عائلة اليوسف.. شهادات عُليا بالوراثة

alarab
محليات 05 فبراير 2021 , 12:15ص
حنان غربي

الوالد أحمد اليوسف: أكملت دراستي بعد الزواج لأكون قدوة لأبنائي.. وتربية 8 أولاد ليست سهلة

الوالدة حصة الشيب: نجاح تربية الأبناء أساسه الاهتمام بهم وقضاء الوقت الإيجابي معهم

د. عبدالله: اخترت الطب تيمناً بمسار أختي الدكتورة وفاء.. وتربينا على التفوق

المهندس محمد: حب الرسم شدّني إلى الهندسة.. ومتحف الفن الإسلامي أول مشروع عملت فيه

أن تربي طفلاً أو طفلين بطريقة مثالية وتتوفق وتتفوق في ذلك فهو غاية كل أب وأم، لكن أن يكون لديك ثمانية أطفال كلهم من المتفوقين والصالحين ومن العناصر الفعّالة في المجتمع والوطن، فتلك هي المثالية الحقيقية وذلك هو التوفيق من الله.
عائلة أحمد اليوسف نموذج يستحق أن يحتذى به، عائلة تستحق لقب العائلة المثالية، هذا اللقب ليس بعدد الأبناء ولا بعدد الشهادات، ولكنه بناء على منح المجتمع والوطن شباباً صالحاً مسؤولاً معطاءً، يخدم وطنه من خلال مجالات عدة. «العرب» زارت عائلة أحمد اليوسف في منزلها، وكان لنا معهم هذا اللقاء:

الوالد أحمد عبدالرحمن أحمد اليوسف مثال للكفاح والمثابرة، عاش حياة بسيطة هو وأسرته التي انتقلت من فريج الجسرة إلى فريج وادي السيل، حيث كانت تسكن أسرة الوالدة (حصة أحمد عبدالله الشيب)، وهناك تطورت العلاقة بين الأسرتين من كونهم جيراناً إلى أن أصبحت علاقة نسب.
وبعد زواج الوالد من الوالدة وإنجاب الأطفال، قرر الوالدان إكمال دراستهما وشجع كل منهما الآخر، حيث أكملا مشوارهما الدراسي بعد الزواج، فتابع الوالد دراسته في جامعة بيروت عن طريق الانتساب، وكانت الوالدة تعمل كمدرسة ثم موجهة ثم رئيسة توجيه حتى التقاعد من وزارة التعليم، في حين عمل الوالد في المطار القديم في فترة الستينيات، ثم في بنك قراندليز في فترة السبعينيات، ثم انضم إلى مؤسسة حمد من 1980 حتى عام 2020، وأنهى العمل كرئيس تنفيذي في إدارة المستودعات الطبية، حيث تقاعد العام الماضي بعد أن خدم المؤسسة لمدة 40 سنة.
وعن حياته، حدثنا أحمد اليوسف قائلاً: كنا نسكن في منطقة الجسرة، ودرست المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية، وكان أهل الجسرة يعرفون بعضهم ويسود بينهم التواصل والمحبة والمحافظة على العادات والتقاليد وكلها مستمدة من الدين الإسلامي، وفي نهاية الستينيات وبداية السبعينيات اشتغلت مدة سنتين في المطار، ثم انتقلت إلى العمل في بنك كراندليز (العثماني سابقاً)، وفي هذه الفترة بدأت أفكر في إكمال دراستي الجامعية، وفي نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات درست في معهد اللغات لاكتساب اللغة الإنجليزية، ثم درست في معهد الإدارة لاكتساب مهارات إدارة الأعمال، خصوصاً أنني التحقت بالعمل في مؤسسة حمد الطبية في شهر ديسمبر من سنة 1980 في إدارة المستودعات الطبية، وأكملت دراستي الجامعية خلال عملي في مؤسسة حمد الطبية، حيث التحقت بجامعة بيروت (بالانتساب) كلية التاريخ، وخلال فترة عملي الحالي أخذت دورات عديدة سواءً داخل الدولة أو خارجها، وكلها تساعد في تطوير مهاراتي المهنية، وأيضاً انتقلت إلى مستشفى الخور من سنة 2004 الى نهاية 2020.

الأبناء محور الحياة 
لم تكن تربية الأولاد في حياة اليوسف أمراً ثانوياً، بل كان أبناؤه محور حياته وأولى أولوياته، فكان يهتم بتنشئتهم على الأخلاق والعلم، وهنا يوضح: بالنسبة لتربية الأولاد مثل كل العائلات القطرية، كان التركيز على تثبيت الأخلاق الإسلامية والسلوكيات الحسنة، والمراقبة غير المباشرة ومتابعة أصدقائهم وخلانهم في «الفرجان»، أما عن الاهتمام بتعليم الأبناء فكنا نحثهم على التفوق ونحضر مجلس الآباء، وكذلك بالنسبة للبنات كانت زوجتي «أم عبدالله» تحضر مجلس الأمهات، وكنا نشجعهم على دراسة اللغة الإنجليزية من خلال إلحاقهم بدورات لغة في المعهد البريطاني، وها قد أصبحت اللغة الإنجليزية لغة أساسية في الجامعة، وعندما وصلوا إلى المراحل التي كان عليهم الاختيار خلالها، تركنا لهم كامل الحرية لاختيار طريقهم حسب رغباتهم، لكن مع الأخذ بعين الاعتبار توجيههم بطريقة غير مباشرة على اختيار ما يناسب قدراتهم وميولاتهم وما يتطلبه المجتمع الحديث من تخصصات تتميز بالاستمرارية والقبول في المؤسسات العامة، ولم يكن أبداً من السهل تربية 8 أبناء، ولكن بحمد الله وتوفيقه استطعت وزوجتي أم عبدالله (التي كان لها الدور الأعظم) أن نجعلهم أفراداً صالحين وفاعلين في خدمة أجمل بلدان الدنيا قطر.

كفاح الأم
الوالدة حصة أحمد عبدالله الشيب كان شغلها الشاغل مع زوجها وأساس أحاديثهما كيفية تربية أبنائهما وفق ما يريانه مناسباً، وكانت السيدة العاملة التي طورت من نفسها، وأكملت تعليمها بعد زواجها، وتمكنت من الترقية من مدرسة إلى موجهة ثم إلى رئيسة توجيه مادة الفلسفة، ورغم مسؤولياتها المهنية إلا أنها تمكنت من تربية أبنائها كما يجب، وكانت تقف بنفسها على كل تفاصيلهم، خصوصا إذا تعلق الموضوع بالدراسة. 
وعن ذلك تقول: كنت أقوم بتدريس أبنائي بنفسي، وكنت أوصلهم بنفسي إلى معاهد تعليم اللغة الإنجليزية خارج أوقات الدراسة، وكنت أشجعهم على النشاطات الثقافية والرياضية وأرافقهم من أجل القيام بها، ولم يكن الأمر سهلاً خصوصاً مع ثمانية أطفال أربعة منهم ذكور بكل ما يتمتعون به من شقاوة وعناد وعدم امتثال في بعض الأحيان، فالأولاد أحياناً يستغلون غياب الرقيب لتمضية الوقت في اللعب، وهو ما كان يضطرني إلى السهر على مذاكرتهم، لكن كل ذلك يهون عندما تجد أحلامهم تتحقق، وتجدهم يحرزون أفضل النتائج.
تؤمن الوالدة أن النجاح في تربية الأبناء أساسه الاهتمام بهم وقضاء الوقت الايجابي والفعّال معهم، وتؤكد أن أبناءها كانت لديهم القدرات العلمية الكافية، وأنها ووالدهم غرسا فيهم قيم الطموح، معتبرة أن هذا «دور الأسرة التي يجب أن توصل لهم فكرة أن التعليم ليس لمجرد الحصول على درجات عالية»، وإنما هو مستقبل كامل بكل تفاصيله.

الدكتورة وفاء.. الملهمة
أكبر أبناء الأسرة هي الدكتورة وفاء، حاملة للبورد العربي في طب الأسرة، وتعمل استشارية أولى ومديرة مركز الخليج الغربي الطبي. كانت د. وفاء مثالاً للتفوق، وقد ألهمت إخوتها من بعدها وجعلتهم يحملون لواء التحدي للتفوق، حيث اختار أخوها د. عبدالله الدراسة في كلية الطب تيمناً بنجاحها وسيراً على نفس خطاها. 


يحكي د. عبدالله مشواره قائلاً: تخرجت من الثانوية بتفوق الحمدالله من مدرسة الاستقلال الثانوية - القسم العلمي، وكان الوالد يصر على إدخالنا مدارس حازت على جوائز في التفوق العلمي، وبعد ذلك اخترت دراسة الطب الذي كانت قد سبقتني إليه أختي الدكتورة وفاء، درست في كلية الطب بجامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان، وعملت بعد التخرج بقسم الطب النفسي والأعصاب لفترة، وأكملت التدريب في الجمهورية الألمانية الاتحادية في مدينة هايديلبيرق لنفس التخصص، وحاليا أعمل في مؤسسة حمد كطبيب إداري في قسم التعليم الطبي، وأنا مسؤول حالياً عن الإشراف على التدريب الإكلينيكي لطلبة كلية الطب بجامعة قطر في مستشفيات الدولة.
بالنسبة للدكتور عبدالله لم تكن دراسة الطب أمراً صعباً، فقد تعود على النجاح والتفوق منذ الصغر، إضافة إلى أن الطب كان اختياره، وكان برغبة منه، وهو ما جعله يتفوق في الدراسة، وهي النصيحة التي يقدمها لأولياء الأمور الذين يرغب أبناؤهم في دراسة الطب، حيث يقول: أنصح كل أولياء الأمور بأن من يرى منهم رغبة لدى بناتهم وأبنائهم في دراسة الطب عليه بتشجيعهم وتحفيزهم ومساعدتهم للالتحاق بكلية الطب في جامعة قطر أو بكلية الطب في جامعة وايل كورنيل - فرع دولة قطر، فالدولة تحتاج المزيد من الطبيبات والأطباء المهرة من أبناء وبنات هذا البلد المعطاء في جميع التخصصات الطبية المختلفة، فهذه المهنة بالإضافة أنها تضمن لصاحبها الحياة الكريمة والمكانة الاجتماعية المميزة، فإنها تعتبر من أرقى الأعمال الإنسانية التي يتقرب بها العبد لربه، قال تعالى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسلمٍ كُرْبةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بها كُرْبةً مِنْ كُرَبِ يوم القيامةِ».

محمد.. والدراسة بأميركا
المهندس محمد أحمد اليوسف الابن الثالث للأسرة، تفوق في الثانوية العامة بمجموع فاق 90 %، وتم ابتعاثه إلى أميركا لدراسة الهندسة المعمارية والمدنية، وعن ذلك يقول المهندس محمد: اخترت الهندسة انطلاقاً من حبي للرسم، فقد كنا نرسم لوحات ونتعامل مع الألوان والخطوط، وهو ما جعلني أحس بأنني من خلال الهندسة سيزيد ارتباطي بالفن التشكيلي الذي طالما أحببته، وارتبطت به منذ الصغر أنا وإخوتي، أنهيت دراستي في أميركا وعدت إلى قطر وعملت في «قطر للبترول»، وكان أول مشروع عملت عليه كمهندس هو مبنى المتحف الإسلامي، الذي أفخر أنني كنت من ضمن فريق المهندسين الذين عملوا على تشييده، وقبل أن تنتهي رحلتي الدراسية في أميركا لحق بي أخي خالد الذي جاء لدراسة إدارة الأعمال والاقتصاد في أميركا.

خالد.. الشغوف بالتكنولوجيا
خالد أحمد اليوسف الابن الرابع للأسرة، كان شغوفاً بالتكنولوجيا والأنظمة التكنولوجية، وهو ما جعله يتوجه إلى هذا المجال منذ صغره، وقد كانت للوالد أحمد طقوس صيفية يمارسها مع أبنائه، وهي أن يرسلهم في كل عطلة صيفية للعمل كمتطوعين في بنك للتعود على تحمل المسؤولية والعمل والانضباط. وبما أن خالد كان شغوفاً بأنظمة الكمبيوتر، تمكن وهو في عمر 15 عاماً من أن يطور نظاماً للأرشفة في البنك، وتكريماً لجهوده حصل على منحة من البنك لدراسة اللغة الإنجليزية في بريطانيا، ومن هذه الرحلة تبلورت فكرة الدراسة في الخارج لدى خالد، وقرر بعدها الالتحاق بأخيه محمد في أميركا، حيث حصل على البكالوريوس، ثم سافر بعدها إلى فرنسا للحصول على شهادة الماجستير، والتحق خالد مؤخراً بجهاز قطر للاستثمار بعد محطات مهنية سابقة، تمكن خلالها من العيش في عشر دول وإتقان ست لغات.


بعد خالد كانت الدكتورة عائشة التي حصلت على المرتبة الأولى في قطر في امتحان الشهادة الثانوية بمجموع فاق 99 %، لتلتحق بأخيها د. عبدالله وأختها الدكتورة وفاء وتختار دراسة الطب، لتصبح الدكتورة عائشة طبيبة معتمدة من البورد الأميركي، وزميل الكلية الأميركية لأطباء النساء والولادة، وتتخصّص في الجراحات النسائية التي تُجرى باستخدام الروبوت، كما أكملت برنامج الإقامة بمستشفى متشجن الجامعي بالولايات المتحدة، وهي خريجة كلية طب وايل كورنيل في قطر، وتشغل حالياً منصب المدير الطبي للجراحة النسائية في مركز سدرة للطب، وقد كانت الدكتورة عائشة أول طبيبة قطرية مختصة في إجراء جراحات روبوتية للنساء.
تقول الدكتورة عائشة إن ما وصلت إليه وما حققته من نجاحات ما كان ليكون لولا توفيق الله وسهر الوالدين، وتضحيتهما من أجلها هي وإخوتها، وتضيف الدكتورة عايشة: أعتبر أن والديّ جاهدا معنا وضحّيا كثيراً من أجلنا، حتى يتمكنا من إيصال ثمانية أبناء إلى أعلى المراتب العلمية والتفوق.
 بعد الدكتورة عائشة، رزقت الأسرة بابتسام التي اختارت الهندسة الإلكترونية، وتفوقت في مجالها هي الأخرى، وانتقلت بين مجموعة من الوظائف، واستقرت مؤخراً في شركة برزان. بعدها الأخت الرابعة مريم، التي تخصصت في أنظمة المعلومات، وتعمل حالياً في شركة اتصالات.

آخر العنقود
أما آخر العنقود فكان عبد الرحمن الذي لا يزال يطمح إلى المزيد من الإنجازات، حيث تخرج من الثانوية العامة بمجموع فاق 90 %، ليدرس بعدها في أميركا تخصص الهندسة الميكانيكية.
عبدالرحمن كان الطفل المهووس بالتكنولوجيا وبالهواتف النقالة منذ صغره حيث كانت في البدايات، وتمكن وهو في عمر صغير من فكّ تشفير أجهزة الآيفون مقابل مبالغ كان يجمعها، إلى أن تمكن من اقتناء جهاز آيفون.
نجاح الأبناء كلهم كان -بعد توفيق الله- بفضل جهد كبير بذله الوالدان، واتباع منهجية تربوية علمية مدمجة مع مدارك ومعارف الوالدان، فقد كان الوالد يحرص على أن تكون المكتبة المنزلية مزودة بالكتب العلمية، وكانت الأم تستثني التلفزيون من برنامج أطفالها اليومي، فكانت أذهانهم صافية، وعقولهم قادرة على الاستيعاب، ومخيلتهم واسعة، وأحلامهم عظيمة.. فعلاً عائلة الوالد أحمد اليوسف مميزة، وتستحق بجدارة أن تكون العائلة القدوة.