الصفحات المتخصصة
04 نوفمبر 2011 , 12:00ص
الشيخ عبدالسلام البسيوني •
غير معقول أن يتقدم رجل لممارسة الطب وهو به جاهل، لا يعرف أبجدياته، ويخلط بينه وبين الحجامة، أو عملِ حلاّقي الصحة!
وغير معقول أن يدعي أحد أنه خبير في هندسة السيارات؛ لمجرد أنه رأى لها كتالوجا، أو شاهد سيارة مرسومة في كراس ابنه الصغير!
لكن معقول.. ومعقول جدًّا.. أن يأتي مسلم بالغ عاقل مثقف مستطيع، ليؤدي فريضة الحج، وهو ميحْ/ أستيكة/ أبياااااااض، لا يعرف شيئا عن هذه الشعيرة!
هو مثقف لأنه حاصل على شهادة محترمة في الطب أو الهندسة أو الإعلام أو الأدب - أو حتى الشريعة - وبارع في تخصصه، وشغال سِنْير اسْتَفّ.
وهو مستطيع، لأنه دفع من حرّ ماله ما يمكنه أن يسدّ جشع كثير من التجار الذين يلهلبون الأسعار في الموسم، فضلاً على أنه قادر بدنيا، ولا يحول بينه وبين طاعة الله تعالى شيء. لكن هذا البالغ العاقل المثقف المستطيع (تبارك الله/ اللهم لا حسد) يأتي إلى الحج ومخه أشد بياضا من اللبن؛ فليس عنده أية فكرة عن المناسك.
فهو لا يفرق بين منى مكة، و(منى زكي)، وباب السلام و(باب الحديد)، وربما اعتقد أن مزدلفة اسم لمحطة سكة حديد بين مكة وجدة، وأن عرفات الذي يقف عليها الحجاج هو الجدة الكبرى لأبي عمار!
إن الناس يحتاجون إلى تعليم كثير لأركان دينهم- وبخاصة الحج- وإن على العلماء الكرام أن يطوروا- ما استطاعوا - من كيفية عرض المناسك، وشرح تفاصيلها؛ خصوصا للذين يحجون لأول مرة.
وليت وزارات الأوقاف في العالم الإسلامي تفرض على كل ناوٍ للحج أن يحضر هذه الدورات، وأن يتابعها، حتى لا يذهب لأداء الفريضة بذهنٍ خالٍ تماما، فالواجب أن نعبد ربنا عز وجل على بصيرة، مستحضرين نوايانا في كل خطوة نخطوها في الحج وغيره.
لذا فإنني جمعت لك قارئي العزيز هذه الغرائب، والمدهشات، من خلال مشاهداتي في مواسم الحج، ومن خلال سماعي وقراءاتي، حيث بدأت علاقتي به بالضبط قبل ثلاثين سنة، منذ حجتي الأولى.
ريح لا ينقض الوضوء!
شاب زي الفل ما شاء الله جاء - بمنتهى الجدية - يسأل مرشد الحملة عن صحة صلاته، بعد أن خرج منه ريح: هل يكمل الصلاة أم يتوقف؛ فقوبل باستغراب، وسأله الشيخ: معقول يا فلان؟ كل الناس يعرفون أن خروج الريح ينقض الوضوء، ويبطل الصلاة؟!
فقال ببراءة عجيبة يحسد عليها: ولكنه ريح طيّب، لم يكن منتنا ولا مشموما؟!
ثياب الإحرام مالهاش لزمة!
شاب ما شاء الله (زي الجدار) رافق مجموعة من المسافرين إلى مطار جدّة، ثم واصل الطريق معهم إلى مكة المكرمة، وعليه السكينة والوقار.. دفع الفضول بأحدهم ليسأله: يا أخي: ما دمت داخلاً مكة، لماذا لم تنو الحج هذا العام، وتستفيد من المناسبة؟!
- أنا نويت الحج فعلاً.
- هه؟ نويت الحج؟ كيف وأنت على سنجة عشرة، بالقميص والبنطلون؟
فقال (أيضا ببراءة يحسد عليها): ألا ينفع أن أحجّ بالقميص والبنطلون؟! هوّ لازم الفوطة البيضا دي يعني؟!
بالشبشب!
وعلى ذكر الشيطان الرجيم، فإن الرمي - كما هو معلوم - مسألة رمزية، وتوقيفية، نتبع فيها فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فليس العمود الذي يرجم هو إبليس نفسه.. لكن كثيرا من الناس قد سكنهم اعتقاد جازم أن إبليس لعنه الله قد استوطن هذا العمود بالذات.. لذا فإنك تراهم يرمونه بكثير من التشفي والغلّ، لعل أحدا أن يخلع عينه بطوبة، أو يصيبه بحجر، فيوقعه بالضربة القاضية، ويريح الدنيا منه ومن شروره..
فترى إحداهنَّ تخلع (شبشبها) من رجلها وهي تصرخ فيه: يخرب بيتك، أنت اللي طلقتني من جوزي يا بن الكلب، وهُبْ بالشبشب..
وترى آخر يمسك بعصاه الطويلة، ويظل يضرب في البناء الحجري، وهو يهدر كالفحل: اللاّ يهدّش.. الله يلعنش.. يا الهيس!
الشيطان الكبير بس!
يجهل كثير من الحجاج الكثير من الأحكام، فيسهل خداعهم، أو وقوعهم في مآزق يفسد بها حجهم.. وقد بلغني أن بعض المترفين قضى أيام الحج في أحد الفنادق الكبرى حول الحرم، معتقدا أنه حج حجا (آخر رواقة) لأن كل الناس تركوا له المكان وراحوا!
ضريح مين ده؟
على طريقة معظمي القبور والأضرحة في العالم الإسلامي دخل رجل المسجد الحرام - لأول مرة - وحين رأى الكعبة المعظمة يشير سائلاً: مين اللي مدفون في الضريح ده؟!
القبلة فين؟
وامرأة أخرى أكثر وعيا وثقافة من السابق، لما دخلت المسجد الحرام، ورأت الكعبة- شرفها الله - تتوسط المكان، فتلفتت هنا وهناك، فلم تجد محرابا كمحاريب المساجد (إللي خلقها ربنا) فسألت في حيرة: هانصلي الناحية انهين؟ فين القبلة؟
كله عند الحجاج دعاء!
آخر يحكي: كنت أطوف حول الكعبة فسمعت رجلا يدعو بحماس اللهم.. اللهم.. اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث!، فقلت له: يا أخي، هذا الدعاء تقوله إذا دخلت دورة المياه، فأجاب بسرعة: ما في مشكلة.. كله دعاء!
مش ملايكة.. دول سوريين!
ومن المواقف التي تدخل في هذا الباب ما رواه أحدهم قال: كنت أطوف وحدي طواف الإفاضة، ولم يكن الحرم مزدحما في هذه الساعة على غير العادة، فأخذت أرفع يدي، وأدعو الله سبحانه، وكان صوتي مرتفعا قليلاً، ومع كل دعوة كنت أسمع من خلفي صوتا عاليا وجماعيّا يردد آمين! وتكرر ذلك، وكنت إذا سكت سكت الصوت وحينها لا أدري كيف خطر ببالي أن الملائكة تؤمِّن على دعائي! لكن عندما التفت ورائي إذا بمجموعة من الحجاح الشاميين كانوا هم من يؤمن!
ستات ع الزيرو!
معلوم أن بعض أحكام الحج تختلف أحيانا بين الرجال والنساء، ومنها أن الأفضل للرجال أن يحلقوا رؤوسهم أو يقصروها، أما المسألة بالنسبة للنساء فهي شعيرة رمزية، فلا يقصصن من شعورهن إلا مقدار أنملة، لكن الجهل قد يدفع أحدهم للمساواة الكاملة في الأحكام بين الرجل والمرأة، ما يمكن أن يؤدي لكارثة..
الحج للرجالة.. ستات لأ!
الجهل أيضا سبب كل بلاء، والتعالم أسوأ أشكاله.. يقول أحدهم: كنا نستمع إلى أحد المشايخ، وهو يتحدّث عن أحكام الحج، وتطرّق الحديث إلى كيفيّة حج النساء، وما يجب عليهن في الحج، فقاطعه أحد كبار السن قائلاً: يا شيخ، كيف تذهب النساء إلى الحج، والله تعالى يقول: "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً"؟!
Want a cigarette ?: الدخان عند كثيرين يمثل نقطة ضعف هائلة، وحين يحج أحد المبتلين به يفتش بقة عن أن شيخ يمكن أن يقول له: لا بأس/ الدخان حلال..
بعضهم يكون ضعيفا لا يستطيع مقاومة، وآخرون فيهم بجاحة واستباحة ظاهرة، حين يحضرون معهم الشيشة ولوازمها، ليعدلوا مزاجهم في منى الميمونة، ولقد رأيت بنفسي مقاولاً قد جلب الشيشة معه، وأعد المجلس لنفسه، ولشلة الصنايعية معه، وعاتبته بشدة يومها..
المشكلة أن بعض الناس - تحت مطارق الجهل أو الإعلانات والدعاية للتبغ - لا يعتقدون أنه حرام.. يقول أحدهم: رأيت امرأة عجوز تدخّن في منى! فقلت لها بالإنجليزية: التدخين حرام، وتزداد حرمته في الحج، فابتسمت و.... قدّمت لي سيجارة!