الصفحات المتخصصة
04 مارس 2016 , 06:48ص
ولاء أحمد يوسف
لقد اكتسب موضوع الحوار الديني قيمة عظيمة في الإسلام وحضارته؛ حيث وُصف الإسلام بدين الحوار، ووصفت الحضارة الإسلامية بأنها حضارة الحوار، فقد نشأ وتعلم المسلمون منذ بداية الإسلام على ثقافة الحوار، فقد استخدموه في فهم دينهم، وفي تكوين تراثهم العلمي والثقافي، وفي نشر دعوتهم الإسلامية.
فكان الحوار الديني وسيلة اتصال المسلمين بغيرهم من الشعوب الأخرى، كما كانت علامة التقاء الحضارة الإسلامية بالحضارات الأخرى عبر التاريخ. وأصبحت وسيلة ثابتة من وسائل تحقيق الفهم والتفاهم في شتى العلوم الدينية والدنيوية المختلفة.
ويهدف الحوار الديني إلى التحقيق الإنساني، وتحقيق الفهم المتبادل بين أهل الأديان والحضارات، ودعم التعايش الإنساني، والتقريب بين الأديان والمذاهب، وتصحيح صورة الأديان، فمن أهم نجاح الحوار واستمراريته هو تحقيق المساواة والعدالة لكل الأديان، وعدم خضوعه لهيمنة دين معين، كما يجب أن يتوفر فيه مجموعة من الآداب والضوابط السلوكية كالإخلاص والصدق والصبر والتسامح والمرونة وحسن الأخلاق.
وكذلك كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- أفضل من استخدم الحوار على الإطلاق؛ فهو يعلم وظيفة الحوار، وفوائده، وأساليبه، وآدابه، وفنونه، وقد مارسها صلى الله عليه وسلم على أحسن ما يكون طوال حياته مع المسلم والكافر، ومع الرجل والمرأة، ومع الشيخ والطفل، بل كان يستخدمه كوسيلة للتواصل والتراحم مع الآخرين، ومن نماذج الحوار الديني في القرآن هو حوار إبراهيم عليه السلام مع النمرود {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (البقرة: 258)، وقد كان سبب المناظرة والمجادلة أن هذا الكافر النمرود أنكر ربوبية الله، وأنه متصف ومختص ببعض صفات وخصائص الرب، ومن ذلك الإحياء والإماتة؛ فجادل إبراهيم: {فِي رَبِّهِ} أي في وجوده، وفي ألوهيته؛ فإبراهيم يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا ينكر الله رأساً، كما أنكره من بعده فرعون حيث قال لملئه: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (القصص: 38).
أما من نماذج الحوار في السنة النبوية فهي صحيفة المدينة وتأسيس العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب، لقد أسست وثيقة المدينة لعلاقات دينية وسياسية وطيدة بين المسلمين واليهود؛ فاعتبرتهم مواطنين في الدولة الإسلامية يتمتعون بحق الحرية الدينية، وحق حماية الدولة لهم، ودفاعاً عنهم، كما نظمت لعلاقاتهم بالمسلمين في أوقات السلم والحرب، كما أسست الوثيقة لعلاقات التعاون مع اليهود وغيرهم من سكان المدينة، وهو تعاون أسس في سبيل الخير والرشاد، لا في سبيل العدوان والظلم والمعاصي، ونظراً لأهمية هذه الوثيقة في إثبات مشروعية الحوار مع اليهود على أساس من الاعتراف لهم بالمواطنة وحق الاختلاف في الدين والعقيدة، وحق الحماية نورد نص هذه الوثيقة كشاهد قوي وواضح على التأسيس الديني للحوار في السنة النبوية وإعطائه مشروعية ثابتة.