باب الريان
04 يونيو 2017 , 12:07ص
الدوحة - العرب
تنشر «العرب» وبصورة حصرية على صفحات ملحق رمضان طوال أيام الشهر المعظم، حلقات من كتاب العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، والذي جاء بعنوان: «القضايا المبدئية والمصيرية الكبرى للإنسان: ماذا أنا؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ ولِمَ؟»
قال فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي في مقاله السابق، وهو جزء من كتاب «القضايا المبدئية والمصيرية الكبرى للإنسان»، والذي ينشر حصرياً على صفحات «العرب» طوال أيام شهر رمضان المعظم: «كل صنعة لا بد لها من صانع، وكل شجرة لا بد لها من غارس، وكل حبة لا بد لها من زارع، هذه الحقيقة المكشوفة من الضرورات العقلية، التي تَوَافق عليها الناس في الزمن القديم والوسيط والحديث. وإذا لم يعترفوا بهذه الحقيقة الناصعة فلا بد أن يقولوا شيئاً آخر، أقربه وأسرعه: أن يقولوا: هم الذين خلقوا أنفسهم!»
وأضاف هل معقول أن يقول إنسان عاقل: إنه خلق نفسه؟! وكيف يخلق الإنسان نفسه؟! الإنسان كان قبل أن يُخلق عدماً مطلقاً، لم يكن شيئاً مذكوراً، فكيف ينشئ العدم الوجود؟! وإذا لم يخلقوا هم أنفسهم، فمن الذي خلق الكائنات الكبيرة من فوقهم ومن تحتهم؟ أهم خلقوها؟ كيف وهي موجودة قبل أن يوجدوا؟ ولم يدَّعِ أحد ممن ادعى الألوهية لنفسه أو متبوعه: أنه خلق الأرض التي سطحت، والجبال التي نصبت، والسماء التي رفعت.
هم بداهة لم يخلقوا من غير شيء، وطبعاً لم يخلقوا أنفسهم، ولم يدَّعِ أحد منهم ولا ممن قبلهم أو بعدهم أنه خالق السماوات والأرض! فمن الخالق إذن؟! وليس لهذا السؤال إلا جواب واحد، لا يملك الإنسان- إذا تُرِك ونفسه- إلا أن يجيب به، كما فعل مشركو العرب أنفسهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ}. [الزخرف:9].
إلى أين المسير؟
أما السؤال الثاني: إلى أين؟ فقد أجبنا عنه في مطلبنا الأول، ومع هذا لا بأس أن نزيد هنا على ما قلنا من قبل، فإن الماديِّين يجيبون عنه جواباً يهبط بالإنسان المكرم إلى دَرَك الحيوانية الدنيا، إنهم يقولون ببساطة عن مصير الإنسان بعد رحلة الحياة الحافلة: إنه الفناء والعدم المطلق؛ أن تطويه الأرض في بطنها، كما طوت ملايين الحيوانات الأخرى، وأن تعيد هذا الجسد -الذي هو الإنسان عندهم- إلى عناصره الأولى، فيعود تراباً تذروه الرياح!
هذه هي قصة الحياة والإنسان عند هؤلاء، كما عبروا عنها: أرحام تدفع، وأرض تبلع! ولا خلود ولا جزاء، يستوي في ذلك من عاش عُمَره للناس على حساب شهواته، ومن عاش عمره لشهواته على حساب الناس، يستوي في ذلك من ضحَّى بحياته في سبيل الحق، ومن اعتدى على حياة الآخرين في سبيل الباطل!
فعلامَ- إذن- تميُّز الإنسان على غيره من كائنات الأرض؟ ولماذا سُخِّر له كل ما حوله؟ ولماذا مُنِح من المواهب والقوى الروحية والعقلية ما لم يُمنح لغيره؟ وما سر هذا التطلُّع إلى الكمال والخلود، الذي يغمر جوانب نفسه، إذا كان مصيره التلاشي والعدم بعد أيام الحياة المعدودات؟!
أما المؤمنون فهم يعرفون إلى أين يسيرون؟ يعرفون أنهم لم يُخلقوا لهذه الدنيا، وإنما خُلِقت هذه الدنيا لهم.
يعرفون أنهم خلقوا لحياة الخلود ودار البقاء، وهم في هذه الحياة إنما يستصلحون ويعَدون للدار الأخرى، ويتزودون منها هنا ما ينفعهم هناك، ويترقون في مدارج الكمال الروحي والنفسي، حتى يكونوا أهلاً لدخول تلك الدار الطيبة التي لا يدخلها إلا الطيبون، وهناك يقول لهم خزنتها: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}. [الزمر:73].
وإنه لعسير على العقل أن يؤمن بخالق عليم حكيم، أحسن هذا الكون صنعاً، وقدر كل شيء فيه تقديراً، ووضع كل شيء فيه بميزان وحساب، ثم يؤمن بعد ذلك أن سوق هذه الحياة ستنفض، وقد نهب فيها الناهب، وسرق السارق، وقتل القاتل، وبطش الباطش، ولا تقتص يد العدل الإلهي من هؤلاء المجرمين، ولا تنتصر للضعيف المظلوم، الذي لم يكن له نصير غير الله، ولا ملجأ غير السماء، ولا تكافئ المحسن الذي كافأه الناس بالتنكر والاضطهاد!!
إن هذا لهو العبث الذي يتنزه خالق هذا الكون البديع عنه، وإنه الباطل الذي قامت السماوات والأرض بضده، وما أروع القرآن وهو يوضح هذه الحقيقة الكبيرة حين يقول: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ}.
[المؤمنون:115- 116]. {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى}. [القيامة:36]. {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}. [الجاثية:21- 22]. {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}. [ص:27- 28]. {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ}. [الدخان:38- 40]!
لماذا خُلِق الإنسان؟
وأما السؤال الثالث، وهو الذي يجب أن يسأله الإنسان بعد أن يعرف أنه مخلوق لخالق، ومربوب لرب، وهو ببساطة: لماذا خُلقتُ في هذه الحياة؟ ولماذا مُيِّزت على سائر الكائنات الأخرى؟ وما مهمتي فوق الأرض؟ فالجواب عنه عند المؤمنين حاضر: إن كل صانع يعرف سرَّ صنعته: لماذا صنعها؟
ولماذا صنعها على نحو معين دون غيره؟
والله تعالى هو صانع الإنسان وخالقه ومدبِّر أمره، فلنسألْه: يا رب، لماذا خلقتَ هذا الإنسان؟ هل خلقته لمجرد الطعام والشراب؟
هل خلقته للهو واللعب؟ هل خلقته لمجرد أن يمشي على التراب، ويأكل ممَّا خرج من التراب، ثم يعود كما كان إلى التراب، وقد خُتمت القصة؟ هل ليعيش تلك الفترة القصيرة المعذبة، ما بين صرخة الوضع وأنّة النزع؟ إذن، فما سرُّ هذه القوى والملكات التي أودعتها الإنسان من عقل وإرادة وروح؟
وسيردُّ الله على تساؤلنا بما بين لنا في كتابه، كتاب الخلود: أنه خلقه ليكون خليفة في الأرض، وهذا واضح في خلق آدم، وما كان من تمني الملائكة لمنزلته: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُون}. [البقرة:30].
وأول شيء في هذه الخلافة: أن يعرف الإنسان ربَّه حقَّ معرفتِه، ويعبده حقَّ عبادته، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنـزلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً}. [الطلاق:12]. وفي هذه الآية جعلت معرفة الله هي الغاية من خلق السماوات والأرض. ويقول تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}. [الذاريات:56-58].