الفنان التشكيلي ناصر العطية لـ «العرب»: «سرياليتي» مستمدة من البيئة والتراث القطري

alarab
المزيد 04 سبتمبر 2026 , 01:24ص
محمد عابد

 المشهد التشكيلي القطري أكثر ثراء.. لكنه يحتاج إلى نقد وتوثيق أعمق

 تجربتي في باريس جعلتني أكثر وعيا بهويتي المحلية وقيمتها

 أبحث في اللوحة عن أسئلة الحقيقة والذاكرة والزمن والبصيرة

 التراث ليس قيدًا.. والعالمية تبدأ من خصوصيتنا 

 أبحث في اللوحة عن الحقيقة خلف الظاهر.. وأرفض تكرار تجربتي 

 

أكد الفنان التشكيلي ناصر العطية أن السريالية لا تزال حاضرة في تجربته من خلال حرية الخيال وكسر العلاقات المنطقية، لكنه طور «سرياليته الخاصة» المستمدة من البيئة والذاكرة والتراث القطري.
وقال في حوار خاص لـ «العرب» على هامش مشاركته في معرض «سواعد» الذي اختتم مؤخرا في متاحف مشيرب إن هذه المشاركة تمثل محطة مهمة في مسيرته، لافتا إلى أن المشهد التشكيلي القطري أصبح أكثر ثراء وانفتاحا، مع تنوع التجارب والأجيال والأساليب. 
وأضاف أن التراث ليس مادة للحفظ فحسب، بل مصدر قابل لإعادة التأويل ومخاطبة الإنسان المعاصر، مشيرا إلى أن تجربته تتجه اليوم نحو أسئلة الحقيقة والذاكرة والزمن والبصيرة، مؤكدا أن العالمية لا تعني التخلي عن الهوية المحلية. 
 ودعا العطية إلى تعزيز النقد والتوثيق والدراسات المتخصصة لتبلور مشروع تشكيلي قطري أكثر وضوحا، مؤكدا أن الحضور الدولي يتطلب مشروعا فنيا متماسكا وتراكما مستمرا، كاشفا عن طموحه لإنجاز مشروع يجمع الرسم والذاكرة البصرية القطرية في تجربة معاصرة تقدم عربيا ودوليا. 
 وإلى التفاصيل:

 نبدأ من مشاركتك الأخيرة في معرض «سواعد» بمتاحف مشيرب.. ماذا تمثل لك هذه المشاركة اليوم، بعد سنوات طويلة من العمل في المشهد التشكيلي القطري؟
تمثل لي المشاركة في معرض «سواعد» محطة مهمة في مسيرتي الفنية؛ لأنها جاءت ضمن فضاء ثقافي يحمل ذاكرة قطر وتحولاتها، وتجمعني بفنانين من أجيال وتجارب متعددة. وبعد سنوات طويلة من العمل، ما زلت أتعامل مع كل معرض بوصفه بداية جديدة وفرصة لإعادة النظر في تجربتي، وليس مجرد إضافة إلى سجل المشاركات. كما أن وجود العمل أمام جمهور متنوع يمنحه حياة أخرى، ويكشف لي قراءات ربما لم أفكر فيها أثناء إنجازه.

مساحة واسعة للتعبير عن قضايا المجتمع
«سواعد» جمع تجارب وأجيالًا وأساليب مختلفة من الفنانين.. ما الذي يضيفه هذا التنوع إلى تجربتك أنت، وماذا يكشف لك عن المشهد التشكيلي القطري الراهن؟
هذا التنوع يفتح بابا للحوار بين تجارب لا تتشابه بالضرورة، لكنها تلتقي في انتمائها إلى المشهد الثقافي القطري. وبالنسبة إليّ، فإن مشاهدة أعمال الأجيال الجديدة تمنحني طاقة متجددة، وتعرّفني إلى أساليب وتقنيات ورؤى مختلفة.
وفي الوقت نفسه، أعتقد أن هذا التنوع يكشف أن المشهد التشكيلي القطري أصبح أكثر ثراء وانفتاحا، ولم يعد محصورا في اتجاه واحد أو مدرسة واحدة، بل صار مساحة واسعة للتجريب والتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع.

عندما اخترت العمل الذي قدمته في «سواعد»، هل كنت تفكر في سياق المعرض الجماعي، أم أن العمل يمثل مرحلة مستقلة في مشروعك الفني؟
العمل ينتمي في الأساس إلى مشروعي الفني ورؤيتي الخاصة، لكنني عند اختياره كنت واعيا أيضا بالسياق الجماعي للمعرض. كنت أبحث عن عمل يستطيع أن يحافظ على استقلاليته، وفي الوقت نفسه يدخل في حوار بصري وفكري مع الأعمال المحيطة به. فالمعرض الجماعي لا يلغي خصوصية الفنان، بل يضعها في مواجهة تجارب أخرى ويمنحها أبعادا وقراءات جديدة.
ارتبطت تجربتك بالسريالية، لكنك وصفتها ذات يوم بأنها «سريالية خاصة».. ماذا بقي من هذه السريالية في أعمالك اليوم، وماذا تغير؟
ما بقي من السريالية في أعمالي هو حرية الخيال، وكسر العلاقات المنطقية بين العناصر، والبحث عما وراء المشهد الظاهر. لكنني لم أتعامل مع السريالية بوصفها قالبا جاهزا أو تقليدا لمدرسة غربية، بل طورت ما يمكن أن أسميه «سرياليتي الخاصة»، المستمدة من بيئتي وذاكرتي وتراثي وأسئلتي الشخصية..
وما تغير اليوم هو أن الرمز أصبح أكثر هدوءا ونضجا، وأقل مباشرة، وأصبحت اللوحة تعتمد على الإيحاء وترك مساحة أكبر للمشاهد كي يشارك في اكتشاف معناها.
في أعمالك تلتقي الأسطورة والخيال والواقع والرمز.. كيف تولد اللوحة عندك؟ وهل تبدأ بفكرة ذهنية أم بصورة أو إحساس؟
لا تولد اللوحات عندي بطريقة واحدة. فقد تبدأ بإحساس غامض، أو ذكرى قديمة، أو صورة عابرة، أو موقف يثير سؤالا داخليا. بعد ذلك تبدأ العناصر في التكوّن، وأدخل معها في حوار حتى تتضح ملامح العمل. أحيانا أبدأ بفكرة محددة، لكن اللوحة أثناء التنفيذ تقودني إلى مسارات لم أخطط لها، لأنني أؤمن بأن العمل الفني لا ينبغي أن يكون مجرد ترجمة حرفية لفكرة جاهزة.

الغوص والذاكرة الشعبية
التراث، وخاصة البحر والغوص والذاكرة الشعبية، حاضر في تجربتك، ومن أبرز مفرداته شخصية «بودرياه».. ما الذي يجعلك تعود إلى هذه الذاكرة باستمرار؟
أعود إلى هذه الذاكرة لأنها جزء من تكويني وهويتي، ولأن البحر في الوجدان القطري ليس مجرد مكان، بل عالم كامل من الحكايات والمخاوف والأحلام والتضحيات. أما «بودرياه» وغيره من شخصيات الذاكرة الشعبية، فهي ليست بالنسبة إليّ مجرد حكايات قديمة، بل رموز تحمل دلالات إنسانية ونفسية قابلة لإعادة الاكتشاف.
وكلما عدت إلى هذه الذاكرة وجدتها مختلفة، لأنني أنظر إليها في كل مرحلة بعين جديدة وخبرة مختلفة.

 هل تتعامل مع التراث باعتباره ذاكرة ينبغي الحفاظ عليها، أم مادة قابلة لإعادة التأويل والقراءة من منظور الإنسان المعاصر؟
أتعامل معه بالطريقتين معا. فالتراث ذاكرة يجب الحفاظ عليها، لكنه إذا بقي محفوظا من دون قراءة جديدة فقد يتحول إلى شيء جامد. مهمة الفنان ليست نسخ الماضي، وإنما استحضاره وإعادة تأويله وطرح أسئلته من خلال واقعنا الراهن.
لذلك آخذ من التراث رموزه وروحه، ثم أعيد بناءها بصريا بما يجعلها قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر، سواء كان ينتمي إلى البيئة نفسها أم إلى ثقافة مختلفة.

تناولت في مراحل مختلفة موضوعات مثل الحرية والشيخوخة والإنترنت.. ما الذي يشغلك اليوم كفنان؟ وما الأسئلة التي تبحث عن إجاباتها في لوحتك؟
 يشغلني الإنسان في علاقته بالحقيقة والذاكرة والزمن، وكيف تتغير رؤيته إلى نفسه وإلى الآخرين تحت تأثير التحولات المتسارعة. أطرح أسئلة حول الأحكام التي نصدرها، والصور التي نصنعها عن بعضنا، وتأثير التكنولوجيا في وعينا وعلاقاتنا.
لا أبحث في اللوحة عن إجابات نهائية، بل أحاول أن أصنع مساحة لتأمل المتلقي.

شاركت في الإقامة الفنية بباريس.. ماذا فعل الاحتكاك بالتجارب الفنية العالمية بتجربتك؟ هل عزز هويتك المحلية أم دفعك إلى تجاوزها؟
الإقامة الفنية في باريس منحتني فرصة لرؤية تجربتي من خارج محيطها المعتاد، والاحتكاك المباشر بمتاحف وتجارب واتجاهات فنية متنوعة. هذا الاحتكاك لم يدفعني إلى التخلي عن هويتي المحلية، بل جعلني أكثر وعيا بقيمتها.
عندما يواجه الفنان العالم، يكتشف أن خصوصيته هي مصدر قوته، شرط ألا يحولها إلى حدود مغلقة. لقد تعلمت أن أكون منفتحا على العالم، من دون أن أفقد جذوري أو صوتي الخاص.
الهوية.. والعالمية
 
بعد هذه الرحلة الطويلة، هل أصبحت بالنسبة إليك الهوية والتراث نقطة انطلاق نحو العالمية، أم أن العالمية تتطلب التحرر من المرجعيات المحلية؟
أرى أن العالمية الحقيقية لا تعني التخلي عن المرجعيات المحلية، وإنما تقديمها بلغة فنية وإنسانية قادرة على تجاوز حدود المكان. كثير من التجارب العالمية الكبرى انطلقت من بيئات شديدة الخصوصية، لكنها لامست الإنسان أينما كان.
بالنسبة إليّ، التراث والهوية نقطة انطلاق وليسا قيدا؛ فكلما كان الفنان صادقا في التعبير عن تجربته، استطاع أن يصل إلى الآخرين، حتى وإن اختلفت ثقافاتهم ومرجعياتهم.

من خلال تجربتك الطويلة ومشاركتك في «سواعد» أخيرا، كيف ترى العلاقة بين الأجيال الجديدة من الفنانين القطريين والفنانين الذين أسسوا للحركة التشكيلية في قطر؟
أرى أن العلاقة بين الأجيال يجب أن تقوم على الحوار والتكامل، لا على المقارنة أو القطيعة الجيل المؤسس عمل في ظروف مختلفة، وأسهم في بناء حضور الفن التشكيلي وترسيخ مكانته في المجتمع. أما الأجيال الجديدة فلديها أدوات وتقنيات وفرص وصول إلى العالم لم تكن متاحة سابقا.
المهم أن تستفيد من خبرة الرواد، وفي الوقت نفسه تصنع لغتها الخاصة ولا تكرر ما سبق. فالحركة الفنية تنمو عندما تحترم ذاكرتها وتسمح بالتجديد.

هل تعتقد أن المشهد التشكيلي القطري اليوم يمتلك مشروعا فنيا واضحا، أم أننا أمام تجارب فردية متجاورة لم تتحول بعد إلى حركة لها ملامحها النقدية والفكرية؟
المشهد القطري يضم تجارب فردية مهمة ومتنوعة، ويمتلك بنية ثقافية ومؤسسات قادرة على دعمه، لكننا ما زلنا بحاجة إلى تفعيل الجانب النقدي والفكري بصورة أعمق، فكثرة المعارض والمشاركات أمر إيجابي، لكنها وحدها لا تصنع حركة فنية متكاملة. بل نحتاج إلى نقد متخصص، وتوثيق مستمر، ودراسات وكتب وحوارات تربط التجارب الفردية بسياقها التاريخي والاجتماعي، حتى تتبلور ملامح المشروع التشكيلي القطري بصورة أكثر وضوحا..


حضور الفنان القطري
ما الذي يحتاجه الفنان القطري اليوم كي ينتقل من مجرد المشاركة في المعارض إلى بناء تجربة فنية لها حضور وتأثير عربي ودولي مستمر؟
يحتاج أولا إلى مشروع فني واضح وإلى الاستمرار في البحث والعمل، بعيدا عن الاكتفاء بالمشاركات الموسمية. كما يحتاج إلى تطوير أدواته، والاطلاع على التجارب العالمية، وبناء ملف فني موثق، والتعاون مع النقاد والقيّمين وصالات العرض والمؤسسات الثقافية.
الحضور الدولي لا يتحقق بمشاركة عابرة، بل من خلال تراكم طويل، وهوية بصرية مميزة، وخطاب فني قادر على التواصل مع العالم مع الحفاظ على صدق التجربة وخصوصيتها.

بعد كل هذه الرحلة، أين يتجه ناصر العطية الآن؟ وما المشروع الذي لم تنجزه بعد وتشعر أنك ما زلت بحاجة إليه؟
أتجه اليوم إلى مرحلة أكثر تأملا وعمقا، أستفيد فيها من تجربتي السابقة، لكنني لا أريد أن أكررها. أعمل على توسيع مساحة السؤال في اللوحة، والربط بين الذاكرة والبصيرة وتحولات الإنسان المعاصر.أما المشروع الذي ما زلت أشعر بالحاجة إلى إنجازه، فهو مشروع فني متكامل يجمع بين الرسم والذاكرة البصرية القطرية في تجربة معاصرة، ويُقدَّم عربيا ودوليا بصورة تليق بتاريخ هذه التجربة. أطمح إلى مشروع لا يكتفي بعرض أعمال منفردة، بل يصنع عالما متكاملا يلخص ما أنجزته ويفتح في الوقت نفسه بابا لمرحلة جديدة.