طاهر: المعاصي تميت القلوب
محليات
04 أبريل 2015 , 02:37ص
الدوحة - العرب
وصف الشيخ محمد يحيى طاهر، مرضَ القلب بأنه داء عضال خفي قد لا يعرفه صاحبه، ومن الصعب عليه الصبر على مرارة دوائه، لأن دواءه هو مخالفة الهوى.
وبيَّن في خطبة الجمعة، التي ألقاها أمس بجامع الأخوين سحيم وناصر أبناء الشيخ حمد بن عبد الله بن جاسم آل ثاني، أن القلب هو ملك الأعضاء، ومصدر سعادتها أو شقائها، ومصدر صلاحها أو فسادها، مذكّراً بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
ونبَّه إلى أن في هذا الحديث دليلًا على أن صلاح أعمال العبد بحسب صلاح قلبه، وأن فساد أعمال العبد بحسب فساد قلبه، فالقلب الصالح هو القلب السليم الذي لا ينفع عند الله غيره، قال تعالى: «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُون * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ».
وتحدث فضيلته، عن أنواع القلوب، فأشار إلى أنها ثلاثة أنواع، الأول: قلب سليم، وهو سالم من الآفات والمكروهات كلها، وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله وخشيته، وخشية ما يباعد عنه.
والثاني هو: القلب الميت الذي لا حياة به، فهو لا يعرف ربه ولا يعبده فهو واقف مع شهواته ولذاته، ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فلا يستجيب للناصح، بل يتبع كل شيطان مريد، أما النوع الثالث من القلوب، فهو: القلب المريض وهو قلب له حياة وبه علة.
حياة القلوب
ونوه الخطيب إلى أن لحياة القلوب وموتها ومرضها 5 أسباب يفعلها الإنسان، موضحًا أن من أسباب حياتها: «الإقبال على الله وتلاوة كتابه وتدبره والاشتغال بذكره، قال تعالى: «الَّذِين آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»، وقال تعالى: «أَلم يأْنِ لِلَّذِين آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ»، مبيناً أن من أسباب حياة القلوب كذلك مجالسة الصالحين ومخالطتهم والاقتداء بهم. ومن أسبابها أيضاً الاستماع إلى المواعظ والتذكير والمحافظة على صلاة الجمعة والجماعة. كما أن من أسباب حياة القلوب كذلك، النظر والتفكر في مخلوقات الله وما فيها من الحكم، قال تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ». ومن أسباب حياة القلوب أيضاً: النظر في عواقب الظَلَمة والمفسدين، وما أحلَّ الله بهم من العقوبات. حيث قال تعالى: «فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ».
موت القلوب
ثم انتقل الخطيب، إلى الحديث عن أسباب موت القلوب، فأشار إلى أن منها: «إعراضها عن قبول الحق بعد معرفتها له، قال تعالى: «فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ»، وقال تعالى: «ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِين آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ».
ولفت إلى أن القلب الميت يكون صاحبه أضل من البهائم، ويكون مآله إلى جهنم، قال تعالى: «وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ»، فيصبح هذا القلب مطموساً منكوساً مختوماً عليه لا ينتفع به غذاؤه، والضلال طريقه، والجحيم مصيره.
مرض القلوب
وعرض الخطيب، لأسباب مرض القلوب، فبيَّن أن منها: أكل الحرام مشيراً إلى أن المطعم الخبيث يغذي تغذية خبيثة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- في الذي يطيل السفر «أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك». وما أكثر أكل الحرام في وقتنا هذا، مما سبب مرض القلوب وفساد التصرفات وانحطاط الأخلاق.
وأكد أن من أسباب مرض القلوب كذلك: فعل المعاصي، منوهاً أن المعاصي تؤثر في القلوب وتمرضها، قال تعالى: «كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» وقد ورد في الحديث، أن العبد إذا أذنب ذنبا نُكت في قلبه نُكتة سوداء، فإن تاب زالت تلك النكتة، وإلا تزايدت وعظم خطرها على القلب.
وواصل الخطيب، الحديث عن أسباب مرض القلوب، فقال» إن منها: استماع ما لا يجوز استماعه من الكلام المحرم، واستماع الملاهي من الأغاني والمزامير، مشيراً إلى أن هذا البلاء قد كثر في هذا الزمان وتنوعت مفاسده وتعددت طرق ترويجه بيننا، سواء عبر الإذاعات أو أجهزة التلفزيون أو أشرطة الكاسيت. وقال: إن آثار هذا السماع المحرم قد ظهرت، فأفسدت سلوك الكثير من النساء والصبيان، بل الكثير من الرجال.
وشدد على أن الأغاني هي من أكبر ما تطرق به إبليس إلى فساد القلوب، مشيراً إلى أن أهل العلم قد فسروا قوله تعالى لإبليس: «وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ» بأن المراد به صوت الغناء.
وذكر أن من أسباب مرض القلوب أيضاً: النظر المحرم، لافتًا إلى قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «النظر سهم مسموم من سهام إبليس» وقول الحق تبارك وتعالى: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ»، وأكد أن النظرة المحرمة تورث شهوة في القلب تمرضه.
وبين أن من أسباب مرض القلوب أيضا مطالعة الكتب الفاسدة، والصحف والمجلات الخليعة، وما أكثرها في أسواقنا وبيوتنا ومكاتبنا، وقد رتع فيها الناس رجالاً ونساء وأطفالاً.
الكتاب والسنة
وفي ختام خطبته، شدد على أنه لا شفاء لأمراض القلوب إلا بالدواء الذي أنزله الله في كتابه وسنة نبيه قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ»، وقال تعالى: «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ»، وقوله: «قُلْ هُوَ لِلَّذِين آمَنُوا هُدى وَشِفَاءٌ».
ودعا إلى الإقبال على كتاب الله وسنة رسوله لمداواة القلوب بهماً، مؤكداً أن فيهما الشفاء والرحمة، وفيهما النور والهداية، وفيهما الروح والحياة، وفيهما العصمة من الشيطان ووساوسه. وحث كل مسلم على أن يأخذ بنفسه فيبعدها عن مواطن الفتن ويقطع عنها وسائل الشر، ناصحاً بالإكثار من هذا الدعاء الذي كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك».