لماذا نتحمل تكاليف إصلاح سياراتنا من حوادث تسبب بها مخالفون ؟
تحقيقات
04 أكتوبر 2015 , 02:49ص
محمد سيد احمد
يروي مواطن قطري عن حادث حصل معه بينما كان يقضي إجازته في بلد أوروبي، يقول: «اتصلت بشركة التأمين الذين حضروا في غضون نصف ساعة وأحضروا لي سيارة أخرى لأستخدمها، وتكفلوا فورا بنقل السيارة المتضررة وطلبوا مني ألا أقلق بشأنها»، ويتساءل أبومحمد وهو يستعرض الصور: «انظروا يا سادة مندوب الشركة هناك أعطاني سيارة كي لا يتعطل برنامجي، وسيارتي التي تضررت بشكل كبير نتيجة رعونة سائق متهور بقيت شهرا حتى تمكنت من إرسالها إلى أحد محلات الصيانة الذي حددته لي شركة تأمين السيارة المتسببة بالحادث، واضطررت لاستئجار سيارة لمدة شهرين حتى تم إصلاح سيارتي، يا سادتي حزمة القوانين التي تعالج حوادث السيارات لدينا تستغل في صالح شركات التأمين، ولماذا نتحمل نحن المتضررون تكاليف الحوادث التي تسبب بها مستهترون؟».
ولا يزال العديد من المواطنين والمقيمين يعانون من أضرار حوادث السيارات وتبعاتها وما يعنيه ذلك من تكاليف مالية باهظة يتحملها أصحاب السيارات في حالة ما إذا كانت الحوادث ناتجة عن استهتار بعض السائقين كقطعهم الإشارات المرورية وهي حمراء وتسببهم في حوادث وخسائر مادية وبشرية، كما أن بعض هؤلاء المستهترين يمارسون هوايتهم في المواقف العامة أمام الجهات الخدمية، والمجمعات والأسواق والإدارات، حيث يتسبب بعضهم في حوادث صدم سيارات الآخرين والفرار من مكان الحادث دون تركهم لبياناتهم التي تساعد المتضرر على التواصل معهم وأخذ حقه عن طريق شركات التأمين، فمشكلة الحوادث وما يتعلق بها من إجراءات متعرجة دفعت بالبعض إلى المطالبة بإعادة النظر في حزمة القوانين المتعلقة بالحوادث، سواء أكانت صادرة من إدارة المرور، أو قوانين شركات التأمين، وحتى ما يتعلق منها بالمحاكم.
وبحسب استطلاع أجرته «العرب» مع مواطنين ومقيمين، تبين أن هناك مشكلة في استغلال القوانين تحول دون حصول المتضررين من بعض الحوادث على حقوقهم، وتساءل بعض رواد المنتديات عن جدوى بعض هذه القوانين، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالعامل البسيط، أو المتهور الذي لا يحمل رخصة قيادة، فهؤلاء عندما يتسببون في حوادث تتخذ إدارة المرور الإجراءات المناسبة في حقهم، وتطالب مالك السيارة المتضررة بإصلاح سيارته على حسابه وتقديم الفواتير للمحكمة بعد إحالة الجاني إليها، لكن ما فائدة تقديم فاتورة بعشرات الآلاف لعامل بسيط لا يتجاوز راتبه ألفي ريال قطري، أو وافد ما زال يبحث عن عمل يقود سيارة صديقه دون حصوله على رخصة قيادة قطرية، فهل لدى هؤلاء القدرة على تسديد هذه التكاليف وهم طلقاء؟ ناهيك من قدرتهم وهم في السجون؟
وطالب هؤلاء بتحديد جهة تستطيع تحمل المسؤولية وإنصاف المتضررين، وعدم تركهم فريسة أمام أناس يقودون سياراتهم بعقلية «افسح فأنت المتضرر في كل الأحوال»، مؤكدين أن الجهات المعنية لا بد أن تعيد النظر في هذا الموضوع الذي بات يؤرق العديد من الناس.
إعادة النظر في القوانين
يقول حسن عبدالكريم إن تحقيق العدل والإنصاف في هذا الجانب يتطلب إعادة النظر في قوانين المرور المتعلقة بحوادث السيارات، ودور شركات التأمين، حيث إن بعض قوانين التأمين تقف حاجزا منيعا أمام حصول الناس على حقوقهم، وتحول الضحية إلى جلاد والعكس، إذ من غير المعقول أن يتحمل المتضرر ظلما كل تكاليف إصلاح سياراته التي حطمها متهور في لحظة جنون، وهنا أتساءل عن قدرة الوافد الذي لا يتجاوز راتبه 2000 ريال، وكيف يمكنه التكفل بدفع تكاليف إصلاح سيارة تسبب في تضررها، ويتطلب إصلاحها 20 أو 30 ألف ريال؟ هذا السائق الآسيوي يقود سيارة لمواطن أو مقيم، وبالتالي يجب على شركات التأمين أن تجد حلا لهذه المعضلة، فالسائق الآسيوي عندما يقطع الإشارة وهي حمراء ويحطم سيارة أو سيارات، ثم تأتي شرطة المرور وتكتشف أن رخصته منتهية أو لا وجود لها أصلا، فكيف يعقل إلزامه بدفع تكاليف ما تسبب به من أضرار، وحالته المادية لا تسمح بذلك، ولو بقي في السجن بقية عمره ما استطاع دفع تلك التكاليف، ولو أطلق وعاد يعمل بنفس الراتب لن يستطيع دفع تكاليف الأضرار التي تسبب بها، لذا لا بد من وضع حلول عملية لهذه المشكلة، وإلا فإن مصالح الجميع في خطر.
حوادث المجهولين
من جهته يرى خليفة ناصر الشهراني أن المشكلة ليست في عجز بعض السائقين عن تحمل تكاليف ما تسببوا به من أضرار، بل في قوانين التأمين، وبعض قوانين المرور، فالحوادث المسجلة ضد مجهولين التي تحدث في مواقف السيارات تسبب أيضا مشكلة كبيرة يجب أن يوضع لها حل، فقبل فترة تصاعدت شكاوى العديد من المواطنين من حوادث اصطدام مجهولين بسياراتهم خلال تواجدها في المواقف العامة في الشوارع والمجمعات التجارية، أو في مواقف منازلهم، حيث يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان مضطرين لدفع تكاليف إصلاح سياراتهم لعدم تغطية التأمين، وأضاف: «في حالة عدم التأمين الشامل على السيارة ضد أخطاء مالكها وأخطاء الغير فإن شركات التأمين لا تلتزم بتحمل تكاليف الإصلاح إذا لم يتم تحرير محضر ضد المتسبب في الحادث، لأن القواعد المعمول بها في شركات التأمين لتحمل تكاليف إصلاح السيارات تشترط سريان استمارة تأمين السيارة، أو تحديد المتسبب في الحادث في حالة ما إذا كان نوع التأمين (ضد أخطاء الغير)». ولفت إلى أن هذا النوع من الحوادث وهروب مرتكبيها يرجع إلى عدة أسباب من أهمها: أن يكون للمتسبب في الحادث مشاغل تستدعي منه مغادرة المكان بأسرع وقت خشية التأخر والتعطل، وهذا النوع من الناس يحمل روحا مسؤولة، حيث يترك لصاحب السيارة المتضررة بياناته الشخصية وأرقام هواتفه ليتمكن المتضرر من أخذ حقه كاملا، وهذا النوع من الأشخاص نادر جدا، ولا مشكلة معه، لكن المشكلة تكمن في السائق الآسيوي، الذي يفر من مكان الحادث خشية مساءلته من رب العمل، الذي لن يتردد في تقريعه والاعتداء عليه بالألفاظ النابية، بالإضافة إلى الأشخاص الذين يقودون سيارات وهم لا يحملون رخصة قيادة قطرية من الأساس، ويخافون من الذهاب إلى إدارة المرور التي لن تتردد في تطبيق القانون بحقه وإيقاع العقوبات المترتبة على هذه الجريمة، فهؤلاء يشكلون معضلة حقيقة بهروبهم من مكان الحادث وتركهم مالك السيارة المتضررة يندب حظه العاثر متحملا أتعاب الذهاب إلى شرطة المرور أو أمن العاصمة، وتسجيل بلاغ ضد مجهول، ومن ثم البحث عن ورشة لإصلاح سيارته، كل هذه التكاليف يتحملها المتضرر الذي لا ذنب له، فمثل هذه المواقف تتسبب في ضرر بالغ لصاحب السيارة المتضررة إذا لم يكن التأمين شاملا، ناهيك عن الإحراج الذي يسببه هذا التصرف للسائق إذا لم تكن السيارة ملكا له، كما يحدث دائما، لأن بعض الأشخاص قد يضطرون لإعارة سيارة من أحد أصدقائهم للذهاب بها إلى مكان ما، فيفاجأ بشخص يصدمها ويذهب دون أن يترك أي بيانات تمكن الضحية من أخذ حقه من شركات التأمين.
وأضاف الشهراني أنه وقع ضحية لمثل هذا النوع من المستهترين قبل سنة ونصف، فبعد ركنه لسيارته في أحد الأماكن العامة والدخول لتخليص بعد مهامه، رجع إلى سيارته ليجدها مدعومة بقوة، استدار حولها لعله يجد ورقة تحمل رقم الجاني، لكن تبين له ألا أثر لأي بيانات تقود إلى المتسبب في الحادث، بعد ما أفاق من صدمة المشهد شرع في اتخاذ الإجراءات، وتوجه إلى الجهات المعنية لتقديم بلاغ ضد مجهول، واستخرج ورقة تسمح بإصلاح سيارته التي كلفه إصلاحها مبلغا كبيرا نتيجة استهتار شخص عديم الإحساس بالمسؤولية، وهذا ما يتطلب تدخلا من طرف الجهات المرورية والقانونية والاجتماع بشركات التأمين لإعادة صياغة قوانين تنصف المتضررين يقعون ضحايا لغيرهم، فبعض الأشخاص اعتادوا على ذلك فقد يقومون بصدم السيارة وكأنهم لم يقوموا بعمل شيء يذكر ويتركونها دون التفكير في كيفية التواصل مع صاحبها أو دون تقدير للمسؤولية ودون تقدير للضرر الذي ربما يتكبده صاحب السيارة المتضررة نتيجة لهذا السلوك غير المسؤول.
كاميرات مراقبة
أما خالد القحطاني فيرى أن إيقاف ظاهرة هروب المتسببين في الحوادث في الأماكن العامة تؤكد أهمية الكاميرات في الأماكن العامة لتساعد رجال المرور على كشف الجناة، فوضع كاميرات مراقبة في المواقف العامة لتحديد هوية مرتكبي حوادث السيارات، لا شك أنها ستساعد في رفع الضرر عن أصحاب السيارات التي تتعرض للاعتداء من طرف المتهورين الذين يلوذون بالفرار، وكأن شيئا لم يقع، فالمدن العصرية في العالم باتت تعتمد على كاميرات المراقبة لكشف الجناة، بعد أن قل الوازع الديني وغابت ثقافة القيادة والسلوك الحضاري، والشعور بالمسؤولية، فبغياب هذه المثل العليا أصبحنا نسمع ونشاهد مثل هذه التصرفات التي تتنافى مع الدين والقيم، إذ لو شعر هذا الجاني بالمسؤولية وترك بياناته ورقم هاتفه، لساعد المتضرر في الحصول على حقه وتصليح سيارته عن طريق شركات التأمين التي تستنزف جيوب الجميع، من هنا يجب أن يتحلى الجميع بروح المسؤولية والضمير الحي الذي يحول بينه وبين التسبب في الأذى والضرر بمصالح الآخرين أو الاعتداء على حقوقهم بهذا الشكل الذي يجعل المخطئ يفر دون مساءلة مخلفا وراءه أضرارا نفسية ومادية لغيره.
وحتى أتفهم استعجال البعض وتصرفهم بهذا الشكل أريد أن أنبه الجميع على أن المتسبب في الحادث إذا كانت ظروفه لا تسمح له بالانتظار في موقع الحادث فعليه أن يترك بياناته على سيارة المتضرر، مع كلمات اعتذار والتأكيد على أنك ستذهب معه للمرور لعمل التقرير اللازم لكي تتحمل شركة التأمين تكاليف الإصلاح بدلا من أن يتحملها الشخص المتضرر ويتكبد مبالغ كبيرة قد تحول حياته إلى نكد لفترة من الزمن، وعلينا في نهاية المطاف أن نعي ونعرف أن المتسبب في الحادث إذا قام بواجبه وترك بياناته، وذهب لاحقا مع المتضرر إلى إدارة المرور فلن يخسر أي شيء، فشركات التأمين هي التي تتحمل المسؤولية في حالة وجود الطرفين المتسبب في الضرر والمتضرر، لكن في حال غياب المتسبب في الحادث فإن الضرر الأكبر يقع على صاحب السيارة الذي يتحمل التكاليف بأكملها إذا كانت نوعية تأمينه ضد الغير.
أفق مظلم
وكتأكيد على خطورة الوضع ننقل شكوى أحد أعضاء منتدى شبكة الأسهم القطرية التي يشبّه فيها إجراءات الحوادث التي تكون فيها أوراق سيارة المتسبب منتهية أو لا يحمل رخصة قيادة، بالنفق المظلم، ويروي ما حدث معه في هذا المجال ويقول: «منذ 3 أشهر مضت تعرضت سيارتي لحادث مروري وكان المتسبب قد تخطى إشارة المرور الضوئية واصطدم بسيارة أخرى لها حق أولوية المرور وانحرفت تجاهي مخلفة أضرارا في مقدمة سيارتي، وتبين أن استمارة وتأمين المتسبب في الحادث منتهية الصلاحية! وأدركت حينها أننا سندخل نفقا مظلما قد يطول السير فيه. بعد اكتمال إجراءات تحقيق شرطة المرور أبلغنا من طرفهم أن قائد السيارة المتسببة سيحول إلى النيابة العامة بتهمة تخطي الإشارة الضوئية والتسبب في الحادث المروري، وبالإمكان تصليح السيارة وموافاتهم بفواتير تكلفة إصلاحها لحين عرض المتسبب على النيابة العامة، ومنذ ذلك الحين لم يردنا أي نبأ عن سير القضية، قمت بمراجعة إدارة المرور وأفادوني بمراجعة نيابة المرور والتي أفادتني على لسان أحد موظفي خدمة الجمهور أن الموضوع حددت أولى جلساته في شهر أكتوبر لمحاكمة سائق السيارة مع احتمال عدم إجبار مالك السيارة المتسببة سداد تكاليف إصلاح سيارتي! والأفضل رفع قضية مدنية للمطالبة بحقك! تملكتني حالة من اليأس والدهشة وأنا أستمع إلى إفادة الموظف، ليس لأنني تكفلت بإصلاح ما أفسده غيري فحسب! وإنما بسبب حالة تراخي إجراءات التقاضي وانتظار قد يطول مداه ناهيكم من غياب ضمان الأمن المروري الذي ينبثق من الأمن القومي. خرجت من مبنى النيابة العامة وأنا أجر ورائي خيبة ألمت في نفسي وحزنا على غيري من إهدار حقوق الضحايا أمثالي. والحل ليس برفع دعوى مدنية للمطالبة بحقوقي، فكم وكم ستستغرق من الوقت لإصدار الحكم لصالحي هذا إن لم يكن المتسبب معسرا من سداد تكلفة أضراره!».
وأضاف أن الواقع مؤلم ولا يستجيب لقواعد العدالة التي نسمع بها ولا نراها، فالمفروض أن تتكفل إدارة المرور بإجراءات التقاضي كأقل واجب جزاء عن تراخيها عن التحقق من سلامة المركبات وتجديد استماراتها في حينه، فالظلم واقع بسبب تقاعسها، وها هي النتيجة تمثلت في مكافأة المستهتر ومعاقبة الضحية، وسيستمر الظلم إن لم يعاد النظر في ضمانات الحوادث المرورية كي يتم القضاء على مثل هذه الحالات الأليمة؛ لذلك فإنني أتوجه إلى الوزارة لعلي أجد الجواب لديهم وإلا فأبواب السماء لم ولن تغلق أبدا.