وفاة أول ضحية تعذيب بعد الثورة المصرية
الصفحات المتخصصة
04 أكتوبر 2012 , 12:00ص
القاهرة - فاطمة حسن
تواصل نيابة مركز طهطا بمحافظة سوهاج بصعيد مصر التحقيقات الموسعة في قضية وفاة عامل داخل مركز الشرطة، عقب قيام قوة من المباحث بضبطه لتنفيذ حكم بالحبس أسبوعين في قضية «تبديد» واشتباه أسرته في وفاته نتيجة تعرضه للتعذيب على يد أفراد القوة الأمنية خاصة بعد تأكيد تقرير مفتش الصحة بوجود كدمات وآثار دماء في أنف الضحية.
واستمع مدير النيابة لأقوال زوجة الضحية، وثلاثة من أبنائه حيث اتهموا في أقوالهم ضباط وأفراد قوة الضبط بضرب الضحية وتعذيبه والتسبب في وفاته، وطلبت النيابة في تحقيقاتها التي باشرها المحامي العام لنيابات شمال سوهاج استعجال تقرير الطبيب الشرعي الخاص بتشريح جثة الضحية، وبيان مدى وجود شبهة جنائية في الوفاة من عدمه.
كان مدير أمن سوهاج قد تلقى بلاغا من مركز شرطة طهطا بقيام قوة من مباحث المركز ضمت ضابط تنفيذ الأحكام وأفراد من الشرطة النظامية والسرية باستهداف عامل بقرية «بنجا» بدائرة المركز يدعى (محمد.إ) 47 سنة، والمطلوب ضبطه في القضية رقم 15 جنح «تبديد» لتنفيذ حكم بالحبس أسبوعين وكفالة 20 جنيها.
وقال إخطار مديرية الأمن: إنه لدى ضبط المذكور قام بتوجيه الألفاظ النابية لأفراد القوة، إلا أنه تم احتواء الموقف وتهدئته واصطحابه للمركز، وأثناء إنهاء الإجراءات القانونية بوحدة مباحث المركز سقط مغشيا عليه، وتم نقله على الفور إلى المستشفى المركزي لإسعافه إلا أنه وصل جثة هامدة.
وأضاف الإخطار الأمني: إنه بتوقيع الكشف الظاهري على المذكور لم يتبين وجود ثمة إصابات ظاهرية بالجثة ما عدا «كدمة بالأنف» زعم الإخطار الأمني أنها حدثت نتيجة سقوط الضحية أرضا على وجهه.
«العرب» انتقلت إلى قرية «بنجا» موطن الضحية للتعرف أكثر على الحقيقة ورصد الواقع الفعلي لتعامل بعض ضباط وأفراد الشرطة مع بسطاء من المواطنين اضطرتهم ظروف الحياة القاسية والمعيشة الصعبة أن يكونوا فريسة لقوانين وأحكام ظالمة، لا تطبق إلا عليهم دون شفقة أو رحمة أو مبالاة في تعذيبهم وإزهاق أرواحهم، رغم قيام ثورة كانت من المفترض أن تقضي على الظلم والفساد وتحقق العدل.
داخل القرية استقبلنا (محمد.ط) 58 سنة تاجر، والد زوجة الضحية، ليروي لنا قصة حكم الحبس الصادر بحق زوج ابنته قائلا: محمد عامل زراعي باليومية ولديه 6 من الأولاد والبنات وهم: إسلام 16 سنة، ويعمل باليومية في الزراعة لمساعدة أسرته، وحنان في الصف الثاني الإعدادي، وكريم في الصف السادس الابتدائي، ومحمد في الصف الرابع الابتدائي، ودعاء 3 سنوات، والزعيم سنتان، وجميعهم يقطنون في منزل صغير مبني بالطوب الأحمر، ومكون من طابقين، وهناك مساحة فضاء ملاصقة للمنزل مساحتها 8 متر مربع، ضمها محمد إلى منزله من خلال إحاطتها بالطوب منذ ما يقرب من 10 سنوات لاستغلالها في تشوين بعض احتياجاتهم المنزلية.
واستطرد: لكن محمد فوجئ بقيام موظفي الوحدة المحلية بتحرير محاضر وغرامات له بدعوى استيلائه على أملاك الدولة، وانتهى الأمر إلى إلزامه بدفع مبلغ من المال نظير انتفاعه بهذه القطعة، وتمكن محمد من دفع جزء كبير من المبلغ المطلوب، وتبقى عليه قسط بمبلغ 300 جنيه، لم يستطع دفعها نظرا لظروفه المعيشية الصعبة، فتم تحرير محضر ومخالفة عدم سداد له، وقضت عليه محكمة الجنح بالحبس أسبوعين، ودفع غرامة 20 جنيها.
وتقول زوجة الضحية سعاد محمد طه 36 سنة ودموعها تسبق كلامها وسط مجموعة من النساء افترشن الشارع لتقديم واجب العزاء نظرا لضيق المنزل: «زوجي عامل أجري غلبان، وإحنا ناس غلابة، وعايشين أنا وزوجي و6 عيال في غرفتين بالدور الثاني، والدور الأرضي عايشة فيه أم زوجي وبنتها وأغلب أكلنا «جبنة قديمة» علشان نقدر نوفر مصاريف العيال اللي بتتعلم في المدارس.
وتروي سعاد قصة ضبط قوة المباحث لزوجها قائلة: «محمد كان قاعد وسط العيال بيتغدا، وفجأة لقينا واحد لابس أفندي وفي جنبه طبنجة طلع لنا فوق ومعاه اتنين، وقال لزوجي: قوم معانا ياد إنت عليك حكم، فرد عليه محمد يا باشا هي الشرطة لسه قاعدة كده بتهجم على البيوت، هو الكلام ده مش بطل من بعد الثورة، وبعدين أنا راجل غلبان مش تاجر مخدرات ولا قاتل ولا سارق يدوب عليا غرامة».
وتضيف سعاد: «الضابط غضب من كلام زوجي وقال له: بلاش لماضة» فرد عليه زوجي بلاش شتيمة يا باشا أنتم الناس بتضربكم بره وبتشطروا بس على الغلابة، فشتمه الضابط مرة أخرى، وقال له: مين يقدر يضربنا يا ابن «....». فرد عليه زوجي الشتيمة بعدما اتكسف قدامي وقدام العيال، وبعدها جن جنون الضابط فصفعه بالقلم على وجهه، واستدعى باقي أفراد القوة وانهالوا عليه ضرب داخل الحجرة وجرجروه على السلم وسط صراخي وصراخ والدته والأطفال، واستغثت بأحد المخبرين الموجودين في القوة علشان يخلي الضابط يسيبوه فقال لي بعدما وضعوه نائما على بطنه في بوكس الشرطة، وحياة أمك ما هتشوفيه تاني».
وتكمل سعاد: «قوة المباحث خلعت محمد الجلابية اللي كان لابسها بعدما تمزقت من الشد فيه والضرب وطلبوا مننا جلابية تاني ليه علشان يلبسها قبل ما يخدوه معاهم، ومحمد طلب مننا نتصرف في مبلغ 200 جنيه، ونستلفهم من الجيران، وقال: أنا معاي 100 جنيه، وتصرفوا في باقي المبلغ وهاتوه، وتعالوا وراي قسم الشرطة علشان يسيبوني لكن بعدما تصرفنا في المبلغ بعد ساعة بالضبط أرسلوا لنا واحد من أهل البلد يبلغنا إن محمد مات».
وتؤكد سعاد أنها خافت على ضياع حق زوجها بعد موته وضياع قضيته دون محاسبة المتسببين في وفاته، فمكثت أمام استراحة النيابة تطلب الاستغاثة، فخرج لها وكيل النيابة الساعة الواحدة صباحا، وتحرك معها إلى المشرحة وأجرى معاينة للجثة، وطمأنها بأن حق زوجها لن يضيع.
وتختتم (خديجة.هـ) 75 سنة والدة الضحية هذه القصة المؤلمة، وهي تمسك بصورة نجلها تقبلها، وتبكي قائلة: «محمد هو اللي فضل لي من الدنيا بعد وفاة أخوه، وكان بيصرف عليا، ويأكلني مع عياله، وطلبت من الضابط اللي خده إنه يسيبوه، وقبلت أيده، وقلت له حرام عليك ده هيأكلني ويصرف عليا، وما ليش غيره، لكن الضابط دفعني بيده، وقال لي: امشي من وشي يا مرة يا شايبة».
وحصلت «العرب» على فيديو للضحية داخل المشرحة قبل عملية التشريح يظهر آثار كدمات وضرب على ظهر الضحية، وجرح غائر في كتفه، وآثار دماء غزيرة أسفل رأسه.