الصفحات المتخصصة
04 يوليو 2016 , 12:01ص
نورة النعمة
(عذرك غير مقبول)، (عذرك أقبح من ذنبك)، (أعذارك وايده)، (أعذراك ما تنتهي)، (مش مقبول عذرك)، (أعذارك واهية).
الإنسان في حياته اليومية يواجه آلاف المواقف التي تمر عليه، ويتخذ المرء في هذه المواقف مئات القرارات, بعض من هذه القرارات تكون صائبة، وبعضها قرارات خاطئة، وعلى حسب الموقف، وعلى حسب نفسية متخذ القرار.
من يملك الشجاعة الكافية لكي يعتذر عن أخطائه التي ارتكبها بقصد أو بسوء فَهْم؟ وهل الآخر يقبل بكل سعة صدر عذر من جاءه معتذراً عن خطأ أُرتكبه؟
راحة المؤمن وسعادته في الاعتذار وقبول الأعذار؛ لأن الاعتذار شاقّ, وقليل من الأنفس التي تتحمله، وخاصة بين من يعتدون بأنفسهم, ممن نشؤوا على الأثرة والترفع, فيصعب عليهم جداً أن تخرج كلمة الاعتذار من أفواههم أو أن يقبلوا اعتذار من يعتذر.
الاعتذار يحتاج لكثير من المجاهدة مع النفس، لكي يستطيع الإنسان قيادة نفسه وتطويعها لتقبل بهذا الأمر.
والاعتذار في عالمنا العربي بالذات مرتبط كثيراً بالعادات التي يكتسبها الإنسان منذ صغره, بحيث تنغرس فيه كل الأفكار والمعتقدات والعادات، والتي بطبيعة الحال يصعب تغييرها بعد ذلك إلا بجهد كبير بين الإنسان ونفسه.
كم من بيوت تشتت وخربت، وكم من عداوات دامت واستمرت, وكان يكفي أن تُقال كلمة واحدة فقط لتصفى النفوس, وأيضاً للاعتذار وقت، لن يجدي إذا لم يُقَلْ في وقته؛ لأنه الكلمة إذا استقرت في النفس، كبرت ورسخت بحيث يصعب إزالتها ولن يكون له أية قيمة ولا أثر.
ولنا في رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة في قبول اعتذار المعتذر, ففي موقفه مع حادثة قتل ابنته زينب رضي الله دفعها رجل كان مشركاً وقتها وهو هبار بن الأسود, دفعها وهي حبلى فسقطت من فوق بعيرها فأسقطت جنينها ولا زالت مريضة في المدينة بعدها حتى لقيت ربها, وبعد الفتح أتى هَبّارٌ إلى رسول الله ويعتذر إليه، وقد أسلم, فقال رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم: «قد عفوت عنك وقد أحسن الله إليك حيث هداك إلى الإسلام والإسلام يَجُبُّ ما قبله».
وليس مَن يعتد بنفسه من يأبى الاعتذار إن أخطأ, ولكن المعتد هو من يصون نفسه ولا يخطئ حتى لا يضطر إلى الاعتذار.
وديننا الحنيف يخبرنا أن هناك منزلةً عظمي لا يدركها إلا كل من صَفَا قلبُه وحسُنت نيَّتُه, وهي التماس الأعذار للمخطئين؛ لأنه يعرف النفس البشرية، ويعرف ضعفها، ويتذكر المقولة: (إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذراً واحداً إلى سبعين عذراً، فإن أصبته، وإلا، قلْ لعل له عذراً لا أعرفه).
ويظل الاعتراف بالذنب خلقاً نادراً في مجتمعاتنا وبالتالي لا يزال الاعتذار عن الخطأ صعباً ومستبعَداً لاعتبارات وتقاليد متوارثة لم تتنور بما شاع من عِلم ودين، أو بِما بدأ ينتشر من وعي.
فما زال المخطئ يخطئ ولا يعترف بخطئه، وعن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في حديث أنس قال: (إياك وكل ما يعتذر منه)، يبين لنا فيه صلى الله عليه وسلم أنه ينبغي على المسلم أن يتجنب فعل الأمور التي يحتاج فيها إلى الاعتذار بعد فعلها، لأنه يعلم بصعوبة الأمر على النفس.
اللهم افتح لنا أبواب الخير والتيسير، وسد عنا باب الشر والتعسير اللهم لا تسلمنا إلى عدو يؤذينا، ولا إلى صديق يردينا، وارزقنا رزقاً حلالاً يغنينا، اللهم لا تشمت أعداءنا بأفعالنا واجعل القرآن العظيم نوراً لقلوبنا.