينية»، فقال: لم يكن أمراً سهلاً، إذ يجب عليك أن تحقق شروطاً معينة للدخول في المنافسة على الجائزة، ومن ثم تحقيق المعايير المطلوبة، وتتضمن أنشطة ثقافية، وأعمالاً تطوعية، وإعداد أبحاث عملية، ومشاركات خارج الدولة.
مسابقات حفظ القرآن
شارك عبد الله في مسابقات حفظ القرآن، ومثّل قطر في مسابقة تحدي القراءة العربي وكان المشارك الوحيد من الدولة، وتطوع في العديد من الأعمال الخيرية مع مبادرة صنّاع، وكذلك في مؤسسة حمد الطبية تقرب من شغفه الذي كان يحلم به، وأصبح قريباً من الأطباء والطب، شارك في أولمبياد العلوم الدولي وفاز بالبرونزية في هولندا.
يقول عبد الله: إنه في رحلته هذه ونظراً لحجم المشاركات الدولية الكثيرة، فإنه كان يخشى ألا يحصل على جائزة فكان يتواصل مع والده ويعتذر منه مسبقاً في حالة الإخفاق، لكنه وفق وكان من بين الثلاثة الأوائل على المستوى العالمي.
يقول عبد الله: إن والده لم يلقّنه شيئاً أثناء تربيته له ولإخوته، لكنه كان يعتمد التربية عن طريق المحاكاة، فقد كان والده يقوم بالشيء ليقلده أبناؤه، وليكون هو القدوة لهم، أما والدته فقد كانت الدينامو المحرك لكل نشاطاته.
يوضح عبد الله: كانت أمي هي من تقوم بتجميع كل الأدلة المطلوبة في مسابقة جائزة التميّز، كان طموحها أكبر من الذهبية، فكانت تعمل على تحفيزي على المشاركة في أعمال تطوعية ونشاطات ثقافية، وأثناء عملية الفرز قامت بكل الأعمال بمفردها، خصوصاً أن التقديم كان أون لاين فقد استغرق منها الموضوع أكثر من أربعة أيام، كانت لا تنام خلالها ولا ترد على هاتفها.
محمد.. ومشوار الأم
محمد الأخ الأصغر من عبد الله، دخل المدرسة العسكرية وكان من المتميّزين فيها، لكنه خرج منها لأنه واجه بعض الصعوبات في الاندماج مع بعض أقرانه بسبب بعض السلوكيات، يتابع دراسته الثانوية حالياً ومتفوق، يحلم بأن يكمل مشوار أمه في التعليم، ويصبح مدرساً، ورغم أن الكثيرين ممن يحيطون به يحبطونه، ويزعمون أن مهنة التعليم غير مرموقة اجتماعياً، فإنه يدرك أن التدريس رسالة سامية، ورغم سنه الصغير فإن محمداً واسع المدارك يحب المطالعة في الدين والتاريخ، يقرأ الروايات والسير والتراجم، ويحب سردها على إخوته وأصدقائه.