

هذا الكتاب: «الشيخ عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء، وبائع الأمراء»، جزءٌ من موسوعتي عن الحروب الصليبية، وبالتحديد من الحملات الصليبية: الرابعة، والخامسة، والسادسة، والسابعة، ورأيت نشره على انفراد؛ لتعم الفائدة. وقد أدخلت الشيخ عز الدين بن عبد السلام في سلسلة فقهاء النهوض؛ حيث توفرت فيه الصفات المطلوبة لهذا النوع من الفقهاء النادرين؛ لأنه تصدى لقيادة الأمة في فترات حرجة من تاريخها، بل كان من الأسباب الرئيسية في انتصار المسلمين في عهد المماليك على المغول ـ كما سترى في هذا الكتاب ـ ولقد أثبت هذا العالم الجليل مجموعةً من الأمور؛ التي تدل على كونه من فقهاء النهوض، والتي منها: كونه عارفاً بشرع الله، متفقهاً في دينه وعاملاً على هدىً، وبصيرة، وهو ممَّن وهبهم الله الحكمة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]
وهو من الذين جعل الله عماد الناس عليهم في الفقه، والعلم، وأمور الدنيا، والدين.
وهو من أئمة الدين الذين نالوا هذه المنزلة العظيمة بالاجتهاد، والصبر، واليقين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].
ـ وهو من الفرقة التي نفرت من هذه الأمة لتتفقه في دين الله، ثم قامت بواجب الدَّعوة ومهمَّة الإنذار ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].
ـ وقد شهد له علماء عصره بالفقه، والعلم، وأذنوا له بالتصدي للإفتاء، والتدريس.
وهو ممَّن شافه العلماء، وزاحمهم بالرُّكب في الحلق، واطلع على مجمل الأحكام الشرعية، فهو لم يقرأ نتفاً، بل درس العلوم الشرعية دراسةً شاملةً عامَّةً، فمرَّ على مسائل العلم، واستطاع تخريجها على أصولها، وأصبحت لديه ملكة فهم النصوص، وعرف مقاصد الشريعة، وأهدافها العامة، فعلمه لم يأته من قراءة ليلةٍ، بل من سَهَر الليالي، ومعاناة الأيام، وديمومة طلب العلم، وتعلمه من المحبرة إلى المقبرة.
لقد عاصر الشيخ عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب، ونهاية الدولة الأيوبية، وقيام دولة المماليك، فترك لنا اثاراً كبيرةً في الشأن العام، والسياسة الشرعية، وفقه المصالح والمفاسد، والتصدِّي للغزاة. لقد تحدَّثتُ في هذا الكتاب عن سيرته، ونشأته، وشيوخه في طلب العلم، وتلاميذه، ومؤلفاته، وسمات التأليف عنده، وأعماله في التدريس، والإفتاء، والقضاء، والورع، والتقوى، والبلاغة، والفصاحة، وأهم محاور التجديد عنده، كسعيه لتقنين أصول الفقه، ومجالات التربية، والأدب، والتصوف، وإبداعاته الجميلة فيها، وجهاده، ثم وفاته، وثناء العلماء عليه قديماً، وحديثاً.
إنَّ عزَّ بن عبد السلام مدرسةٌ شامخة في فهم مقاصد الشريعة، وفقه المصالح والمفاسد، وفكِّ الاشتباك بين السياسة الشرعية، والعقائد، فقد ساهم في نهضة الأمة فقهياً، وفكرياً، وجهادياً، وسياسياً، وأخلاقياً، فاستحقَّ أن نسجله بماء الذهب على صفحات الزَّمن في سلسلة فقهاء النهوض.
وقد انتهيتُ من مقدمة هذا الكتاب يوم الأحد الساعة العاشرة والربع صباحاً 13/5/1429هـ 18/5/2008م بالدوحة. والفضل لله من قبل، ومن بعد! وأسأله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يجعل عملي لوجهه خالصاً، ولعباده نافعاً، ويشرح صدور العباد للانتفاع به، ويبارك فيه بمنه، وكرمه، وجوده، وأن يثيبني على كل حرف كتبته، ويجعله في ميزان حسناتي، وأن يثيب كلَّ من ساهم على إتمام هذا الجهد المتواضع ونشره! ونرجو من كلِّ مسلمٍ يصله هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه، ومغفرته، ورحمته، ورضوانه من الدعاء!
﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19].
وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: 2].
وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 180-182]
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك! وآخر دعوانا: أن الحمد لله ربِّ العالمين
الأخوة الكرام! يسرني أن تصل ملاحظاتكم، وانطباعاتكم حول هذا الكتاب، وغيره من كتبي من خلال دور النشر، وأطلب من إخواني الدعاء لي في ظهر الغيب بالإخلاص لله رب العالمين، والصواب للوصول للحقائق، ومواصلة المسيرة في خدمة تاريخ الأمة، والمساهمة في النهوض لها.