سبق الفقه الإسلامي إلى المبادئ الحديثة
باب الريان
04 يونيو 2017 , 12:07ص
علي القرة داغي
قال الشيخ علي محي الدين القرة داغي في كتابه الاجتهاد، والذي ينشر على حلقات بصحيفة "العرب" طوال شهر رمضان المعظم "وعلى منهج الصحابة سار التابعون حيث كانوا إذا حدث حادث جديد، وظهرت مستجدات كانوا يبحثون عن حكمها في كتاب الله، ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه، ثم ما أجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم، فإن لم يجدوا ذلك كانوا يجتهدون عن طريق القياس، والاستصحاب، والاستصلاح، ونحوها".
وأضاف منذ القرنين الثاني والثالث الهجريين استقر الفقه من خلال تأصيل أصوله، وأدلته المعتبرة، وكيفية الاستنباط وضوابطه وقواعده وشروطه، حيث ظهرت المذاهب الفقهية، واتضحت طرائق الاجتهاد والفتوى، وتبينت المدارس الفقهية المختلفة من حيث الإكثار من الاعتماد على النصوص وظواهرها، وهذا ما يسمى بمدرسة الأثر التي ظهرت في الحجاز بصورة أكثر، أو الإكثار من الرأي والقياس والاستغراق في المسائل الافتراضية، حيث سمي بمدرسة الرأي التي ظهرت في العراق بصورة أكبر، فظهرت المذاهب الفقهية من حنفية، ومالكية، وشافعية، وحنابلة، كما أنه كانت هناك مذاهب أخرى مثل مذهب الثوري، والأوزاعي، والمذهب الإباضي، ثم الظاهري وغيرهم .
فجميع هذه المدارس أو المذاهب متفقون على الأصول العامة والمصادر الأصلية من الكتاب والسنة وعلى الإجماع والقياس، ولكنهم يختلفون في التوسع في الاعتماد على المصادر التبعية الأخرى مثل القياس، والاستحسان ونحوهما، وكذلك في التوسع في المسائل الفرضية.
وظهر في عصر الفقهاء أمر آخر وهو في اصطلاح الفقهاء له معنيان: أحدهما: تخريج الفروع على الأصول، وهو استنباط الأحكام من القواعد، أو إخراج أحكام جزئيات القاعدة من القوة إلى الفعل، حيث ألف فيه عدد من الفقهاء منهم الإمام عبيد الله بن عمر الدبوسي (ت430هـ) في كتابه تأسيس النظر، والإمام شهاب الدين الزنجاني (ت656هـ) في كتابه التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، الذي نلقي عليه الأضواء، حيث شرح أهم أهدافه فقال: (فأذكر أولاً المسألة الأصولية بجميع أطرافها منقحة مهذبة ملخصة، ثم أتبعها بذكر شيء مما يتفرع عليها، ليكون ذلك تنبيهاً على ما لم أذكره) .
الثاني: تخريج الفروع من الفروع، وهو استنباط الأحكام من فروع الأئمة المنسوبة إليهم.
وقد لجأ أصحاب المذاهب الفقهية من المتأخرين إلى التخريج لبيان الحكم الفقهي للنوازل والمستجدات حسب المذهب الفقهي لكل فقيه، فمثلاً إذا نزلت نازلة جديدة وعرضت على فقيه حنفي فإنه يخرجها على ضوء فروع مذهب إمامه أبي حنيفة رحمه الله، أو أبي يوسف، أو محمد، وهكذا يفعل بقية فقهاء المذاهب، ولذلك نجد هذا الكم الكبير من الفتاوى والنوازل لدى المذاهب الفقهية، ونجد مجلدات ضخاماً في كل مذهب، حيث تنسب هذه الفتاوى إلى تلك المذاهب بهذا الاعتبار.
ثم أصاب الفقه الإِسلامي جمود بعد عصور الازدهار، حيث ساد التقليد، والتعصب المذهبي، وبخاصة بعد غزو المغول والتتر، ولكنه مع ذلك ظلت الشريعة هي المرجعية الوحيدة للتشريعات داخل الأمة الإسلامية، ولذلك يظهر مجددون وعلماء مؤثرون بين حين وآخر، ولكن النكسة الكبرى وقعت خلال فترة الاحتلال الأجنبـي الذي أحَلَّ القوانين الوضيعة محل الشريعة الإِسلامية، فقامت الحركات الإسلامية والعلماء المصلحون بالتصدي للاحتلال وبناء الأمة من جديد وبالإصلاح والتغيير حتى تعود الأمة إلى شريعتها ورسالتها، وهويتها فنجحت في مواقع ولا زال الصراع قائماً وسيحسم لصالح الشريعة بإذن الله تعالى .
فقد نهض الفقه الإسلامي في عصرنا الحاضر مرة أخرى، واستطاع أن يثبت للعالم بأنه فقه مرن قادر على مواكبة العصر مع الحفاظ على الثوابت والمستجدات، فقد أوجد الحلول المناسبة، بل المتطورة النافعة لمستجدات الاقتصاد والسياسة والطب، وكشف الدراسات والرسائل العلمية المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية، والنظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية سبق الفقه الإسلامي إلى كثير من النظريات والمبادئ الحديثة، إضافة إلى قدرتها على الاحتواء والاستيعاب من خلال المبادئ العامة والقواعد الكلية، ومقاصد الشريعة، والمصادر التبعية للفقه الإسلامي .