الأحد 16 رجب / 28 فبراير 2021
 / 
05:56 م بتوقيت الدوحة

د. هدى الصالح تكشف لـ «العرب» عن وجهها الآخر: دموعي قريبة جداً.. وطيبة.. وأحاسب المقصّرين

هبة فتحي

الأربعاء 03 فبراير 2021

أحلم بأن أجلس في مكان مفتوح.. ويلتف حولي جميع الأطفال الذين وُلدوا على يدي

أنا «الأخت الكبرى» لزملاء العمل وأتعاطف معهم.. لكن لا أقبل 1% خطأ منهم

لو كان الأمر بيدي لمنحت والدتي تاج الأم المثالية

اخترت تخصص النساء والولادة لما فيه من فرحة وابتهاج

أن تلتقي طبيباً يغمرك بعلمه ليس صعباً، ولكن أن تصادف طبيباً لديه البراعة في أن يمزج بين علمه وقدراته بأسلوب إنساني فريد لدرجة تشعرك أنك تتحدث مع أحد أفراد عائلتك، ليترك أثراً في نفسك وتتذكره من حين لآخر، فهذا هو الصعب حقاً.
الدكتورة هدى عبدالله الصالح -استشاري أول نساء وولادة والمدير التنفيذي للسلامة والجودة في مركز صحة المرأة والأبحاث- عندما تتحدث معها ستجد امرأة ذات وجه هادئ تتغير تعبيراته بين الفرح حين تتذكر لحظة ميلاد طفل على يديها تارة، وتكاد أن تبكي حين تتذكر مريضة عجز الطب في أن يجد لها علاجاً تارة أخرى. سوف ترى عينيها تلمعان بشدة حين تتطرق معها لفترات حياتها الأولى التي شهدت تحقيق حلمها وحصولها على شهادة الطب، لسانها لا يتوقف عن الدعاء لوالدتها في كل جملة يأتي ذكرها فتلتمس برها لها في أرقى وأرحم صوره.  
خلال هذا الحوار سترى وجهاً آخر لطبيبة ساهمت بأدوار وطنية وإنسانية كثيرة، أنار طموحها الطريق نحو دراسة الطب، فسافرت واغتربت من أجله. وإلى التفاصيل:

 بداية، حدثينا عن تجربة سفرك إلى الخارج لدراسة الطب؟
لم يكن لديّ أي خيار سوى السفر إلى إحدى الدول العربية للدراسة، نظراً لعدم وجود كلية الطب في الدوحة حينها، وبالفعل التحقت بجامعة الخليج العربي بدولة البحرين 1990.

 هل واجهتك تحديات عند قرار الدراسة خارج قطر خاصة أن مجال الطب للفتاة والسفر لم يكن مقبولاً مقارنة بالوقت الحالي؟   
لم يكن هناك تحد على مستوى الأسرة لأن والدتي وشقيقي الأكبر كانا أول الداعمين لي، ولكن بالتأكيد كانت هناك تحديات على مستويات أخرى لها علاقة بطبيعة المجتمع وعاداته وتقاليده، فلم يكن مستساغاً وقتها سفر الفتاة وحدها وكان عمري حينها 16 سنة. 
كان هناك تحد آخر متعلق بتوقيت الدراسة في عام غزو الكويت وما صاحبه من عرقلة لحركة السفر، فكنت أقضي وقتاً أطول في الغربة دون رؤية أهلي، فلازمني الحنين والشوق المستمر للأهل، وبالتالي لم تكن الغربة سهلة بأي شكل. 
التحدي الأكبر كان على مستوى الدراسة، لأن الرسوب في أي مادة سوف تكون ضريبته إعادة السنة الدراسية كاملة، وبالتالي كان عليّ بذل قصاري جهدي للنجاح دون الرسوب في أي مادة. 

حلم الطفولة
 هل كانت دراسة الطب حلماً منذ الطفولة أم رغبة الأهل؟
نعم كانت حلماً، فقد كنت منذ نعومة أظافري أردد جملة «سأصبح طبيبة» على مسامع كل من حولي، وكنت حريصة أشد الحرص على المذاكرة وتحقيق الدرجات المرتفعة منذ المرحلة الابتدائية، وازداد حرصي واهتمامي عندما وصلت للمرحلة الثانوية، فقمت بدراسة جميع المواد أثناء العطلة الصيفية لتحقيق حلمي والالتحاق بدراسة الطب.
وما سهل عليّ الطريق هو التقاء حلمي مع حلم والدي رحمه الله، فقد كانت أمنيته أن يرى أحد أبنائه طبيباً، وبالفعل أخذت على عاتقي أن أحقق أمنية والدي، وبفضل الله ثم والدتي التي كانت الداعم الأكبر حققت ذلك، فقد بذلت قصارى جهدها من أجل أن يصبح حلمي حقيقة.

 ماذا عن شعورك بعد عودتك للدوحة وأنت حاملة شهادة الطب؟ 
لا يمكن أن أصف شعوري، فقد تزاحمت المشاعر بداخلي بين الفخر والسعادة والاعتزاز لأنني نجحت في تحقيق حلمي، كنت على قدر ثقة أهلي وحققت أملهم فيّ، ونجحت كذلك أمام وطني الذي منحني بعثة الدراسة، فتُوجت عودتي بشهادة الطب بعد 6 سنوات من الدراسة والاجتهاد. 

 هل هناك مسؤولية إضافية عليك في تخصص النساء والولادة عن باقي التخصصات؟
بالتأكيد، أنا مسؤولة عن أم وجنين أي روحين في جسد واحد، فضلاً عن الخصوصية الفائقة للمرأة وأسرارها، والتي يجب مراعاتها في كل مرحلة منذ المتابعة لها في اليوم الأول.
هناك أيضاً مراعاة لجوانب أخرى للزوج والزوجة من النواحي النفسية، وطمأنتهم على صحتها وصحة الجنين، وهنا يأتي دور الخبرة التي تصقل قدرة الطبيب في التعامل وانتقاء العبارات مع المريضة.

ضريبة دراسة الطب
 هل هناك ضريبة مقابل دراسة الفتاة للطب على مستوى حياتها الأسرية؟
أفضل تسميتها بالتضحية في سبيل الحلم، لأن دراسة الطب كانت حلماً وإذا عاد بي الزمن للوراء لاخترت نفس الطريق بكل تفاصيله، وأنصح أي فتاة ترغب في دراسة الطب بأن تكون عاشقة لهذا المجال لتتحمل متاعبه، لأنها ستجد الطريق مليئاً بالتضحيات والمصاعب في بادئ الأمر على مستوى وقتها وحياتها، فمثلاً واجهت صعوبة خاصة أثناء المناوبات وتحديداً في السنوات الخمس الأولى، حيث كنت أقضي يوماً ونصفاً في المنزل ويوماً ونصفاً آخر في المشفى. 
وأي فتاة تجد الزوج والأسرة الداعمين لها ولطموحها، عليها أن تُكمل الحلم، لأن وطننا قطر يستحق أن يزخر بعدد من الأطباء والطبيبات القطريات.   

 هل ما زالت توجد صعوبة في دعم المجتمع لدراسة الفتاة القطرية للطب؟
نعم، وهذا يرجع لطبيعة مهنة الطب التي أصفها بالمحارب في الجيش، فكل واحد منا لا بد أن تكون عينه مفتوحة طول الوقت لحماية الأرواح، وأنا من المشجعين لدراسة الطب وأن يكون في كل بيت طبيب أو ممرض، لأن هذا يشكّل تنويراً واطمئناناً لأهل البيت، وقد كنت سبباً ومشجعاً وداعماً لدخول ابنة شقيقي وابنة شقيقتي إلى دراسة الطب.
 
 بمناسبة طرحك لأهمية الدور التكاملي بين الطبيب والممرضة، كيف تنظرين إلى الندرة الشديدة في عدد الممرضات القطريات؟
أعتبر السبب في ذلك الصورة النمطية المغلوطة التي رسمها المجتمع للممرضة والتي تُظلم بمفاهيم خاطئة على اعتبار أنها أقل أهمية من الطبيب أو أن دورها ثانوي. وهنا أستطيع أن أؤكد من واقع عملي الذي استغرق قرابة 23 أن الطبيب لا يستطيع أن يؤدي دوره دون الممرضة، لأنها تقوم بدور نبيل، فهما مكملان لبعضهم البعض.

 ما أهم الدروس التي علّمتها لك مسيرتك المهنية كطبيبة؟
أن الطبيب له دور إنساني عظيم لا يمكن النجاح بدونه، ولا بد من التواضع والبعد عن الفوقية والتعالي، وتطبيق ذلك من خلال التحدث مع المرضى كل حسب مستواه الثقافي، والتعاطف وإعطاء المريض حرية الاختيار، مع الحرص على تقديم التوجيهات اللازمة. 
لا أبدأ أي عمل جراحي قبل أن أقرأ آيات من القرآن الكريم في لحظة ولادة المرأة، وأردد «ما شاء الله، سبحان الله» مع أول صرخة عند ولادة أي طفل.  

 ما أكثر المواقف التي تترك في نفسك أثراً خلال عملك؟
عملي به الكثير من المواقف المفرحة والمؤلمة، فمثلاً فرحة الأهل وسعادتهم بقدوم مولودهم وأنا حاملة طفلهم بين يدي. 
أما المؤلمة فهي عندما أخبر الأم والأب بأن الجنين حالته صعبة وليس على ما يرام، وغيرها من الحالات الأخرى، أو أن أقول للمريضة إن حالتك وعلاجك صعب، فعليّ في تلك اللحظة انتقاء الكلمات من أجل تهيئة المريضة لتقبل الوضع.  

 ما أصعب موقف في حياتك لا يمكنك نسيانه؟
وفاة ابن شقيقي ذي الأربع سنوات نتيجة إصابته بمرض يصعب علاجه حينها وقفت عاجزة عن إنقاذ قطعة مني، ومن قلبي فقد كنت أعتبره قطعة من كبدي، فهو بمثابة الروح والأمل بالنسبة لي، لقد كان موقفاً صعباً أن أرى ابن أخي يتألم وأنا عاجزة عن تقديم العون والمساعدة، هذا الشعور لا يمكن وصفه. 

أنا والأقارب
 هل أنجزت عملية ولادة لإحدى من شقيقاتك أو أقاربك؟
صعب، لا يمكنني توليد أي من شقيقاتي أو أقاربي، لأنني حينها ستغلب عاطفتي على دوري كطبيبة، وحينها ستكون احتمالية الخطأ واردة بنسبة مرتفعة، أكتفي فقط بتواجدي داخل غرفة العمليات للمساندة والاطمئنان عليهن، لكن دون التدخل الجراحي.

 ما تقييمك لمساندة والدتك لك في جميع مراحل حياتك؟
لو كان بيدي أن أمنح أمي تاج الأم المثالية على مستوى العالم لفعلت، لأن ما قدمته والدتي -الله يمنحها العافية وطول العمر- لـ 8 أطفال بعد وفاة والدي لم يكن سهلاً عليها، فقد قامت بدور الأم على أكمل وجه، وعوضتنا عن حرمان الأب، ولم تدخر جهداً في رعايتنا ودعمنا لاستكمال تعليمنا، وكانت دائماً تقول: «الشهادة هي السلاح لمواجهة الحياة»، فنجحنا جميعاً في اجتياز الدراسة حتى المرحلة الجامعية، ولم نكتفِ بذلك أنا وخمسة من أشقائي، فأكملنا دراسة الماجستير كل حسب تخصصه، ولا يزال لدينا الطريق لإكمال الدكتوراه. 

 ما الوجه الآخر لك؟
دمعتي قريبة جداً وطيبة وأتعاطف مع الجميع ومشاكلهم لدرجة أن زملائي في العمل يطلقون عليّ «الأخت الكبرى»، أستمع للجميع، وعلى الرغم من كل ذلك لا أقبل بالخطأ من فريقي في العمل حتى 1%، وأحاسب المقصرين، لكن هذا لم يفقدني إنسانيتي تجاههم وبناء جسور التواصل مع الجميع، وهذا التصور يفهمونه جيداً أنني أفصل تماماً بين العمل وأي علاقة شخصية تؤثر على سيره.      

 ما أمنيتك؟
لديّ حلم أن أجلس في مكان مفتوح ويلتف حولي جميع الأطفال الذين وفقني الله ونجحت في توليدهم فأراهم جميعهم، لقد مر الوقت الكافي ليصبح بعضهم في المرحلة الجامعية، وربما منهم من تزوج.

_
_
  • العشاء

    7:05 م
...