مشكلة البشر الكبرى تفضيل الحياة الدنيا على الآخرة

alarab
باب الريان 04 أغسطس 2011 , 12:00ص
دلالة كلمة (لسان) في القرآن وكلمة لسان في قوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ} ماذا يراد بها؟ اللسان يُراد به أحياناً هذا العضو: (صغير الْجِرْم كبير الجُرْمِ) كما يقول العرب. هذا الجرم الصغير؛ كما يقول الله عنه: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ} [البلد:8-9]. وكما يقول الله تعالى عنه: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور: 24]، وكما قال الله عنه: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 11]. وأحياناً يراد به هذا العضو (الفم)، وأحياناً يراد بكلمة اللسان: اللغة. لسان قوم أي: لغتهم، كما قال عزَّ وجل عن القرآن: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ (يا محمد) لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 193- 195]. هو لسان اللغة العربية، اختاره الله لينزل أعظم كتبه، وآخر كتبه التي تتضمَّن كلمات الله الأخيرة الهادية للبشرية جميعاً، اختار لغة العرب؛ لما فيها من خصائص لا تتوافر لغيرها من اللغات، {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]. اختار محمدا صلى الله عليه وسلم وهو أفضل الخلق، ليحمل الرسالة العامَّة الخالدة الخاتمة، واختار العرب ليكونوا قومه وصحابته، واختار لغةَ العرب لتكون اللغة التي ينزل بها القرآن العظيم، {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]. بيان الرسول صلى الله عليه وسلم {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} مهمة الرسول أن يُبيِّن، كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44]. وكما قال تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ} [النحل:64]. فهو كتاب مبين، فمن أوصاف القرآن أنه كتاب مبين: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} [الحجر:1]. والرسول مبين لقومه. الطريق إلى تبليغ الرسالة العالميَّة للناس: ولكن من المعروف أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم لم يرسل إلى العرب وحدهم إنما أرسل إلى العالمين {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان:1]، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [سبأ:28]، {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف: 158]. فكيف يخاطب الناسَ وهو مُرسَل بلسان عربيّ، وكتابه كتاب عربيّ، وقومه من العرب؟ هنا تأتي أهمية الترجمة. كيف سنوصل الرسالة العالمية إلى الناس؟ هنا يأتي دور الترجمة، نوصلها بأن نترجمها إليهم. الصحابة والمسلمون في الزمن الأول كانت خطَّتهم، وكان منهجهم أن يترجموا الأمم إلى الإسلام، الأمم تتحوَّل إلى الإسلام، ولغة الإسلام، يتحوَّلون إلى اللغة العربية، فلا يحتاجون إلى ترجمة، هم يتعلموا الإسلام ويتعلموا لغة القرآن معها، فلسنا بحاجة إلى أن نترجم لهم القرآن لأنهم تُرجموا إلى القرآن. بعد ذلك، لم يعد هذا النهج قائماً ولا مقدوراً عليه عند المتأخِّرين من المسلمين، أصبحنا في حاجة إلى أن نترجم القرآن إلى الناس. ترجمة القرآن في العقد الأول من القرن العشرين حصلت معركة في مصر بين العلماء عن ترجمة القرآن، هل يترجم القرآن أو لا يترجم القرآن؟ وقالوا: لا تجوز الترجمة، ودخل فيها شيخ الأزهر الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، ودخل فيها علماء كبار، وكتب قاضي القضاة الشيخ محمد سليمان، كتاباً سمَّاه: (حَدَث الأحداث في الإسلام)، وكُتِبَ فيها كتب، وانتهى الأمر بعد هذا كله، إلى أنه لا بدَّ من ترجمة معاني القرآن. ليس ترجمة القرآن ترجمة حرفية، ولكن ترجمة معاني القرآن، ولذلك كانت هنالك محاولات لعدم تشكيل موجز مختصر ليترجم منه القرآن. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف بمصر، عملوا منتخب اسمه: (المنتخب في تفسير القرآن)، اجتمع العلماء من مختلف الأقطار، وعملوا هذا ليترجم هذا المنتخب أو هذا الموجز ليكون هو ترجمة معاني القرآن. وما زال المسلمون إلى اليومُ مقَصِّرين في ترجمة معاني القرآن إلى اللغات المختلفة. لو نظرنا إلى ما فعل النَّصارى المُبشِّرون، والمُنصِّرون ترجموا الإنجيل إلى مئات وربما آلاف اللغات واللهجات للعالم، حتى اللهجات، ونحن حتى اليوم لم نكد نترجم القرآن إلى اللغة الإنجليزية التي هي أكثر اللغات اتِّساعاً، ويتكلم بها مئات الملايين من المسلمين. الإشادة بترجمة معاني القرآن للدكتور أحمد زكي حمَّاد: هنالك محاولات جيِّدة آخرها محاولة الأخ العالم الفاضل - الذي جمع بين الثقافتين: الثقافة الأزهريَّة والثقافة الغربية، ودرس في جامعة شيكاغو – أخونا الدكتور أحمد زكي حمَّاد، ترجم معاني القرآن إلى اللغة الإنجليزية، وعاش أكثر من عشرين سنة يعمل في هذه الترجمة.، وعرضها على كثير ممَّن يعرفون الإنجليزية فأثنوا عليه. وقد قمت بكتابة مقدِّمة لهذه الترجمة وإن لم أعرف اللغة الانجليزية، وإنما قلت ذلك بناء على تزكية المُزكِّين الثقات الذين يعرفون العربية والإنجليزية، ولأني أعرف الجهد الذي بُذِلَ فيه، وجمع من حوله مجموعة من الشباب وجمع التفاسير القديمة والحديثة، تفاسير الرواية وتفاسير الدراية، وشغل نفسه بهذا الأمر، وأصدر هذه الترجمة لمعاني القرآن الكريم. معنى جديد في قوله سبحانه: { بِلِسَانِ قَوْمِهِ}: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} أريد أن أقف هنا عند كلمة: {بِلِسَانِ قَوْمِهِ} أنا أستخلص من كلمة: {بِلِسَانِ قَوْمِهِ} معنى آخر غير المعنى العام الذي هو اللغة. فكلمة (لسان) لها معنى آخر كما وَرَدَ عن الإمام الشافعي وغيره قال: لسان اليونان غير لساننا. لا يقصد أنَّ اللغة غير اللغة؛ إنما يقصد أنَّ مدخلهم العقلي غير مدخلنا، كلُّ جماعة لهم لسان، ولذلك {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} أنا أفهمها أنَّ على الرسول أو على الداعية في عصرنا، على وَرَثة الرسل والأنبياء: أن يُكلِّموا كلَّ قوم بلسانهم، العامَّة لهم لسان، والخاصَّة لهم لسان، البدو لهم لسان، والحضر لهم لسان، أهل المدن لهم لسان، وأهل الريف والقُرى لهم لسان، أهل الشرق لهم لسان، وأهل الغرب لهم لسان، الناس في القرن الحادي والعشرين لهم لسان، وقبل قرنين مَضَيا لهم لسان آخر. لا بدَّ أن تُحدِّث الناس بلسانهم، كثيرٌ من الدعاة يُخْطئون هذا المنهج، ويتحدَّثون بلسان غير اللسان المطلوب، يذهبون إلى العوام ويحدِّثونهم بلسان الخواص، فيشْكِلُوا الأمر عليهم، ولا يستطيعون أن يصلوا إليهم أو العكس، أو يذهب إلى أميركا ويحدث الناس بمشكلات بلاد الشرق الأوسط، يتحدَّث عن الأضرحة والمزارات والأولياء، وأميركا ليس فيها أضرحة ولا غيرها من الأمور الموجودة في الشرق الأوسط، لم يشغل الناس بمشكلة غير موجودة.؟!! نريد من وَرَثَة الرُّسل والأنبياء أن يبيِّنوا لقومهم بلسانهم، يكلِّم كل جماعة بلسانها حتى يصلوا إلى الحق. {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} علينا الدعوة وعلى الله تعالى الهداية: أي: أرسلناهم بلغات أقوامهم وبلسان أقوامهم ليُبيِّنوا، ولكن ليس من الضروري أن يهتدي جميع الناس بعد البيان. الإنسانُ عليه البيان، وعليه البلاغ، ولكن ليس عليه الهداية كما قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:272]. إنَّما عليك الدعوة وعلى الله الهداية، عليك البلاغ وعلى الله الحساب، عليك أن تَبْذُر الحبّ وترجوَ الثمار من الرب، ابْذُر بذور الدعوة، قُل كلمة الحق، ولكن النتيجة ليست بيدك. سيِّدُنا نوح ظلَّ ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو الناس وما قصَّر وما ضعُف: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً} [نوح: 7،5]. وَضَعُوا أصَابِعَهم في آذانهم، وقالوا: لا نريد أن نسمعَ صَوْتَك: {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ}. وَضعُوا ثيابَهم على وجوههم وعلى أعينهم، وقالوا: لا نريد أن نرى وجهك، ولا نُحبُّ رؤيتك ولا سماعك. ما قصَّر نوح عليه السلام، بل قال: { ثم إني دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثم إني أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً * فَقُلْت اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً } [نوح: 8- 12]. وَعَظهم ورغَّبهم في أمور الدنيا وأمور الآخرة ولم يُقصِّر. سُنن الله في الهداية والضلال: {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ولكنَّ الله يضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء، القلوب ليست بأيدينا، القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن. هنالك سنن تحكم الناس، هنالك أمور هي التي تتحكم في الناس، وقد رأينا أناساً يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، يتَّضح لهم الحق ومع هذا يكفرون، من بعد ما تبيَّن لهم الحق، كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} [النمل:14]. بعد البيان يضلُّ الله مَنْ يشاء ويهدي من يشاء. وقوله تعالى: {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} فيها كلام كثير، لأنَّ بعض الناس يريد أن يجعل من مثل هذه الآيات دليلاً على الجبْر، دليلٌ على أن الإنسان مُسيَّر لا مُخيَّر، وأنه مجبورٌ لا مُختار، وأنَّ الله هو الذي يضل ويهدي وأن الهداية بيده! مثل هذا الكلام ليس صحيحاً، إنَّما الهداية من الله، إنه يعطي نَفَحات لمن يشاء، ولكنه وضَّح للجميع الحق، وأقام الحُجَّة، وأبْطَلَ التَّعِلاتَّ والأعذار، ليس لأحد أن يقول: أنا لم أعرف الحقيقة، لا، بل عرفت وكل شيء كان أمامك، كل شيء كان واضحاً. ما الذي منعك من الإيمان كما قال تعالى: {فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 20 -21]؟! {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} [النساء: 39]؟!! {وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الحديد: 8]؟!! الأمور واضحة. فقوله تعالى: {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ليست معناها: أنَّ الأمر فيه جَبْر أو اختيار، بل الأمر مَوْكولٌ إلى إرادة الإنسان واختياره: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [الأنعام:104]، {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الإسراء: 15]، {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]. الإضْلال والهداية بحَسَب ما في النفوس كما قال تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 26 - 27]، {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد:27]، {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى:13]. هنالك إذن استعدادات في النفوس تأتي الهداية والإضلال بحسبها: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}. مناقشة أحد المفسِّرين المعاصرين في إرجاع ضمير الضلال والهداية إلى كلمة (مَنْ): وهنا ملاحظة كان ذكرها أحد المفسِّرين في العصر الحديث، وهو الأستاذ: عبدالحميد الخطيب، وكان سفير المملكة العربية السعودية في باكستان وبنغلادش وله تفسير، (تفسير الخطيب المكي) هذا التفسير قال فيه: {يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} مَنْ يشاء الضلالة يضلُّه، ومَنْ يشاء الهداية يَهْديه. فجعل يشاء هنا ليست مرجع الضمير إلى الله، ولكن مرجع الضمير إلى كلمة (مَنْ)، مَنْ شاء الضلالة أضلَّه الله، ومَنْ شاء الهداية هَدَاه الله، وبعض الناس أيَّده في هذا، وأنا أرى أنَّ هذا ليس هو المُتَبَادَر من الآية، لأن كلمة: { مَنْ يَشَاءُ} ذُكرت في آيات كثيرة جدًّا: {يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 212]، {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ} [العنكبوت: 21]، {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: 129]. ذُكرت (مَنْ يشاء) في القرآن الكريم مرَّات عديدة أكثر من مئة مرة كلها ترجع إلى الله عزَّ وجل. فلماذا كلمة: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ}، هنا نستثنيها، ونقول: {مَنْ يَشَاءُ} أي: الإنسان، فماذا تفعل في قوله تعالى:{إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ} [الأعراف: 155]؟ الخطاب هنا لا يُوجد فيه: {مَنْ يَشَاءُ}. فالذي يشاء هو الله عزَّ وجل، {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ}، أي: الله يُضِلُّ مَنْ يشاء له الضلالة، {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} أي: له الهداية، ولكن الهداية والضلالة تأتي وَفْق سُنن الله. فهذا الكونُ كلُّه بما فيه الإنسان، تحكمه سننٌ وقوانين كونيَّة واجتماعيَّة لا تَتَبدَّل ولا تَتَحوَّل، {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر:43]. سرُّ اقْتران العِزَّة بالحكمة: {هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} العزيز: القويُّ الغالب المنيع الذي لا يُغْلَب، ولا يعجزه شيء ولا يقهره شيء، بل هو الواحد القهَّار، هو الغالبُ دائما، هو القادرُ دائما، هو العزيزُ، وهو الحكيم. كثيرا ما يُذكر مع العزَّة الحكمة، قُرِنَت الحكمة بالعزَّة في القرآن في آيات كثيرة: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 220]، {هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 6] {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} [النساء: 158]. الحكيم: هو الذي يضع كلَّ شيء في مَوْضعه، ليس هنالك خَلَل، الحكمة الإلهيَّة وَضَعت كلَّ شيء بمقدار: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد:8]. {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49]، {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} [الفرقان: 2]. كل شيء بقَدَر موزون، {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} [الحجر: 19] حتى النبات موزون، علماء البيولوجيا والنبات يقولون: موزون ليس الميزان المعنوي فقط، بل هو ميزانٌ حقيقيٌّ يمكن بالمليغرام، وما هو أدق من المليغرام، كلُّ شيء موزون، فالله سبحانه وتعالى هو الحكيم: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} [البقرة: 269]، هو الذي آتى آدمَ الحكمة، هو الذي آتى داود الحكمة، هو الذي آتى الأنبياء الحكمة، هو صاحب الحكمة، وهو الحكيم بكلِّ شيء، لم يَخْلُق شيئا باطلاً، ولم يَشْرَع شيئا عَبَثا، كما قال أُولوا الألباب: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاما وَقُعُودا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:191]. دعوة موسى عليه السلام { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} قصة موسى عليه السلام في القرآن: بعد أن أخبرنا الله سبحانه أنه يرسل رسله بلسان أقوامهم ليُبيِّنوا لهم، وأنَّ هذه سنة من سننه في جميع مَنْ أرسلهم من النبيِّين، قصَّ علينا بإيجاز قصَّة أحد هؤلاء الرسل الذين أرسلهم إلى قومهم بلسانهم بلغتهم ليُبيِّن لهم، هذا الرسول الكريم هو: أحد أُولي العزْم من الرُّسل الذي اصْطفاه الله برسالاته وبكلامه، خصَّه من دون الرسل بأنه كلَّمه تكليما (أي: مباشرة): {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253]. الذي كلَّمه الله هو موسى. موسى عليه السلام أكثر الأنبياء ذكرا في القرآن: وموسى قد عُني القرآن الكريم بقصَّته مع فرعون وملئه، وبقصَّته مع قومه بني إسرائيل، ولذلك تكرَّر ذكرُ اسم موسى في القرآن: مئة وستا وثلاثين مرة، فهو أكثر نبيٍّ من الأنبياء ذُكر اسمه في القرآن، وسيدنا إبراهيم ذُكِرَ اسمُه تسعة وستين مرة، سيِّدنا نوح - شيخ المرسلين – ذُكِرَ اسمُه ثلاثًا وأربعين مرَّة، سيدنا عيسى ذُكر خمسا وعشرين مرَّة، وإن كان ذُكر أحيانا باسم المسيح، وباسم ابن مريم {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا } [الزخرف:57]. حديث القرآن عن خاتم النَّبيِّين محمَّد صلى الله عليه وسلم: أما محمد صلى الله عليه وسلم فلم يذكر باسمه إلا أربع مرَّات. هل لأنَّ أمر محمد هيِّن عند ربه؟! لا ؛ لأنَّ القرآن كلَّه عن محمد صلى الله عليه وسلم، فأحيانا يُذكر باسم النبيِّ واسم الرسول: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ } [الأحزاب: 6]. {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات:1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } [الحجرات:2]. {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ } [الحجرات:3]. فالحديثُ عنه صلى الله عليه وسلم تحت اسم: النبي، والرسول، ورسول الله، وبالخطاب المباشر {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى:1-5]. إلى آخر السورة، {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ *وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ *الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ* الَّذِي وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 1- 4]. فالقرآن خطابٌ لمحمد، أو حديثٌ عن محمد، وعن دعوة محمد، وعن رسالة محمد. عناية القرآن بقصَّة موسى عليه السلام: المهم أنَّ القرآن عُني بقصَّة موسى، حتى قال بعض علماء التفسير وعلوم القرآن: كاد القرآن يكون لموسى وقومِهِ. بمعنى أنَّ مئة وستًا وثلاثين مرَّة، وفي بعض الأحيان يطيل الحديث عنه، في سورة البقرة تحدَّث عن موسى وبني إسرائيل، وفي سورة المائدة، وفي سورة الأعراف أطال ذكر قصته خصوصا بعد أن نُجّي بنو إسرائيل من آل فرعون، وفي سورة طه، وسورة القصص، وسورة الشعراء، وفي سور كثيرة. قضيَّة الرسل والرسالة في سورة إبراهيم: وهنا ذكر عن موسى كلاما موجزا لمناسبة أنَّ الله لم يُرسل رسولاً إلا بلسان قومه لِيُبيِّن لهم، ومَنْ يتأمَّل سورةَ إبراهيم يجدها تدور حول قضية الرسل والرسالة. الرسل، وأقوام الرسل الظلمة الذين وقفوا في وجه الرسل، وقاوموهم وعاندوهم، هذا ما نراه في هذه السورة: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم:4]، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم:5]. {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 10]. {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [إبراهيم: 11]. {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [إبراهيم:13]. {فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} [إبراهيم:47]. إلى آخر السورة دلالة كلمة (لقد) {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}. علماء العربية يقولون: اللام هنا مُوَطِّئة للقسم كأنَّ الله يقسم (ولقد). و(قد) هنا للتحقيق: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى} يُؤكِّد أنَّ الله أرسل موسى بما ذكره: {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}. الآيات الدالات على صحَّة النبَّوة: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا} الآيات هي المُؤِّيدات الدالات على صحَّة النبَّوة وصدق النبيِّ، أو ما يُسِّميه علماء العقائد أو علماء الكلام في تراثنا: (المعجزات). القرآن لم يجئ بهذا المُصْطَلح مطلقا، فكلمة المعجزات لم تَجئ في القرآن أبدا، إنما جاء في القر