مقعد الضحى

alarab
منوعات 04 سبتمبر 2011 , 12:00ص
إعداد: نورة النعمة
لقد غنى الإنسان القطري والإنسان العربي في جميع مجالات الحياة، منها الاحتفالات بالمولود، والاحتفالات برمضان، والاحتفالات الخاصة بالأعياد، وحفلات الختان، وحفلات الأعراس وغيرها الكثير، وقد ألف الإنسان القطري حياة الصحراء وهواءها المغبر بذرات الرمل في لافح الحر وأنشد الكثير من القصائد والكلمات المعبرة عن ذاته وعن حياته، فالبداوة حياة متكاملة نشأت بنشوء الجنس البشري، وترعرعت حتى اكتسبت الشكل الذي قاوم جميع تيارات الحياة التي غيرت جميع النظم ومحتها عن الوجود وتتكون عناصرها من الألفة والتعاون التام والعصبية للأقارب والبساطة، وعفة النفس، وعفة اللسان، وصدق الإيمان، ورسوخ العقيدة والتمسك بالعادات، على أن في أخلاقهم وطباعهم غرابة، إذ هي مجموعة أضداد، وملتقى محاسن ومساوئ، بسبب انفرادهم في البوادي، فمن طباعهم أنهم في غاية الصبر والتحمل والجلد يتحملون كل شيء بنفس واحدة دون تبرم أو ضجر، ومن خصائصهم الشمم، وقرى الضيف، وحمى الجار والنزيل، شجعان أذكياء، وقد غنى الإنسان العربي والبدوي في جميع المجالات، فحدا بالإبل وهو يسوقها، وغنى على أنغام الناي، وغنى وهو يرعى الغنم، كما غنى في لياليه وأنسه بربابته، فطرب وأطرب من كان حوله من أبناء قبيلته، وهكذا اتخذ الغناء عدة أشكال منها المسحوب، الحداء. وأغاني البادية بسيطة مختلفة اللهجات باختلاف المناطق، ولم يطلق على المتوارث منها أي تبديل يذكر، فطابعها البسيط يعطي صورة عن حفاظها على طابعها الأصيل، والبداوة هي البداوة في القديم أم الحديث. أما من ظريف ما يُغنى على الربابة هذه القصيدة والتي يقول فيها الشاعر: الزين ظني ما وثق بالمراسيل.. والقلب لشوف الحبيب رجاوي والله ما عرفه غير حبه غرابيل.. حبه سكن قلبي وهذي بلاوي قالوا لي الغالي ارموشه مضاليل.. قالوا دوا للقلب كنه هواوي قلت آه هذي منوتي نافل الجيل.. قلبي مريض منه وهو المداوي خلوه ياصلني ترى الوصل بالليل.. يكشف على قلبي عيون النداوي واشوف دمعه نقهقه بالمناديل.. احرق ضمير في حبيبه شفاوي يامنوتي حبك ترى زاد بالحيل.. والقلب يالغالي لشوفك مراوي إن كان تهواني فلا فيه تأجيل.. وإن كان لك نية قطعت العراوي. وهذه أبيات أخرى تغنى على الربابة لولهان بمحبوبته، يتفرس جمالها من خلال هذه الأبيات والتي قال فيها: بارقٍ يبرق على نوره الزيني.. جعل ما يعرض على النار من جابه ليت مجلي الثنايا يداعبني.. عند شيخٍ يعطي الحق طلابه صابني جال الثنايا برمحيني.. وان حدث شيء تراني من أسبابه. وقد أمسك أحد الشعراء النجديين بربابته، وقال في العجائز هذه الأبيات: العجز لو صلوا ترى مالهم دين.. يطري عليهم في الصلاة ألف طاري يوم الصبا يمشن مع الزين والشين.. واليوم قاموا ينصحون الجواري قمت أتفكر باخذ العجز في وين.. وباقلع بهم عن لابسات الخزاري قالوا لي الخفرات دور لهن عين.. واقطع نفسهم لا يجيك لمثاري. أما الربابة فهي لا تقتصر على بدو المنطقة فحسب، بل هي الآلة الموسيقية المعروفة والمفضلة عند جميع البدو في العالم العربي. ويقال عن غناء الهجيني والحداء، بأنه قديم قدم البداوة نفسها، ويحكى أن أول من قام به هو (مضر بن نزار) حينما وقع عن جمله وكسرت يداه فقال (وايداه، ووايداه). ويمكن اعتبار هذا الغناء، غناء عمل، فالمسيرة عمل يتطلب جهداً للتسرية عن النفس للمسافر، كما هو مشجع للجمال نفسها التي تأخذها النشوة والسرور فتغذ في السير، على حين نرى المسافرين تتراقص أعناقهم على ظهور المطي نعاساً، ومن ثم ينفرط عقد الركب، ويتباعد ما بين حباته ثم يمد أحدهم صوته مغنياً، فيجاوبه آخر وآخر وآخرون. وصوت الهجيني هو غير الصوت الذي يدق على العود لأن للهجيني أصواتا مختلفة، ومنها هذه الصوت وهو أحد مشاهير الأصوات الهجينية في قطر: ياراكب اللي بعيد الخط يطونه.. بواطن من ضرايب جيش ابن ثاني ومن الثميله لدار الشوق يمشنه.. لي روحن بالوصايف جول غزلان تكفون ياهل النضا سجوا عليهنه.. سجوا ولجوا وسيور العمر فاني لا بد من خرقةٍ بيضا على السنه.. والموت من قبلنا ما عاف ركان. وصوت هجيني آخر يقول فيه: ياحمود أنا بكرتي غضه.. والجيش قافيه خفخاف جا للربع فوقهن حضه.. جنك مع الحزم زلاف تريد الذي جيد حظه.. ممساه منبوز الأرداف راعي جديلٍ إلى فضه.. ساقٍ تعلى على ساق. ولم تقتصر القبائل القطرية التي عاشت منذ البداية في نجد، على غناء الهجيني والحداء، بل تعدته إلى فنون أخرى كالرزيف والصوت والسامري والخماري، ثم اندفعت هذا القبائل من الجزيرة العربية، نحو البحر جالبة معها كل تراثها الصحراوي، وامتزجت بيئة الصحراء وبيئة الحر فتولدت عنهما بيئة جديدة تجمع بين سمات البيئتين، فقد تغنوا بأن جديدة من خلال رحلتهم في البحر، لم تكن معروفة إلا لأهل الساحل من الجزيرة العربية، وأن أغلبية القبائل أتت من نجد والجزيرة العربية ووفدت معها بألحانها وأنغامها، ثم سرعان ما تزاوجت مع بيئتها الجديدة التي لا تختلف كثيراً عن البيئة السابقة بحكم عروبة المنطقة، إلا أنه يزيد عليها ألحاناً وضروباً عريقة في القدم تعكس لوناً من الحياة ليس مألوفاً في البادية الخالصة، ألا وهو حياة البحر، لأن الخليج العربي بصفة إجمالية، وقطر على وجه الخصوص بادية وبحر. أما أبرز مظاهر الوحدة الغنائية والتي تدور في موضوع واحد وشعراء مختلفين منها هذه الأهازيج التي تدق على العود ويطلق عليها (المتفرقات) يقول الشاعر القطري: يقول المعنى أسير الغرام.. أسير القوافي سقيم نحيل فلا بالمودة لك الله سلام.. إلى عاد فرقا الحبايب طويل شقاني دعاني بصوت الحمام.. سهرت الليالي بكثر العويل على من هم هواهم غدا لي مقام.. عليهم ولا لي لك الله سبيل. أما الأهزوجة العمانية هذه فهي خاصة بشرقي عمان، وهي رقصة تدق على العود ويقال فيها: البارحة يوم الدجى أسود.. نوم عيني ماتقضيه الدله طول الليل ممتد.. خالي خلي البال ما فيه وإلا فأنا حالي ارتد.. عوقي عن الدلهين ما أخفيه أنسى وسايس منه ويمد.. والقلب لي علته شافيه ما روم اضد الصاحب ابضد.. اقفي عنه وانسى معانية ما أحد ياويلي وينشد.. ويشوف حالي وش أنا فيه صاحبك ليمن صد لاتصد.. سر في رضاه ولا تجافيه هذي عوايد راعي الود.. يمشي على محبه ويرضيه أما الشاعر البحريني فيقول في هذه الرقصة: بعد ما طال الغياب.. وأنا عايش في عذاب نفذ صبري من فراقه.. الحبيب أرسل جواب يذكر أن قد جرى له.. في وسطه فلبه التهاب ما ينام الليل ساهر.. ودموعه في انسكاب هاك ردي ياحبيبي.. انت زادي والشراب ما جرى لك قد جرى لي.. يا حبيبي من عذاب باحلم بوصلك ياحبيبي.. بعدما طال الغياب طال صبري ياحبيبي.. قد نحل جسمي وذاب أما الشاعر محمد بن قاسم بن عبدالوهاب الفيحاني فيقول: هل من تلايا خبر.. هل من بقايا أثـر هل هم تراهم عيوني.. أو هل يراهم بصر من يوم شام وشهر.. عني وصد ونفـر خلاني أنوح والعي.. بالصوت وابكي جهر ما شوف نور السفر.. واليوم كنه شهر يا ناس ما ادري فراقه.. له حد ولا دهر لايث بغبة بحر.. والموج غطى التفر شيفيد راعي السفينة.. أن شبها أو دبر. ومن خلال هذه الأغنيات نلاحظ أنها تسير في نفس الاتجاه، وهي رقصات تدق على العود وتسمى (أهازيج) وهي من حيث البنية متشابهة نوعاً ما، فالأولى قطرية تتكون من شطرين تنتهيان بروي واحد وهو اللام، وكذلك العمانية هي الأخرى تتكون من شطرين منتهية بروي واحد هو الهاء، في حين تنتهي القصيدة البحرينية بروي واحد هو الباء، ولا يختلف الأمر في قصيدة الشاعر محمد بن قاسم بن عبدالوهاب الفيحاني إذ هي منتهية بروي واحد وهو الراء. وهذه القصائد جميعاً تمثل أغنيات تغنى في البيئة البرية، ونجد أن الخلاف يكاد يكون معدوماً في مثل هذا النوع من الأغاني في جميع المنطقة في الجزيرة العربية. أما الآلة الموسيقية المستعملة في هذه الأهازيج كلها هي آلة العود، وبهذا ندرك تشابه هذا الفن في المنطقة بصفة إجمالية، مع فروق بسيطة في النغمة الموقعة نتيجة لاختلاف اللهجات البسيطة والأثر الأجنبي الذي جثم على المنطقة في الفترة الأولى، أي أن من هذه الأغاني التي تغنى في الكويت أو في البحرين أو في عمان أو في الجزيرة العربية يؤلفها في قطر شعراء قطريون، وما يغنى في قطر منها، ربما يكون مؤلفاً في الكويت أو في البحرين أو في عمان وهكذا، فالمنطقة متداخلة وواحدة، ولا يفصلها عن بعضها البعض سوى حدود سياسية، أما شعبها فواحد ومتقارب الأمزجة إلى حد بعيد. ويشكل الموال عصب الغناء البحري في منطقة الخليج، ونورده هنا لعدد من شعراء المنطقة لإثبات وحدة هذا الفن عند الجميع. ويقول الشاعر الكويتي عبدالله الفرج: اتأسف عمري على دهرٍ مضى فاتٍ لي وإبليس وياي بحبل مودته فات لي بانخاك يا أبو الحسن درب الهدى فات لي من حيث صفرا يمينك بدو عامل دن يا ظعون الأجواد يا حامي حمايا الدن بنخاك يا أبو الحسن جروح القلب دن راحن أهل هاك بس ظلن أهل هات لي. وموال آخر لشاعر بحريني: ظالم وقلبك صخر وانا استحق اخطاك چيف دوب انا امشي خطاوي متبع لخطاك لا صدت منك امل دوب الوفا يخطاك هل شفت يا صاحبي صخر يلين ابعصر وظلال بان الضحى أقبل عليك ابعصر وينك ووين اللزم، عمر الصلايب عصر ظالم تدوس الكسر دوبك تزيد اخطاك. أما الشاعر القطري عبدالله الشاعر فيقول: أبصرت دنياي لأرباب المعالي تحط شيلٍ على الشيل أراها للمهذب تحط تحط به لو يشيل اللي ابمتنه تحط طرف طراها الو طابت الحي ابترف ما طاولت لا بشدة ولا ابحالة ترف لا بدها ما تساوي ماخذين الترف وتحطهم مثل ما لاهل الشقاوة تحط. وجميع هذه المواويل زهيرية سباعية، وهي متشابهة في المعنى، وتسير على نمط واحد في القافية والروي فهي سباعية تنتهي كل منها في الأسطر الثلاثة الأولى بقافية واحدة تتبعها قافية ثانية لأشطر الثلاثة التي تليها، ثم يختم الموال بنفس القافية الأولى. * الكلمات الشعبية: الخزاري: الحرير لمثاري: صاحب الثأر بعيد الخط يطونه: يطوين المدى البعيد بسرعة مشيهن وصلابتهن ضرايب جيش ابن ثاني: أنجبتها فحول ابن ثاني المشهورة الثميلة: اسم مكان: يمسنه: يأتينه مساء النضا: الأبل سجوا عليهن: أمعنوا في السير لجوا: رفعوا عقيرتهم بالحداء والغناء خرقة بيضا: الكفن الأبيض على السنة: على الشريعة راكان: راكان بن حثلين شاعر وفارس شيخ العجمان الجيش: الأبل قافيه خفخاف: مقتفية سير سريع حضه: إلحاح زلاف: مسرعات ممساه منبوز الأرداف: يسمي لدى محبوبته نابية الردفين جديل: شعر الرأس قضه: نفض ضفائره ساق تعلى على ساق: طبقة تعلو على طبقة شام: رحل، شهر، صعد لايث: تائه شبها: سيرها ضد الموج چـيف: كيف الصلايب: المهمات الكسر: الجرح