الأحد 16 رجب / 28 فبراير 2021
 / 
07:08 م بتوقيت الدوحة

في ظل سيطرة النمط الاستهلاكي.. أين الأماكن التراثية من أجندة اهتمامات المجتمع؟!

هبة فتحي

الخميس 04 فبراير 2021

مطالب بتنظيم رحلات داخلية إلى المعالم الثقافية والتراثية تستند على معايير الأمن والسلامة 

أن يكون لك موروث ثقافي يُحدثّك في جولة عابرة للزمن عن ماضيك الذي كان، وينتقل بك إلى حياة أخرى لم تعشها، يعتبر أمراً ضرورياً، ليتعرف كل شعب على إرثه، فيعرف قيمة ما وصل إليه، مستنيراً بدروب أجداده، متلمّساً الصعوبات التي واجهوها، فيعود إلى حاضره بعد هذه الرحلة ممتناً لماضيه ومسترشداً بقيّمه، فالجهل بالماضي آفة أولئك العابرين الذين لم يجدوا دليلاً يضيء لهم الطريق، ويتعرفون من خلاله على طبيعة بلادهم التاريخية والبيئية وغيرها. 
ولأن الرفاهية والنمط الاستهلاكي أصبح السمة الغالبة للمجتمع، فالسمة الظاهرة هي هرولة الجميع نحو المجمعات التجارية والأماكن التي تتكدس بالمطاعم والمقاهي، متشبثين بالهواتف المحمولة، والنتيجة خلو الأماكن التراثية من زيارة أهلها. 


«العرب» طرحت هذه القضية على أنماط مختلفة من المواطنين، فأجمعوا على أهمية ضرورة تكاتف المؤسسات المعنية، مثل وزارة التعليم والتعليم العالي والهيئة العامة للسياحة، من أجل تنظيم رحلات داخلية للمواطنين والمقيمين وطلاب المدارس، ليروا الأماكن التراثية التي تحظى بها قطر وتُظهر جمال طبيعتها الصخرية والبحرية والنباتية، بشرط تحقيق شروط الأمن والسلامة، وهو ما طالب به عدد كبير من المواطنين، نظراً لصعوبة الوصول إلى مثل هذه الأماكن، إضافة إلى مطالبتهم بالتجديد المستمر من خلال توفير فعاليات جذابة في المتاحف حتى لا يعزف الزوار عنها.

د. أحمد عبد الملك: كم أسرة أخذت أولادها إلى أي مَعلم ثقافي؟!

قال الدكتور أحمد عبد الملك أستاذ الإعلام المشارك بكلية المجتمع: إن تعويد الأطفال والناشئة على زيارة الأماكن الأثرية والسياحية شأنٌ ثقافي في الدرجة الأولى، يعود لمفاهيم المجتمع وحرص الوالدين على تنشئة الأطفال نشأة طبيعية، كما هو الحال في الدول المتطورة؛ لأنَّ الطالب في المراحل الأولى، وإن درسَ التربية الوطنية، فإنه قد يحفظها، ولكن عندما يزور المصانع والمتاحف والشواطئ والجزر، فإنه يكتسب مهارات غنيّة، تُضيفُ إلى ما درسه، وهذا ما تعمل به الدول الأولى في سُلّم التعليم في العالم.
وأضاف د. عبدالملك: «إن مجتمعنا تعوّد على الحياة الاستهلاكية، خصوصاً في العاصمة، حيث تطبّع على الشراء المتكرر، حتى للمواد التي لا تفيد أو تُستخدم. وهذه حقيقة، لا يجب أن نخجل من ذكرها؛ فالطفل، نراهُ في المولات يتجّه نحو مطاعم الأغذية السريعة، كما نراه يُلزم والديه بأن يوفرا له الماركات العالمية، وفي المنزل، يقبع في مكانه مع الهاتف والألعاب الإلكترونية، التي تسلبهُ من مجتمعه ومن قيمه، إلى فضاءات بعيدة، وهذا ما يؤثر على تحصيله العلمي، وعلى لغته العربية، وعلاقاته الأُسرية».
ونوّه بأن التقصير في تحجيم اطلاع الطالب أو الشاب يقع في المقام الأول على الأسرة؛ لأن هناك حاجة إلى تبديل المفاهيم المجتمعية، ووضع زيارات الأماكن الأثرية والمتاحف والشواطئ ضمن أولويات الأسرة.  
وأردف قائلاً: «لعلي أسأل في هذا المقام: كم أسرة أخذت أولادها إلى مكتبة قطر الوطنية أو إلى قلعة الزبارة أو متحف قطر الوطني أو المتحف الإسلامي أو شواطئ الوكرة أو دخان؟».
وتابع: أعتقد أن للإعلام دوراً مهماً في التوعية، والتعريف بتلك الأماكن، ووضع فقرات في التلفزيون ووسائل التواصل عن أهمية زيارة تلك الأماكن، كما أن للمدرسة دوراً مهماً كذلك، وما المانع من أخذ الطلبة في حافلة نحو تلك الأماكن، لكي يستمعوا ويستمتعوا في تلك الزيارات؟ إن وسائل الإعلام تُثري الوعيّ المجتمعي، ولا بد من تفعليها كي نتغلّب على الحالة الاستهلاكية، ونحقق المنفعة والمعرفة لأبنائنا».

نور التميمي: الأم تختار الخروج بأولادها إلى الأماكن السهلة مثل المجمّعات ومدن الألعاب

قالت المغامرة القطرية نور التميمي إن الأم في أغلب العائلات هي التي تصطحب الأطفال إلى الأماكن الترفيهية، وبالتالي تختار الأماكن السهلة مثل المجمعات التجارية والحدائق المفتوحة ومدن الألعاب في «المولات»، نظراً لأن هذه الأماكن تتمتع بكل سبل الراحة وتطبق فيها أعلى معايير الأمن والسلامة، مشيرة إلى أن الأماكن التي يمكن من خلالها اكتشاف طبيعة قطر البحرية والنباتية المميزة تحتاج إلى تواجد الأب، لأن معظم هذه الأماكن يحتاج إلى تأمين خاص لأنها في طرق وعرة وبعيدة شيئاً ما عن وسط الدوحة.
وعبرت نور عن أملها في أن تقوم وزارة التعليم والتعليم العالي بتشجيع المدارس على تنظيم رحلات طلابية للأماكن التراثية والثقافية بقدر كافٍ، مستشهدة على ذلك بقولها: منذ عشر سنوات أو أكثر كانت الرحلات المدرسية إلى المتاحف والأماكن التراثية التي تُثري ثقافة الطلاب دورية دون انقطاع على عكس ما يتم حالياً، وهو أن معظم المدارس تخشى الخروج بالأطفال إلى مثل هذه الأماكن خوفاً من حدوث مكروه لهم لا قدر الله، وبالتالي تقع المسؤولية كاملة عليهم أمام أولياء الأمور، وهنا يتمثل دور الوزارة في وضع ضوابط لمعايير الأمن والسلامة ومساعدة إدارات المدارس في هذا الصدد.
وشددت نور على أهمية هذه الزيارات لأنها تساعد على اكتشاف الطفل لطبيعة بلاده الصخرية والبحرية والنباتية بشكل ملموس، ليتكامل الجزء التطبيقي مع ما يتم تدريسه نظرياً في المواد الوطنية.
وأكدت كذلك على دور الأهل في توعية أبنائهم من خلال تنظيم رحلات أسرية جماعية تضم أفراد الأسرة، مما يعزز الروابط العائلية بين الأم والأب والأبناء، مقدمة مقترحات لمجموعة من الأماكن ذات الطبيعة الخلابة في قطر، مثل غابات المانجروف، وزكريت، وجبل الجساسية، وخور العديد، والتي يمكن رؤية طيور الفلامنجو فيها خلال موسم هجرتها، وكذلك جزيرة شراعوه التي تتمتع بصفاء مياهها، معتبرة أن هذه الأماكن فريدة وتستحق أن يراها كل قطري ومقيم ويتمتع بها.
وختمت المغامرة القطرية حديثها بالشديد على ضرورة توعية الجيل الحالي بالطبيعة البحرية والنباتية للدولة، بهدف تحفيزهم على الحفاظ على البيئة لأن هذه الأماكن تعتبر إرثاً ومن واجب كل جيل أن يحافظ عليها للجيل الذي يليه، مشيدة بتجربة متحف قطر الوطني الذي وفر تجربة تعليمية ممتازة من خلال عرض المعلومات بطريقة مبتكرة للأطفال عن طبيعة البلد البحرية والنباتية، فضلاً عن دور هيئة السياحة في تطوير جزيرة بن غنّام، مما يسمح بزيارتها بكل سهولة ويسر للمواطنين والمقيمين على حد سواء.

خالد الجابر: القلاع الأثرية شبه مهجورة.. وغير مسموح للعامة بزيارتها

«قطر فيها الكثير من الأماكن الأثرية والسياحية، ولكن هناك جهل واضح بها وبطرق الوصول إليها، نظراً لعدم وجود طرق معبدة تُسهل الذهاب من خلالها»، بهذا الكلمات بدأ الرحالة خالد الجابر كلامه.
وأضاف: على سبيل المثال لا الحصر، قلعة فريحة -التي وصفها بأنها شبه مهجورة- لا يوجد فيها سوى فرد أمن واحد، وغير مسموح للعامة بزيارتها، على الرغم من سؤال عدد كبير من السياح عن هذه الأماكن، مشيراً كذلك إلى قلعة «الزبارة» التي أُدرجت تحت الإرث الخاص باليونسكو، وعلى الرغم من ذلك فهي خالية من الفعاليات التي يمكن أن تستقطب على ضوئها زواراً جدداً، وتفتقر كذلك لوجود محلات حولها ومطاعم أو مقاهٍ ودورات مياه لائقة.
وأشار الجابر إلى أماكن سياحية أخرى، مثل قرية الجميل وقلعة الثقب، واصفاً كل هذه الأماكن بالجميلة والثرية في طبيعتها، واستدرك: لكن أغلب المواطنين والمقيمين لا يعرفونها ولم يقوموا بزيارتها.
واستشهد الجابر بدولة سلطنة عمان الشقيقة التي تمتلك مجموعة قلاع على غرار الموجودة في قطر، ونجح القائمون عليها في تنظيم مهرجانات شبه شهرية وفعاليات جذابة في هذه القلاع، مما ساهم في الترويج لها بشكل كبير، فضلاً عن إقامة أسواق تبيع المقتنيات التذكارية، وتواجد فرق موسيقية شعبية في الفترات المسائية لاجتذاب السياح، وبالتالي نجحوا في الترويج لهذه الأماكن التراثية وإحيائها، معبراً عن أمله في أن «تخطو الجهات المسؤولة في الدوحة على خطوات هذه التجارب الناجحة لدى أشقائنا في عُمان».

محمد الحمادي: فجوة بين الموروث الثقافي والمواطن.. والفعاليات التراثية موسمية

أكد محمد الحمادي أنه حريص على أن يذهب بأبنائه لزيارة الشواطئ خلال أيام العطلة، بحيث يتواصل الأطفال بصورة أكبر مع الطبيعة، ومن ثم ينشط خيالهم بصورة أكبر، من خلال صناعة أشياء يدوية تحفز قدراتهم الإبداعية، فضلاً عن ممارسة الأنشطة الرياضية في الحدائق والأماكن المفتوحة.
وعن مدى إقباله على زيارة الأماكن التراثية والثقافية، قال إن أغلب هذه الأماكن تُدار ويتم الترويج لها من خلال غير القطريين، وكذلك صناعة بعض المقتنيات التراثية تتم بأيدي العمالة الوافدة، ولذلك لا يشعر المواطن بأن هذه المقتنيات والأماكن تلمسه بصورة قوية، لأن أهم عنصر وهو المواطن القطري القائم عليها ليس حاضراً، فتحدث فجوة بين الموروث الثقافي وبين الشخص المُروج له والمتحدث عنه، ووصف ذلك بالقطيعة المبررة، ولكن هذا لا يمنع غياب الثقافة المحلية لأن المواطن يعيشها داخل منزله، فضلاً عن أن الفعاليات التراثية مبهرة ومدهشة للوافدين، غير أنهم لا يستطيعون تحمل تكاليفها، لذلك فإن العزوف عنها واضح، حسب قوله.
ونوه الحمادي بأهمية أن تتبنى الفعاليات التراثية قضية أو قصة ما، وأن يكون العنصر القطري هو الأساس فيها، وليس الفرق الشعبية المستوردة، وفنون تمثل شريحة دون الأخرى ومزاجية في الطرح. ولفت إلى أنه على الرغم من طبيعة قطر كونها شبه جزيرة تحظى بموروث بحري كبير، لكن هناك ندرة في الفعاليات التي تتناول هذا الموروث، فيتم تنظيم فقط فعالية أو أثنين خلال عام كامل لا أكثر من ذلك يتم الحديث خلالها، وبالتالي فإن فعاليات الموروث الثقافي تعتبر موسمية.
ووصف متحف قطر الوطني بالعمل الجبار، مشيراً إلى أنه قام بزيارته أكثر من 3 مرات، مشدداً على أهمية التجديد المستمر لهذه الأماكن من خلال إقامة فعاليات مصاحبة بشكل متجدد ومستمر حتى تظل وجهة للزوار دون انقطاع.

حمد درويش: افتقار بعض المتاحف للعنصر الإبداعي يتسبب في ملل زوارها

قال حمد درويش: عندي طفلتان وعادة ما آخذهما معي في جولاتي الترفيهية أسبوعياً إلى المجمعات التجارية واللؤلؤة وجزيرة البنانا، وغير ذلك من الأماكن التي تقع وسط الدوحة وتوجد فيها خيارات متعددة، مثل المطاعم والمقاهي ومناطق الألعاب وغيرها، حتى يستمتع الأطفال بأوقاتهم.
ولفت إلى أن زيارة المتاحف لا تكون ضمن جدوله لأنها لا تحظى بقبول أطفاله، نتيجة شعورهم بالملل عند زيارتها سريعاً حسب قوله، وبالتالي يفضلون الذهاب إلى أماكن فيها فعاليات وأنشطة.
وطالب درويش بتوفير أنشطة تفاعلية قرب المتاحف حتى يستطيع الأهالي جذب أطفالهم إلى هذه الأماكن، ومن ثم تشجيعهم على زيارة المتاحف بشكل مستمر حتى تصبح جزءاً من ثقافتهم.
وقال: هناك استغلال واضح من ناحية الأسعار لدى المطاعم الموجودة داخل المتاحف والأماكن التراثية، وهذا سبب إضافي يجعل الأهالي يعزفون عن زيارتها، ففي حال أرادت الأسرة قضاء اليوم كاملاً داخل هذه الأماكن سيكون الأمر مكلفاً خاصة لدى العائلات الكبيرة.

 

_
_
  • العشاء

    7:05 م
...