النبي يوظف المعطيات التاريخية لبناء تحالفات سياسية جديدة
باب الريان
04 يونيو 2017 , 12:07ص
احمد حافظ
عاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة، بعد رفض أهل الطائف الإيمان بالدعوة الإسلامية، والمبالغة في إيذائه، وقرر مواجهة كفار مكة على نفس الأرض التي يقيمون عليها، ورفض الانسحاب إلى خارجها عبر طلب الحماية من قبيلة خارج مكة، أو الانعزال وعبادة الله وحده بعيداً عن المشركين.
ولم تكن عودة النبي إلى مكة هينة، بل تحيط بها المخاطر من جوانب شتى، فقريش علمت برغبة النبي بخروجه من مكة، وطلبه الحماية من القبائل العربية، وهذا يمثل تهديداً سياسياً واقتصادياً لهم، وبالنسبة لهم لم تعد خطورة محمد محصورة داخل أسوار مكة، بل تجاوز الأمر إلى تهديد خارجي في أهم ما يمدها بأسباب البقاء: السيادة السياسية، والتأثير الروحي الديني.
وعودة الرسول صلى الله عليه وسلم من الطائف على هذه الحال، تمثل هزيمة له عند قريش، مما يدفعهم إلى الاجتراء على النبي وأصحابه، ويزداد أذاهم وتجبرهم.
فقرر صلى الله عليه وسلم أن يفجر مكة من الداخل، بدل أن يطوقها من الخارج، وأن يوجد حلفاء له من داخلها، ويجعل مكاناً له في قلبها، عبر طلب الحماية ممن يمكنه إجارته صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن مسلماً، لكنه يستطيع أن يمثل الغطاء الذي يحمي النبي من بطش كفار كقريش.
ووظف النبي صلى الله عليه وسلم الأعراف والتقاليد التي في مجتمعه لمصلحة الإسلام، فكان ينظر للبناء الاجتماعي القائم، بوصفه حقيقة موضوعية، تاريخية، وينظر للإنسان الكافر ليس بوصفه رقماً حسابياً فردياً منقطعاً، وإنما ينظر إليه كفرد في شبكة اجتماعية متداخلة العلاقات ومتنوعة الدوافع، وإن الإنسان يملك الفرصة والإمكان لأن يتحول هو نفسه وطوع إرادته إلى قوة اجتماعية مؤثرة، وله وزن في اتخاذ القرار ونقضه، وفقاً للقيم التي يختارها.
فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المطعم بن عدي -سيد قبيلة بني نوفل بن عبد مناف- قائلاً: «أدخل في جوارك؟» فقال: نعم. ودعا بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمداً، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته، فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمداً فلا يهجه أحد منكم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه وصلى ركعتين وانصرف إلى بيته، والمطعم بن عدي وولده محدقون بالسلاح حتى دخل بيته.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يستثمر -برؤية استراتيجية- المعطيات التاريخية بوعي عميق؛ وذلك عندما تخاصم عبد المطلب وقبيلة نوفل -التي يتزعمها في عهد النبي المطعم بن عدي- واستنصر في هذه الخصومة عبد المطلب أخواله من بني عبد النجار من الخزرج، فجاؤوه بجمع كبير، فخافوهم بنو نوفل، فردوا مظلمة عبد المطلب، وطلبوا بعدها الدخول معه في حلف، على غير رغبة من قريش.
والنبي بدخوله في حماية المطعم بن عدي، يحيي عهداً قديماً، ويثير نخوة موجودة، فلا يمثل نقصاً له، ولا تفضلاً من المطعم بن عدي على النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه التخطيط الاستراتيجي والرؤية السياسية للرسول الكريم، الذي يستثمر فيها كل المعطيات من أجل قيام الدعوة، وبناء دولة الإسلام.