بقية سورة البروج

alarab
باب الريان 04 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
القرآن يجمع بين الأسماء المتقابلة التي تجمع الجمال إلى الجلال ولله الكمال والإجلال والإكرام تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين. التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر. وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط. ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب. {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)} وما عاب هؤلاء الجبابرة الملعونون على هؤلاء المؤمنين الصابرين الممتحنين. الذين حرقوهم بالنار. ولا كان لهم ذنب إلا إيمانهم وتصديقهم الراسخ بالله (العزيز) أي: الغالب المنيع الذي يَقهر ولا يُقهر، ويَهزم ولا يُهزم. ولا يضام من لاذ بجنابه. ولجأ إلى رحابه. {الحميد} أي: المحمود في كل حال. في جميع أقواله وأفعاله. وشرعه وقدرته. وخلقه وأمره. وإن كان قد قَدَّرَ على عباده هؤلاء. هذا الذي وقع بهم بأيدي الكافرين به. فهو العزيز الحميد. وإن خفي سبب ذلك على كثير من الناس. والقرآن دائما في الأوصاف يجمع بين الأسماء المتقابلة. التي تجمع الجمال إلى الجلال. والحمد إلى الملك. ولله كل الكمال والإجلال والإكرام. ولهذا جمع هنا بين العزيز والحميد. كما جمع في آيات أخرى بين العزيز والغفور. وجمع بين العزيز والغفار. وجمع بين العزيز والحكيم. وبين العزيز والحليم. وبين العزيز والوهاب، إلى غير ذلك من الآيات القرآنية، التي نرى فيها صفات الإلهية الواضحة لكل ذي لب. {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ومن أوصاف عزته وقوته وغلبته: أنه يملك هذا الكون الكبير بكل من فيه. وكل ما فيه. فهو الذي له ملك السماوات والأرض يحكم فيهما بما يشاء. ويعطي من يشاء. ويمنع من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، إنه على كل شيء قدير. لا يملك أحد من الإنس والجن أو غيرهما ذرة واحدة في السماء ولا في الأرض وما بينهما. لا اليوم ولا الأمس ولا الغد {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم:93-95]. {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي: لا يغيب عنه، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه سر ولا علانية، كما قال تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم:38]. {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}. فتنوا المؤمنين والمؤمنات، أي: لم يكتفوا بفتنة الرجال، فجمعوا معهم النساء، مما يدل على أن النساء شقائق الرجال، كما قال تعالى: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران:195] أي: الرجل من المرأة، والمرأة من الرجل، وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة:71]، فلا غرو أن تقع الفتنة والتعذيب للجنسين معا. ومعنى (فتنوا) أي: حرقوهم بالنار. والعرب تقول: فتن فلان الدرهم الفضي، أو الدينار الذهبي: إذا أدخله النار، لينظر جودته، وليعلم أهو ذهب حقيقي أم مغشوش. {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا} أي: من قبيح صنعهم وعن كفرهم وفتنتهم، فإن ما ذكر من الفتنة في الدين، لا يتصور من غير الكافر قطعا، وهم لم يكتفوا بالكفر بالله تعالى وتكذيب رسوله، بل أضافوا إليه تعذيب من آمن به، وتحريقهم. فهم الذين كفروا وظلموا وصدوا عن سبيل الله. قال ابن كثير: لم يقلعوا عما فعلوا، ولم يندموا على ما أسلفوا. قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة! {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} هؤلاء المستكبرون في الأرض، الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، وحرقوهم بالنار، لن يهربوا من عذاب الله وانتقامه، بل إذا كان لبعض الكفار عذاب واحد، فهم لهم عذابان، كما ذكرت الآية: عذاب جهنم، الذي يصلاه الكافرون عامة، جزاء كفرهم، وهذا في الآخرة. ولهم فيها عذاب زائد على عذاب كفرهم، بما أحرقوا المؤمنين، فيعذبهم الله في الدارين، والقرآن يقرر أن الله يزيد الكافرين عذابا بمقدار ما ظلموا وأفسدوا، كما قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل:88]. وقيل: العذابان كلاهما في الآخرة، فالأول عذاب جهنم: الذي يعذب به كل الكفار العاديين. والثاني: عذاب الحريق: وهو اسم من أسماء النار، وكأنهم يعذبون في جهنم بالزمهرير، ثم يعذبون بعذاب الحريق، فالأول عذاب ببردها، والثاني عذاب بحرها. نعوذ بالله منها كلها. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}. بعد أن بيّن القرآن عاقبة الكافرين به، والمكذبين لرسله، المضطهدين لعباده المؤمنين، الذين يفتنونهم عن دينهم بالتحريق في الأخاديد، ثنى بذكر أضدادهم من أهل الإيمان والعمل الصالح، كما هي سنة القرآن الكريم، يذكر الوعد مع الوعيد، والترغيب مع الترهيب، والتبشير مع الإنذار، ليحذر من يحذر الآخرة، ويرجو من يرجو رحمة ربه. فهؤلاء الذين آمنوا، أي: صدقوا وأيقنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا الصالحات، وهو تعبير قرآني يشمل كل ما يصلح به الفرد، ويصلح به المجتمع، ما يصلح به ماديا، وما يصلح به معنويا، ومن عمل الصالحات: أن يعمل لدنياه ولا يتكاسل عنها، ومنها: أن يعمل لعبادة ربه، ويفعل الخير، ويدعو إليه، فإن عجز فليجعله في نيته، «وإنما لكل امرئ ما نوى». هؤلاء لهم جنات، أي: بساتين، تجري من تحتها الأنهار، التي وصفها القرآن، من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، ومن عسل مصفى. {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} وأي فوز أكبر من هذا الفوز؟ فهو فوز عظيم لا فوز يشبهه، وقد قال تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185]. وكلمة (ذلك) إشارة إلى ما أعد لهم في هذه الجنات، مما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:17]، {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:72]. {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)}. البطش هو: الأخذ بعنف، وإذا وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم، وهو بطشه تعالى، بالجبابرة والطغاة والظالمين، وأخذه إياهم بالعذاب والانتقام، كقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102]، وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر:6-14]. والجملة استئناف، خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم، إيذانا بأن لكفار قومه نصيباً موفوراً، من بطش الله وانتقامه، إذا أصروا على كفرهم وعنادهم وفتنتهم للمؤمنين، كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام (بطش ربك). {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} أهل هو، سبحانه المبدئ المعيد، يُبدئ الخلق بالإنشاء، ويعيده بعد الإماتة بالبعث والإحياء، وذكر عن ابن عباس: أنه عام في جميع الأشياء، فهي عبارة عن أنه يفعل كل شيء، أي: يبتدئ كل ما يبدأ، ويعيد كل ما يُعاد، وهذان قسمان مستوفيان جميع الأشياء. واختار الطبري: أنه يبدئ في العذاب، ويعيده على الكفار. والأول أولى. قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الروم:27]. {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} ومن صفات الكمال الواجبة لله تعالى. واللائقة بذاته الكريمة، وبها تكتمل الذات الإلهية التي تجمع بين الجلال والجمال والملك والحمد: أنه تعالى -كما أنه ذو البطش الشديد، والمُبدئ والمعيد- هو الغفور الودود. الغفور لمن تاب وآمن -من الغفر، وهو الستر- الذي يستر ذنوب عباده المؤمنين. لا يفضحهم بها. الودود: المحب لأوليائه. وهو يتودد إليهم بنعمه وفضله وعفوه ومغفرته ورحمته. قال ابن عباس: كما يود أحدكم أخاه بالبشرى والمحبة. كما قال تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54]. {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} وصف الله تعالى نفسه بأنه صاحب العرش العالي على جميع الخلائق، وهو العظيم في ذاته وصفاته. وهو واجب الوجود. تام العلم والقدرة. كامل الإرادة والحكمة. هذا إذا كان (المجيدُ) بالضمة. أما إذا كان بالكسرة. أي صاحب العرش العظيم. كما جرت عادة الناس في وصف الملوك بما لهم من عروش كبيرة. كما قال الهدهد في وصف ملكة سبأ: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل:23]. وقال تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون:86]. فهناك قراءتان: بالرفع على أنه وصف الرب تعالى. وبالجر على أنه وصف العرش وكلاهما معنى صحيح. {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} أيْ: مهما أراد فعله. لا معقب لحكمه. ولا يُسأل عما يفعل. بحيث لا يتخلف مراد من أفعاله تعالى وأفعال غيره، وذلك لعظمته وقهره. وحكمته وعدله. كما روي عن أبي بكر الصديق أنه قيل له -وهو في مرض الموت- هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم. قالوا: فما قال لك؟ قال: قال لي: إني فعال لما أريد. ومن العلماء من قال: معني (ذو العرش): أي ذو المُلك والسلطان. كما يقال: فلان على سرير ملكه، وإن لم يكن على سرير. ويقال: ثُلَّ عرشه. أي ذهب سلطانه. وقد مضى بيان هذا في (الأعراف). خاصة في كتاب (الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى). والذي أرجحه: أن نمضي على ظاهر ما جاء في القرآن. الذي امتدح الله سبحانه بأنه رب العرش العظيم، ورب العرش الكريم. قال: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة:17]، وإنما قال (فعَّال) بصيغة المبالغة؛ لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة. {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُود}. استئنافٌ مقررٌ لشدةِ بطشِه تعالى بالظلمةِ الطغاةِ، والكفرةِ العتاةِ، المفسدين العصاة، وكونُه تعالى فعالاً لما يريد: متضمنٌ لتسليتِه عليه الصلاةُ والسلامُ، بالإشعارِ بأنهُ سيصيبُ قومَهُ ما أصابَ الجنود. وجاء الخطاب بهذه الصيغة الاستفهامية للتشويق والإثارة. وهو قد أتاه حديث هؤلاء، الذين سماهم الله (الجنود) إشارة إلى الصفة العسكرية التي تلبسوا بها، واشتهروا عند العالم بأنهم أهل الحرب والقتل والقوة والعنف. كما قال تعالى في سورة (ص) مؤكداً هذه الصورة {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ} [ص:11]. وهذا يخوف وينذر من الصفة العسكرية، إذا انفردت بالقوة والسلاح وحدها دون وازع من إيمان أو خلق. وكم عانت بلادنا وغيرها من الانقلابات العسكرية التي تجعل الجنود العسكريين وحدهم هم قادة الأمة وحاكموها. والواجب أن يكونوا حماتها فقط. من هم هؤلاء الجنود؟: (فرعون وثمود) اقتصر القرآن على ذكر هذين النموذجين الطاغيين، من نماذج الجنود أو العسكر أصحاب القوة الغاشمة، {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} [الفجر:11-12]. والمراد بحديث الجنود: ما صدر عنهم –فرعون وثمود- من التمادي في الكفر والضلال. وما حل بهم من العذاب والنكال. وَالمَعْنى: قدْ أتاكَ حديثهم، وعرفتَ ما فعلُوا، وما فُعِلَ بهمْ، حين كذَّبوا رسله، وخالفوا أمره، فَذَكِّر قومكَ بشؤونِ الله تعالى، وأنذرْهُم أنْ يصيبَهُم مثل ما أصاب أمثالهم. وما هي من الظالمين ببعيد. وإنما اكتفى بذكر فرعون وثمود، لأن ثمود في بلاد العرب، وقصتهم كانت عندهم مشهورة وإن كانوا من العرب المتقدمين، من العرب البائدة. وأمر فرعون كان مشهورا عند أهل الكتاب وغيرهم. وكان من المتأخرين في الهلاك. فدل بهما على أمثالهما في الهلاك والدمار. والله أعلم. {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ}. بل حرف إضراب. والجملة للإضراب عن مماثلة كفار قريش وأمثالهم، الذين كفروا برسالة محمد، لأولئك الكفار الجبابرة المعتدين، وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان. كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب. فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الكريم. وليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ بما سمعوا من حديثهم، بل هو مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك. وقد تحدث الإمام الرازي عن هذه الآية فكان مما قاله فيها: (والمقصود بيان أن حال المؤمنين مع الكفار في جميع الأزمنة مستمرة على هذا النهج، وهذا هو المراد من قوله: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ}. ولما طيَّب قلب الرسول عليه السلام بحكاية أحوال الأولين في هذا الباب، سلاَّه بعد ذلك من وجه آخر، وهو قوله: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ}). {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ}. أي: والله تعالى قادر عليهم. قاهر قوتهم. محيط بهم من كل جهة، ثم لا يفوتونه، ولا يعجزونه. فلن ينجوا من بأس الله، الذي لا يرد عن القوم المجرمين، كما قال تعالى للمشركين: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [العنكبوت: 22]. {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ}. إضراب آخر. فيه رد لكفرهم. وإبطال لكذبهم. وتحقيق للحق. أي: ليس الأمر كما قالوا. بل هو كتاب شريف عالي المنزلة. رفيع الدرجة. بين الكتب الإلهية في النظم والمعنى والموضوع والأسلوب. أعجز البشر أن يأتوا بسورة من مثله، وهذا هو معني وصفه بالمجيد. {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}. أي: هو في الملأ الأعلى محفوظ مصون من الزيادة والنقص. والتغيير والتبديل. فلما حكم فيه بسعادة أقوام وشقاوة أقوام، وبتأذي قوم من قوم أو جماعة من جماعة، امتنع تغيره وتبدله. فوجب الرضا به. ولا شك أن هذا من أعظم موجبات التسلية. وقوله تعالى هنا: {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} يشبه ما قاله في آية أخرى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [الواقعة:77-78]، قال الرازي: فيحتمل أن يكون الكتاب المكنون. واللوح المحفوظ شيئا واحدًا. ثم كونه محفوظا يحتمل أن يكون المراد كونه محفوظا، عن أن يمسه إلا المطهرون. كما قال تعالى عن الكتاب المكنون: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79]. ويحتمل أن يكون المراد: ألا يجري عليه تغيير ولا تبديل. قال ابن عطية في محرره الوجيز: (قرأ جمهور القراء {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} بالخفض. صفة للوح المشهور بهذه الصفة. وقرأ نافع وحده –بخلاف عنه- وابن محيصن الأعرج: (محفوظٌ) بالرفع. صفة للقرآن. على نحو قوله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]. أي هو محفوظ في القلوب لا يدركه الخطأ والتبديل. والحمد لله رب العالمين. يتبع غداً إن شاء الله...