سلمان بن جبر: الأجداد لديهم علم وافر بالفلك والطوالع
منوعات
04 أغسطس 2012 , 12:00ص
الدوحة - أحمد الوحيدي
في الليل كان يستلقي الشيخ سلمان بن جبر آل ثاني، ويعد نجوم السماء ويتأمل عالم الفضاء الفسيح، وحين لم تكن في سبعينيات القرن الماضي النهضة العمرانية كما هي عليه الآن كان سهلا على الفتى أينما أدار وجهه أن يتأمل النجوم في مواقعها.
تأمل الفضاء والاستغراق في عوالمه كان يقوده بعد ذلك إلى شغف يصحبه مدى العمر، ويزيده ويطوره بما يطوله عقله من اطلاع على علم النجوم أو علم الفلك، إلا أن هذا العلم لم يكن طارئا لديه فهو علم ومعارف القطريين في بحرهم وبرهم وهم الذين برعوا فيه، إذ يحتاجونه في رحلات غوصهم الطويلة ويحتاجونه في برهم ولمواسمهم وطوال الوقت كان في النجوم ثمة دليل وهاد لهم (وعلامات وبالنجم هم يهتدون)، وعن والديه أخذ كثيرا من «علم الطوالع» فهم أكثر من غيرهم حساسية لهذا العلم به يحددون صيفهم، وشتاءهم، وبنجوم بعينها وبإطلالتها تتحد مواسم وتغيب أخرى.
وعى العلم الغزير، وكان كلما تبحر فيه ازداد إيمانا وبدا أكثر إصرارا في محاضرات تالية على تخليص العلم من أوهامه التي دارت حوله.
لا يذكر الفلك إلا وتستدعى «الأهلة» وقدوم رمضان ووداعه، ولأن أهل قطر من أكثر الناس حرصا على متابعة الهلال كان لديهم عنايتهم وطقوسهم في الاحتفاء بالهلال ومراقبته، ومن يحظى برؤيته فذلك فضل منحه الله لمن شاهده.
جمع الشيخ سلمان بن جبر إلى الهواية التي أصبحت احترافا تخصص الهندسة الميكانيكية،
وتخرج في أهم الجامعات الأميركية، لكنه الشغف الذي ظل يطغى على اهتماماته هو علم الفلك وتتبع النجوم في مساراتها ورصد الشهب، هو الأول الذي رصد عبر موجات راديوية.
إشارات تصدر من المشتري، كما رصد الشهب بالأجهزة الراديوية وضمن جهود متواصلة نظم محاضرات وإليه مع غيره يرجع فضل إدخال علم الفلك إلى المناهج المدرسية. ولأن هذا العلم يرتبط ويلفت إلى قدرة الله عز جل فهو يسعى إلى تسخيره في خدمة الدين وبطريقة علمية وعقلية، وليس بالمبالغة.
العرب توقفت عند محطات في تجربة عالم الفلك الشيخ سلمان بن جبر آل ثاني، وكان معه هذا الحوار عن قرب:
أنت بين قليل ممن يهتمون بعلم الفلك هنا في قطر، ما الذي فتح عينيك على هذا الحب لعلم النجوم؟
- بالنسبة لعلم الفلك بدأ معي هذا الشغف في مرحلة الدراسة الثانوية، بدأ ذلك بفضول ورغبة معرفة وكشف هذا الغموض الذي يملأ الكون الخارجي، وامتداداته الواسعة، وكنا في وقت لا تتوفر فيه كثير من المعلومات, هذا الغموض الذي يكتنف عوالم المجرات والنجوم لطالما كان يغريني، باستكشاف آفاقه، في هذا الفضاء.
الآن ربما تغيرت الصورة قليلا, بمعنى أن الإنترنت أصبح يوفر الكثير من المعلومات والصور عن الفضاء الخارجي، وفي وقت بدأت أنا فيه باستطلاع عالم النجوم، كان لا بد من أن تقوم بهذه الخطوات العملية، فهذا بالنسبة للبداية، لكن دائما ما أقول إن الفضاء ليس فقط هذه العوالم من الكواكب والمجرات، إنه أحد إعجازات الخالق سبحانه وتعالى والذي يجعل القرب منه واستكشاف عوالمه بوابة من بوابات الإيمان به.
وعندما تتمعن في الكون الفضائي الفسيح تحس أنك لا شيء بين مخلوقاته عز وجل، وتجد نفسك وأنت تتأمل هذه العوالم الفسيحة، أنك لم تصل بعد إلى جزء من هذه الآفاق الكونية وتدعوك أكثر إلى الاستمرار في استكشاف الآفاق المجهولة, كل هذا مصحوب بنفس إيماني يمدك به الخالق سبحانه وتعالى.
هذا شغفك في مرحلة متأخرة، لكن ماذا عنك في «المرقاب» صغيرا تتأمل هذا العالم اللامتناهي، أي طفل كنت وأنت يحركك سحر وغموض هذا الكون؟
- تعيدني إلى ذلك الوقت الذي لم تكن فيه إنارة الشوارع والأحياء كما هي الآن, قلة الإنارة تلك كانت تجعل مدى السماوات المفتوحة مجالا هائلا ومتاحا، لمشاهدة النجوم وأينما وجهت نظرك، وقلبته في الماء شاهدت النجوم المتلألئة، وقد أغرتك باكتشاف عوالمها.
اليوم تغيرت الحالة، كنا في المرقاب الجديد، الذي بدا في ذلك الوقت وكأنه مكان معزول وبعيد عن الدوحة، أصبح اليوم طبعا قلب الدوحة، في أيام خالية، كان المرقاب الجديد كما أشرت بعيدا ومعزولا، ومظلما، وبسبب ذلك كله فقد كان بوابة مدهشة لي لتأمل «العالم الخارجي» وكان الشغف يزيد لدي يوما بعد يوم، ما كان يغريني كطفل هو تأمل هذا السحر والاستمتاع به، طبعا في ذلك الوقت لم يستوقفني كطفل هذا الفضول العلمي، بقدر ما كان يغريني هذا الاستمتاع.
كان هذا التأمل والاستمتاع جزءا من لهو الطفولة ومتعها، وألعابها، كان طوال الوقت لهونا هو اللعب، «كرة القدم» و «السياكل» وغيرها، في المقارنة مع الصورة اليوم تغيرت أشياء كثيرة في لهو الأطفال، غدا الكمبيوتر وعوالم الإنترنت جزءا أساسيا من هذا اللهو الطفولي اليوم.
في تلك الأيام كان «الطفل إذا امتلك نعالا ربما بقي معه طوال العام ذلك أننا كنا نحب اللعب واللهو حفاة» وهذا أجمل ما في الطفولة البعيدة, تلك الأيام شغبنا في حارات الحي ولعبنا الطويل فيها، وكنت واحدا ممن يستمتعون بهذا اللعب.
المرقاب الجديد كان من أجمل مناطق الدوحة بسبب بعده عن الضجيج كما أشرت، في تلك الأيام كنا نشاهد على مسافات بعيدة، وكنا نعيش في أجواء هادئة تمكن لك الاستمتاع بعالم النجوم.
أي أثر تركته العائلة في شغفك وحبك لعلم الفلك، وأي اهتمام كانوا ينقلونه لك؟
- في جيل الوالد حفظه الله كلهم كانوا ملمين بأهم شيء في حياتهم, ويشكل جزءا حيويا من معارفهم الفلكية وهو ما يسمى بـ «الطوالع», التي كانوا يعرفون فيها مواسم الصيد والزراعة، ودخول الصيف وهكذا، وكان أهل قطر ملمين بها ويعرفونها جيدا ويحفظونها كما يحفظون أسماءهم، كانوا يعرفون من خلال تتبعهم لنجوم بعينها، فيعرفون طوالع الصيف ومدى شدة حرارته، كذلك يعرفون الشتاء ومتى يهل وقت نزوله، فكانوا كلهم يعرفونها منذ أن كانوا صغارا، وكانوا يأخذونها عن آبائهم وأجداهم، في ظل ما شهدته دولة قطر من نهضة حدائية شاملة في مختلف مناحي حياتها, فإن قلة من الناس الآن وربما من الجيل القديم لا يزالون يحتفظون بهذا الإرث الثقافي والمعرفي عن تلك الطوالع.
فيما يخصني فقد توافرت لي إضافة إلى ما عرفته عبر السماع من الأهل عن هذه المعرفة، بعض المراجع البسيطة، التي قادتني فيما بعد إلى معرفة أوسع بهذا العلم وتحديد مطالع النجوم، الناس قديما كانوا يتحدثون عن النجوم، وطوالعها بحكم هذا التاريخ الطويل من المعارف المتناقلة شفاهيا، لكن العلم الحديث الآن والمراصد الفلكية أسهمت في تحديد هذه المواقع.
وما أحاول فعله هنا هو ربط هذه المعلومات الفطرية للناس بالكشوفات العلمية الحديثة.
إلى أي حد يقع ضمن اهتماماتك تجسير الفجوة بين العلم الحديث والجيل التراثي المهتم بهذه العلوم الفلكية؟
- هؤلاء هم المرجع (الجيل التراثي) وكما أشرت فإن لدينا عددا لا بأس به من «الشيبان» من أهل قطر، فهم الذين حصلوا معارفهم عبر المعايشة الشخصية، وأنت تعرف أنهم أهل بر وبحر يحتاجون هذه المعرفة الفلكية في معايشهم وحياتهم واقتصادهم، ولا أخفيك أنني كنت أرجع وما زلت إلى والدي ووالدتي في معرفة الطوالع، واسترشدت ببعض كبار السن، في معرفة بعض الأمور المتعلقة بالطوالع.
وفي قطر من هؤلاء, كبار السن, من هو مختص بالبحر وآخرون منهم بالبر، وبعضهم يجمعون الخبرة في هذا المجال وذاك، بعضهم لم يمارس التخصصين، لكن لديه كثير من المعارف في الفلك وعلومه سمعت من الكثير منهم كما أشرت لك واستفدت كثيرا من علومهم تلك.
وعند الوالدين وحكاياتهم الكثير من ذلك، وعندما جمعت كل هذه المعارف الشفوية حاولت أن أقرب ذلك إلى المعارف العلمية التي لدي، وتحصلت من خلال الاطلاع، حتى يستفيد الجيل الحالي من هذه العلوم المحصلة من خلال ما جمعته وعرفته، وحاليا إذا ما جاء وقت طالع من الطوالع أقوم ببعث رسائل نصية أو من خلال «التويتر» للمعارف والأصدقاء تفيدهم بوقت هذا الطالع والموسم الذي ينبئ به، ولدي متابعون كثر على التويتر، أقول لهم مثلا «هذا اليوم الأول من طالع كذا وهو تدشين وإنباء بموسم كذا، وهكذا، ونحن نعلم علميا مثلا أن موسم فصل الصيف يبدأ في 21 يونيو، لكن عند أهل شبه الجزيرة العربية، فصل الصيف يبدأ بطالعين قبل ذلك وفي حوالي، 25 يوما قبل ذلك وفي الطوالع بدأنا بتنوير الناس أن فصل الصيف يبدأ قبل ما يعرفونه من تاريخ العشرين من يونيو، ومعلوم علميا أن فصل الصيف ينتهي في 21/9 لكن عند شبه الجزيرة العربية الأمر مختلف فهو ينتهي مع طالع سهيل في 24/8 وهو يعتبر عند أهل الجزيرة العربية وقطر إيذان بانتهاء شدة الصيف، طبعا تبقى آثاره لكنه إيذان بانتهاء موسم الصيف وقدوم الخريف، ولكن تبدأ في ذلك الوقت بشائر موسم الأمطار، ولدينا هنا في قطر أمطرت في أوقات سابقة في شهر أغسطس.
وعندما يقترب ويطلع نجم سهيل إذا تبدأ علامات الخريف، ويبدأ الناس بتحريه من اتجاه الغرب حيث تظهر «حقاب» وهي عبارة عن كتل من الغيوم السوداء وفيها من المطر ما ينزل قويا ولمدة ربع ساعة لكنها لشدتها تكون أقوى من مطر ساعة، ويعمل أشياء في البر وتنزل سيول كثيرة في البر، وإذا كما أشرت حسب الطوالع فإن انتهاء الموسم شديد الحرارة يبدأ في هذا التاريخ نهايات أغسطس، ونبدأ في درجات حرارة أقل مع نسب رطوبة عالية لكنها منذ هذا الوقت تبدأ بالتناقص تدريجيا، ومن بعد سهيل تبدأ درجات الحرارة بالتناقص وتتغير تيارات الهواء ومدى شدة هبوبها وحرارتها أيضا، فهذه كلها مؤشرات ومعارف تناقلناها عن كبارنا وبدأنا بتنوير الناس بها عبر رفدها بالحقائق العلمية.
ما دمنا نتحدث عن الطوالع فنحن في شهر رمضان الذي تبدأ في بداياته ونهاياته جدل حول الفلك، والمشاهدة العيانية كيف كان أهل قطر يستقبلون هلالهم إيذانا برمضان؟
- طبعا كان وما زال في قطر عناية شديدة بتحري هلال رمضان المبارك، وهذا شيء نفتخر به أن أهل قطر متدينون، في قطر في وقت سابق كان هذا الحرص موجودا -طبعا وما زال- وفي الماضي حين لم تكن موجة الحداثة والعمران الحديث كانت الرؤية أسهل، وبسبب الرطوبة وتحدث أحيانا بلبلة، وأحيانا يقول بعض الناس إن رؤية الهلال مستحيلة لقربه من الشمس، لكننا نقول إن بعض الناس يهبهم الله كرمه ومنحته ويرونه، ونقول إنه لا يجب الحجر على الناس والقول باستحالة معاينة الهلال نظرا ورؤية.
أنت درست الهندسة الميكانيكية لكنك ظللت شغوفا بعلم الفلك، كيف تجمع بين التخصص والهواية التي تكاد تطغى في الاهتمام على الدراسة والتخصص؟
- كما أشرت أنت. أنا فعلا تخصصي الأكاديمي ودراستي في موضوع الهندسة الميكانيكية, وتحصلت على درجة البكالوريوس من أميركا, ومنذ الثانوية وأنا تستهويني المواد والمواضيع العلمية وكنت أمكث ساعات في البحث عن تفصيلة علمية صغيرة قد لا تكون تعنيني إلا بالقدر الفضولي لكنني أبقى لمدة يومين وأنا أبحث وأنقب وأجتهد, هذا الذي حرضني على التجارب العلمية، والبعض في الهندسة الميكانيكية ربما لا يعمل بيده لكنني من الناس الذين كانوا يحرصون على العمل بأيديهم ومعرفة كافة التفاصيل، حتى تبني خبرة صحيحة، ولا يمكن أن تنجح حتى تعرف كيف يعمل الفني والعامل، وتتعرف وتمر بكل جزء من فهم المعدات وعملها وتفاصيلها الدقيقة.
أما إذا بقيت في حدود الورق فثق بأن قرارات كثيرة ستتخذها بشكل خاطئ.
ما الذي أخذته من علم الهندسة لعلم النجوم والفلك؟
- في الهندسة الجميل فيها عندما تدخل فيها لا تجعلك تتوقف عند حد، وتبقى طوال الوقت بحاجة إلى أن تكتشف الجديد، كثير من الأصدقاء نصحوني، بالحصول على درجة الدكتوراه لكنني أجد متعتي دائما في اكتشاف العلوم ضمن التخصص نفسه.
الفلك تحول من هواية إلى احتراف، وما أنجزته في هذا المجال أنه -الحمد لله- أصبح علم الفلك يدرس في المناهج القطرية، وهو فضل من الله، وأنا أول واحد في العالم العربي يرصد موجات راديوية تصدر من المشتري، وطورتها بطريقة علمية، كما أنني الأول في الخليج الذي رصدت الشهب بالأجهزة الراديوية وعملت دورات تدريبية كثيرة في هذا المجال ولدي مخطوطات. وما أتبناه هو كيفية تسخير علم الفلك في خدمة الدين وبطريقة علمية وعقلية، وليس بالمبالغة، لأن كثيرا من الناس يتحمسون لوضع النظريات العلمية وإثبات أنها تتوافق مع القرآن، وأسعى في كثير من المحاضرات لتقريب وجهات النظر بين علماء الفلك وعلماء الدين.
تدور حول علم الفلك الكثير من الخرافات..
- الكثير من الخزعبلات نحاول تخليص وتبرئة هذا العلم منها، خصوصا قصة الأبراج وتحليل الشخصيات، والدخول في علم الغيبيات، وكثير من الناس يقرؤون عن الأبراج ثم يأتون إلى الأشخاص ويحاولون تأكيد ما قرؤوه ومطابقته مع الشخص الجالس أمامهم.
ويبدؤون باقتباس أقوال للشخص لتتناسب مع البرج وليس اكتشاف الشخصية على حقيقتها، ربما هذه عن طبيعة الإنسان.
على صعيد علم الفلك أمنيتي أن أنشره قدر المستطاع، وأنا مجرد فرد وأكثر ما يمكن أن تفعله هو تقديم هذا العلم للناس وإبراز معجزة الله وفضله في هذا العالم الفسيح الممتد, وبالتالي تعميق الإيمان بقدرته عز وجل.
عملنا عدة نشاطات تحت مظلة النادي العلمي القطري ورصد الأهلة والمخيمات الكشفية، ما أريد منه أي العلم هنا رفض الإشاعات حول تدمير الكون والتزامنا بمنهجنا الإسلامي، فهذه الإشاعات يجب أن نبتعد عنها.