المريخي: البناء الحقيقي يوافق العقيدة الإسلامية
محليات
05 فبراير 2016 , 05:03م
الخور - العرب
قال الشيخ د. محمد بن حسن المريخي، إن البناء والإعمار شيء محبوب ومشكور عند الناس، مشيراً إلى أن البناء الحقيقي هو ما كان موافقاً للشرع والسنة والعقيدة الإسلامية الصحيحة.
وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بمسجد عثمان بن عفان، بالخور، إن الدين الإسلامي حث أهله وأتْباعه على البناء والإعمار، وأمر بالسعي في الأرض وإعمارها وتشييد أركانها، وأثنى على من سعى في الأرض من أجل الإعمار، مستشهدا بقوله سبحانه وتعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر)، وقوله سبحانه عن عبده الخضر وموسى عليهما السلام: (فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه)، وبقوله: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، كما استشهد بقوله صلى الله عليه وسلم: (من بنى مسجداً لله تعالى يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة)، وفي رواية (بنى الله له في الجنة مثله) متفق عليه. وبقوله: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليفعل) رواه الضياء في الأحاديث المختارة. كما أثنى سبحانه على من يبني البناء الطيب المبارك كما هو شأن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فقال: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم).
وأكد د.المريخي أن الشخص البنّاء هو شخص مذكور بالخير والمعروف، سواء كان هذا البناء حقيقياً حسياً كالبناء المعروف، أو كان معنوياً كالبناء الأخلاقي والأدبي والمشاريع التعليمية والدعوية.
وعرّف فضيلته البناء الحقيقي بأنه هو الشيء النافع الذي ينفع صاحبه ولا يضره، يحفظه من البرد والحر ويزينه عند الله تعالى والناس، لافتا النظر إلى أنه البناء الذي يؤسس على تقوى من الله ورضوان، يبنى على قاعدة من القوة بالله تعالى والمتانة، والمعرفة بالله تعالى وسننه، وما أذن الله تعالى به.
وشدد الخطيب على أن البيوت والمساكن لا تبنى إلا من الحلال الطاهر والدراهم النقية، حتى يبارك الله تعالى في تلك البيوت، وقال: كما تبنى معنوياً بذكر الله وطاعته وتشيّد على نشر الفضيلة وتخريج الذرية الصالحة. البيوت التي تطهر من أرجاس الأغاني وأدوات اللهو، يقول صلى الله عليه وسلم: (مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحيّ والميت) رواه مسلم، ويقول: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) رواه مسلم.
بناء الأبدان:
وعن طبيعة بناء الأبدان قال د.المريخي إنها لا تبنى إلا من الحلال الخالص وتطهر من الحرام، مستشهدا بقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - وقد سأله أن يدعو له ليكون مجاب الدعوة: (يا سعد أَطِبْ مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به). لافتا النظر إلى أن النفوس والقلوب تبنى بذكر الله تعالى (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)، وتؤسس على الأخلاق الفاضلة والآداب الإسلامية، فالبناء والإعمار لكل شيء يكون على ما يحبه الله ويرتضيه.
وقال خطيب مسجد عثمان بن عفان، بالخور، إن البناء إذا بني وأسس على أساس متين وقواعد صلبة كانت نتيجته الصمود والبقاء والمقاومة لعوامل الأزمان، واستمرت فائدته ومنفعته إلى ما شاء الله تعالى.
وقال للمصلين إن الأزمان التي نعيشها والقادمة تحتاج إلى بناء قوي متين من الدين الحنيف والأخلاق الكريمة والشِّيَم الإسلامية، لأن فظائع الأزمان وعظائم الأيام وتقلبات القلوب والأنفس وتغير الأحوال شيء كبير، وقوى تجرف سيولها الكثير من الأخلاق والآداب وتهدم من بيوت العز والشرف ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
وطالب المصلين بأن يعدوا لهذه الأيام عدتها من البنيان القوي الأخلاقي المؤسس على شرائع الإسلام، محذرا من البناء الهش الخفيف، حيث وصفه بأنه لا يصمد طويلاً أمام قوة دفع السيول، فلقد تضرر من لم يبن بنيانه على منهج الإسلام الحق، ولم يؤسسه على سنن مولاه عز وجل، فكان البناء هشاً وضعيفاً، كانوا يحسبونه قوياً متيناً وهو مبني على طمع الدنيا ومتاعها وشهواتها وملذاتها، فلما جرت السيول إذا بنيانهم ينهار عليهم ويخر السقف على رؤوسهم، ولما جاءت الأزمات والمحن إذا هم ينهارون، ولما نزلت الابتلاءات إذا هم يفرون ويهربون. إنهم الضعاف الهزيلون الذين لم تكن لهم عناية بالعقائد الإسلامية المتينة والمناهج النبوية الكريمة، (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم).
واستطرد د.المريخي قائلا: وإذا كان الإسلام يدعو للبناء ويحث عليه فإنه ذم الهدم والتخريب والإفساد في الأرض. يقول تعالى: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد)، وقال: (وفرعون ذي الأوتاد* الذين طغوا في البلاد* فأكثروا فيها الفساد* فصب عليهم ربك سوط عذاب)، ووصف اليهود بأنهم أداة الفساد في الأرض فهم أهله ومنبعه فقال: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).
ونوه بأن الهدم والإفساد هو التخريب والتدمير، سواء كان حقيقياً كتدمير الأعداء للبلدان أو هدم الأخلاق والآداب بنشر الرذائل والأفكار والمعتقدات الفاسدة والجرأة على الله تعالى، وتعدي حدوده وعدم الالتفات إلى مناهجه الربانية والنبوية، وتقليد الكافر وانتهاج منهجه ونشر البدعة والضلالة والخرافة وتهميش السنّة، واتباع مناهج الضلال والفساد والخراب، كل ذلك وغيره من الهدم والإفساد في الأرض.
ووصف فضيلته الهدم بأنه شيء بغيض ومكروه، خاصة إذا كان في الجانب المعنوي كهدم الأخلاق والآداب والسنّة، وهذا أخطر وأشد تدميراً وإيلاماً من الهدم للبنيان والقرى، لأن الناس بأخلاقهم وآدابهم ومتابعتهم لمنهج ربهم ونبيهم عليه الصلاة والسلام، فإذا ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
وتابع: لقد هلكت أمم وانتهت قرون بسبب انسلاخهم عن منهج ربهم وأنبيائهم (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ)، (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ)، فكفى خسة بالمرء أن يكون هداماً مخرباً مفسداً لأنه يتشبه في ذلك بأخس المخلوقات إبليس واليهود وإخوانهم من المنافقين. يقول الله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
وأشار إلى أن أحوال هذه الأزمان قد اختلطت وتغيرت، حيث إن أدعياء البناء كثير، حتى المخرب يزعم أنه يبني وإن كان يقدِّم أو يعرض فساداً لا يتحرج من تسميته بناء وتعميراً، فمن الناس من يبني خبثاً ويؤسس فسقاً ويسميه بأسماء القبول والرضا، والبعض باسم الإسلام يهدم ويخرب ويسمي صنيعه بناءً وذلك عندما يدعو عباد الله إلى تبني المعتقدات المضللة والأفكار المنحرفة عن منهج النبي عليه الصلاة والسلام، عندما يدعو إلى البدعة وينشر الخرافة ويزينها للناس، وهذا أيضاً من أخطر الهدم حين يهدم السنن الربانية والنبوية وينشر ما يشوش على السنة المطهرة والهدي المستقيم.
ونبه د. المريخي إلى أن نشْر ما يخالف ما جاء به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعد فساداً وتخريباً توعد الله تعالى فاعله، فيقول تعالى ذماً لبعض الأقوام على لسان شعيب عليه السلام: (فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)، فالخير كله فيما جاءت به الرسل، ومن سعى ليغير منهج المرسلين فهو من المفسدين حقيقة، والمؤمن حقاً لا يرضى بهذا أبداً، ويرى الخير كله فيما جاء به رسول الله من عند ربه.
وحذر فضيلته من يهدم ويخرب ويدمر ثم يدعي بأنه يبني، قائلا إن الله يعلم ما يفعلون، وذلك كما في قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)، فيا ويلهم، يقولون نبني وهم يُكرِهون العباد على هجْر السنن وتركها، بتسمية السنة بالأسماء المنفرة كالتشدد والتزمت ويذمون أهل السنة، يا ويلهم، يسمون الهدم بناءً حتى يقبله الناس ويرضونه ويحسبون أنهم مهتدون.
وقال في ختام الخطبة إن الذي بنى بناءً حقيقياً فإنما يبني لنفسه، ومن هدم وخرب فإنما يهدم على نفسه ويخرب عليها ويعرقل طريقه إلى الآخرة، (مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)، (فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا).
وطالب المرءَ بأن يكون بنّاءً حقيقيا كما أراد الله تعالى، يبني الدور بطاعة الله ويبني المساجد وبيوت الخير ويبني الأبدان والأنفس بالأخلاق الإسلامية والآداب والسمعة الطيبة والذكر الحسن، ويتسبب في دعوة الناس له، ويحذر كل الحذر من أن يتسبب في دعاء الناس عليه بسن السنن المنحرفة والمشاريع المدمرة والمناهج الفاسدة والطرق المتعرجة المضللة، ففي الحديث: (يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟ فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا).
أ.س /أ.ع