الإصلاح بين الناس من أفضل مقامات الإيمان
قطر اليوم
05 فبراير 2016 , 06:24م
الدوحة - العرب
ذكر الشيخ عبد الله بن محمد النعمة، أن الخلاف بين الناس غريزة فطرية أودعها الله عز وجل في نفوس البشر، وجعل سبحانه لهذه الغريزة أسباباً ودواعي تؤدي إلى غليانها في النفس، وثورانها في المجتمع، حتى بين القريب وقريبه والأخ وأخيه والزوج وزوجته.
وأشار في خطبة الجمعة، التي ألقاها اليوم، بجامع الإمام محمد بن عبد الوهاب، بعنوان "الصلح بين الناس"، إلى أن أول أسباب وقوع الخلاف نزغ الشيطان الذي يأمر بالفحشاء والمنكر، حيث أيس أن يعبده المسلمون، فعمد إلى التحريش بينهم وزرع الخلاف والفرقة والشحناء في نفوسهم.
وثانيها: النفس الأمارة بالسوء والهوى والشح والبخل.
وثالثها: شياطين الإنس من البشر، يسوءهم اجتماع الأخلاء وترابط الأقرباء مما يحملهم على النميمة والتحريش بينهم ليتصدع بنيان القرابة، وتتزعزع رابطة الأخوة فيوجد الخلاف، وتورث الفتنة وتنتشر القطيعة حتى تفرق بين المحب وحبيبه والقريب وقريبه والصاحب وصاحبه. وحتى يهجر الولد أباه، والزوج زوجه، والأخ أخاه، والجار جاره، مما يفكك روابط المجتمع ويجعله لقمة سائغة في أيدي أعدائه أيا كان جنسهم.
التهاجر والقطيعة:
ولفت النظر إلى أن أبرز صور الخلاف والخصام بين المسلمين، التهاجر والقطيعة، ولهذا نهى الله تعالى عن التهاجر بين المسلمين وأمر بإصلاح ذات البين وجعل ذلك من أعظم القربات وأجل الطاعات، لأنه السياج المنيع الوافي للأخوة الإسلامية التي رغب فيها الإسلام والدرع الحصين لوحدة الأمة التي حرص الإسلام على تماسكها وسلامتها، روى الحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه). وفي الحديث المتفق عليه قال صلى الله عليه وسلم: (لا يحلّ لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).
وأوضح أنه لما للهجر والقطيعة بين المسلمين والتخاصم بينهم من الآثار السيئة ندبَ الإسلام أتباعه أن يبذلوا الوُسْع والجهد في الإصلاح بين الناس، رحمةً بهم وشفقة عليهم، وطمعاً في فضل الله تعالى ورحمته، فهم جسد واحد كالبنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضاً إذا انهدم منه ركن أو اعتل منه جزء فسد حاله وضعف شأنه.
استضعاف الأعداء لنا:
وقال: إننا نرى اليوم التفرقة التي فشت في الأمة وما نتج عنها من استضعاف الأعداء الخارجيين لكثير من شعوبها وأقطارها، بالحصار تارة وخلق الفتنة تارة، وبالغزو المباشر تارة أخرى.
وأبدى عجبه من بعض مَن حكموا رقاب الناس، أن تراهم يتدخلون بكامل جهودهم وقوتهم لإفشال عملية الصلح بين أطراف الأمة الإسلامية الواحدة، والله تعالى يقول: "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ".
الصلح خير:
وأكد النعمة أن الصلح بين الناس من أجل الأخلاق الإسلامية، إذ به يرفع الخلاف ويقطع النزاع، ويعود بسببه الود والإخاء بين الناس، محققا الأخوة التي نشدها لهم الشرع، "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"، وفي مثل هذا كتب عمر بن الخطاب إلى قاضيه أبي موسى الأشعري - رضي الله عنهما - يقول: "رد الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء، يورث بينهم الضغائن".
ونبه إلى عناية القرآن عناية فائقة بالصلح بين الناس، آمراً به ومرغباً فيه، ومنوهاً به وبأهله، قال سبحانه: "لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا".
ووعد القائمين بالإصلاح بين الناس بالمغفرة والرحمة "وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا".
وذكر أن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بيّن ما للصلح بين الناس من الأجر العظيم، فقد أخرج أبو داود والترمذي من حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟" قالوا: بلى، قال: "صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة"، ولنا في فعله وأخلاقه أسوة حسنة، ولما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجد سكانها من الأوس والخزرج كأشد ما يكون عليه التنافر والشقاق، فدخلوا الإسلام وخالج قلوبهم الإيمان فاصطلحوا وزال ما بينهم من البغضاء والتنافر، وأصبحوا بنعمة الله إخوانا، وما كان شملهم ليلتئم لولا وجود النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، والنور الذي أتى به في أفئدتهم، يتمثل ذلك في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم ممتنا عليهم بهذه النعمة: "يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي". وصدق الله إذ يقول: "وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".
ولفت خطيب جامع الإمام النظر إلى أن بروز خلق الإصلاح وحرص النبي صلى الله عليه وسلم عليه، كان أوضح وأجلى في صلح الحديبية الذي تجلت فيه دلائل نبوته ومكارم أخلاقه، لما في الصلح من قسوة الشروط وجفاء اللهجة، كيف لا والصحابة كلهم - رضي الله عنهم - إلا أبا بكر الصديق كانوا بين منكر له علنا، وساكت عنه تأدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها".
أفضل مقامات الإيمان:
وجدد القول بأن الإصلاح بين الناس من أفضل مقامات الإيمان، ولقد بلغت عناية الإسلام به، ومحبته له أن أباح فيه الكذب الذي هو من أقبح الرذائل الخلقية، إذا كان هذا الكذب وسيلة لإصلاح خصومةٍ ورفع نزاع. ففي الحديث المتفق عليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً).
واستشهد بما رواه أبو داود والترمذي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل الكذب إلا في ثلاث، يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس).
وأوضح النعمة أن الصلح يكون محموداً ومثاباً عليه إذا كان في حدود ما أحل الله تعالى، أما الصلح الذي يحرم حلالاً أو يحل حراماً فإنه صلح مذموم منهي عنه، روى أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً).
أ.س /أ.ع