الصفحات المتخصصة
04 ديسمبر 2015 , 07:11ص
أ.د.أحمد يوسف علي يوسف - أستاذ النقد الأدبي والبلاغة بجامعة قطر
من جميل الخلق الاتزان العاطفي، بمعنى أن خلق الإنسان لا ينبغي أن يكون بين طرفين، الرضا والغضب، إن أحب رضي ومدح وامتدح، وإن غضب ذم واشتكى وأعاب. فتغير السلوك وتقلب الأحوال رهن بظروف كثيرة تتحكم في الإنسان، والحكم على الناس ليس سهلا لأننا لا نرى منهم إلا بقدر ما نمتلك من بصر وبصيرة. ومن هؤلاء الناس الأقربون، ومنهم الصديق والأخ والزوج والشريك والجار. وهؤلاء لهم عندنا حقوق مثل حقوقنا عندهم، ولذلك وجبت رعايتهم في حال الرضا وفي حال الغضب. وقد نكون مرغمين على هجرهم فماذا نفعل؟ هنا يكون الفرق بين هجر وهجر. هجر مُر يورث العداوة والبغضاء ويفضح ويؤسس للقطيعة ولا يزرع إلا الشوك ولا يجني إلا الحنظل، وهجر مذاقه مر، فكل هجر فيه ألم ولكنه يؤسس للتواصل بعد الفراق وللمودة بعد البعد، وللتعاطف وقت الحاجة. وهو هجر ذكراه لذيذة تحن إليها القلوب وترجو أيامها أن تعود.
فيا ترى هل نحتاج في حياتنا المتشاحنة المتزاحمة إلى الهجر الأول، أو الهجر الثاني؟ بالتأكيد على المستوى النظري، نحن نحتاج إلى الهجر الثاني، ولكننا نحتاج معه إلى زاد كبير من الصبر وسعة الصدر والتسامح والعفو والنسيان والقدرة على الاستيعاب والخوف والخشية من فوران اللسان وجيشان الصدر إذا آمنا أنه سبحانه «يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور». ليس ضروريا أن نتفق في كل شيء ولا طول الوقت، ولكن من الضروري أن نحتفظ بالهجر الجميل أو الاختلاف الجميل الذي لا يدعوني أبداً إلى الغفلة عما فيك من جمال وإسقاط حقك عندي في الذكر الجميل.
هذا الهجر وذاك لونان وردا في موقفين سلوكيين في القرآن، الأول جاء في موقف إبراهيم من أبيه حين دعاه إلى هجر آلهته، وهي بلا شك دعوة صعبة دفعت الأب إلى زجر ابنه زجرا عنيفا وكأنه لم يكن ابنه ولا عاش معه ولا شم منه رائحة البنوة وقال له: «لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا»، والهجر الملي هجر مر، قطيعة وعقاب عظيم. هذا الخلق خلا من الاتزان العاطفي، ولكن الابن كان أحرص من أبيه فلم يقابل الهجر المر بمثله وقال: «سأستغفر لك ربي».
والموقف الثاني هو موقف الطلاق الذي تضطرب فيه العواطف وتتشعب فيه السبل، وقد يتحول فيه الزوج إلى خصم عنيد. وربما تكون المرأة في مثل هذا الموقف أكثر ألما واضطرابا حتى لو كانت هي الراغبة في الطلاق، ولذلك حين رغبت نساء النبي في الحياة الدنيا وزينتها كان التوجيه قوله تعالى: «فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا»، والتمتيع مقدمة السراح الجميل أي الطلاق وما به من فراق، والتمتيع إعطاء المرأة حقها قبل التسريح أي قبل الخروج من بيت عاشت فيه أو من رباط رضيت به وعاشت تنتظره. والجمال هنا أن التمتيع على قدر الزوج من اليسر أو العسر «ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف»، وعلى قدر ما هو متفق عليه من العرف الصحيح والخلق الكريم الذي قد يدفع المرأة للعفو والحرص على ثمرات الهجر الجميل والذكر الحسن والترابط الاجتماعي بين الناس.
ahmed@qu.edu.qa