وادي نهر الأردن يأمل في اجتذاب محبي رياضة المشي وتسلق المرتفعات
منوعات
04 فبراير 2015 , 02:27ص
انطلقت مجموعة من هواة ممارسة رياضة المشي وسط المرتفعات لتبدأ رحلتها، وقد امتلأت حقائب الظهر التي يحملها أفرادها بزجاجات المياه والحمص وشطائر الفلافل ليتناولوها طوال الطريق.
ويبدو الطريق وعرا وتسوده الصخور؛ حيث إن الصحراء الأردنية جافة، غير أن الغدير وما يحدثه من صوت جريان الماء بالقرب من ممر المشي يثير في القلوب قدرا من الأمل.
وفجأة تظهر للعيان واحة مدارية المناخ أمام المجموعة، حيث يتدفق الماء هادرا كالشلال من علٍ، وترتفع أشجار النخيل الخضراء عاليا قبالة الجدران الحجرية، بينما يزدان الوادي بالأزهار القرمزية اللون.
وهذا المكان هو وادي عسل، ويقع في أحد ممرات رياضة المشي الكثيرة التي تتيحها الأردن.
ويقول حكيم تميمي مورينو من شركة «رحلات الصحراء المدارية»: إن الأردن هو بلد المتناقضات، ففي أحد أوديته يتعين عليك أن تشق طريقك بصعوبة بين أوراق الأشجار والنباتات الكثيفة مثلما فعل بطل فيلم رامبو، بينما تطل الصحراء على بعد عشرة أمتار من هذا المكان. وتخصصت شركة تميمي مورينو منذ ثمانية أعوام في تنظيم رحلات ممارسة رياضة المشي بين المرتفعات، وكذلك تسلق الجبال في الأودية الخضراء والممرات الضيقة في هذا البلد الصحراوي، ومثل هذه الرحلات تكتسب كل يوم مزيدا من الإقبال.
وانجذب تميمي مورينو نفسه، وهو مزدوج الأصل فنصفه إسباني ونصفه الآخر أردني، إلى المناطق البرية عندما كان يبلغ 16 عاما من العمر، ومدفوعا بجرأة واندفاع الشباب كان يقوم بالتزلج على الماء المتساقط من الشلالات واستكشاف الوديان، ولم يستطع أصدقاؤه المحليون أن يفهموا سر شغفه بالبرية، وكانوا يتساءلون دوما لماذا اختار أن يمشي على قدميه بينما في وسعه أن يقطع المسافات راكبا سيارة.
ويقول تميمي الذي يبلغ من العمر الآن 29 عاما: «لا يوجد في الأردن رياضات ترويحية تقام في الأماكن الطبيعية، وآخر شيء يطرأ على ذهن الناس هنا هو تخصيص وقت يقضونه في الترويح، لأن هناك اهتمامات أخرى تشغل أذهانهم». وفي الحقيقة تعد الأردن هذه الدولة الصحراوية مكانا مثاليا لممارسة الألعاب الرياضية التي تسودها المغامرة وتقام في الهواء الطلق. ويرجع الفضل في ذلك إلى احتكاك اثنتين من صفائح القشرة الداخلية للأرض في وادي نهر الأردن، ما أدى إلى خلق تصدعات ضخمة في الصخر، تحولت في وقت لاحق إلى جداول مائية وأنهار نتجت عنها المساحات الخضراء اليانعة بالوادي.
وهنا يمكن للزائر أن يذهب في رحلات للمشي للاستجمام، ولو كان رياضيا بدرجة أكبر ويحب المغامرة فيمكنه أن يتسلق الجدران شديدة الانحدار للمرات، ويوجد 67 ممرا ضيقا للنهر في وادي الأردن كما يقول التميمي مورينو، ويضيف «غير أن الكثير منها لم يتم وضعه على الخريطة السياحية وعرضه لهواة ممارسة رياضة المشي».
وتقول متحدثة باسم الجمعية الملكية للحفاظ على الطبيعة وهي الهيئة المسؤولة عن المتنزهات الوطنية بالأردن: إن الناس أصبحوا متحمسين للقيام برحلات المشي وسط المرتفعات وتسلق الجبال خلال الأعوام الخمسة الماضية فقط.
وتوجد أربعة ممرات للمشي وسط المرتفعات في المتنزهات، ومن بينهما ممران ضيقان يفضلهما بشكل خاص هواة المشي.
وأحد هذين الممرين هو وادي مجيب؛ حيث يحب هواة المغامرة أن يذهبوا إليه لتسلق الشلالات الصغيرة، أما الممر الآخر فهو وادي بن حمد الذي يتيح ممارسة رياضة المشي بشكل أكثر تمهلا ومتعة في ممرات محاطة بأشجار النخيل والزهور.
وعندما بدأ التميمي مورينو تنظيم رحلات منذ ثمان سنوات مالت كفة الجانب المتسم بالمغامرة، وقام باستكشاف الوديان مستندا إلى رسوم وخرائط وضعها عالم الجيولوجيا الإيطالي إيتاي هافيف الذي أعاد إجراء بحوث حول هذه الممرات في التسعينيات من القرن الماضي، ولم يكن لدى التميمي مورينو المال اللازم لشراء أية معدات.
ويتذكر قائلا: «إن أسعار الثياب اللازمة للسباحة في هذا المكان كانت عالية للغاية، ولذلك ملأنا حقائب الظهر بعبوات المياه البلاستيكية الفارغة، وهذا مكنا من أن نطفو على صفحة المياه».
واليوم لدى التميمي مورينو فريق مكون من حوالي 16 مرشدا سياحيا يعملون بعقود مؤقتة يعرضون رحلات تشمل 46 طريقا مختلفا، وهو يساعد أيضا بالإضافة إلى تنظيم الرحلات على مساندة الأسر المحلية التي تعد الأطباق العربية التقليدية للمشاركين في رحلات المشي ذات المسافة الأطول.
ومعظم زبائن التميمي مورينو من الأجانب الذين يقيمون في الأردن، ويريد الكثيرون منهم الخروج إلى المعالم الطبيعية واستكشاف المناطق الريفية في عطلات نهاية الأسبوع، ولأنهم زاروا من قبل كثيرا مدينة البتراء الحافلة بالآثار والتي أدرجتها اليونسكو في قائمة مواقع التراث الثقافي العالمي، وأيضا مناطق الآثار الرومانية في مدينة جرش، فهم يريدون الآن مشاهدة ممرات رياضة المشي باعتبارها تتيح معالم وتجارب ذات مذاق مختلف.
والآن أصبح وادي نهر الأردن مقصداً جذابا للزوار، ويمكن لمحبي رياضة السير على الأقدام أن يجمعوا بين حبهم للطبيعة مع اهتمامهم بالموضوعات الثقافية.
وعلى سبيل المثال هناك ممر إبراهيم الذي يبلغ طوله 430 كيلومترا ويقتفي خطوات نبي العهد القديم خلال منطقة الشرق الأوسط بأكملها، ويمر هواة المشي في القطاع الأردني من الممر بالكنائس التي تنتمي إلى العهد البيزنطي، وكنيسة الكرك التي يرجع تاريخها إلى عصر الحملات الصليبية، وتنتهي رحلتهم في صحراء وادي الروم ذات الرمال الحمراء، والتي مر بها في الماضي لورانس العرب.
ويقول التميمي مورينو: «إنني أحلم بأن أرى ذات يوم الأردنيين يشتركون في رحلات المشي وسط المرتفعات التي أنظمها»، وهو يأمل أن تنتشر حمى الاستجمام بين أحضان الطبيعة في بلاده كما هو الحال في أوروبا والولايات المتحدة.
ولكي يصبح هذا الحلم حقيقة يجب أن تتحقق عدة أشياء أولا، فمثلا لا توجد رابطة حقيقية للمرشدين السياحيين لرياضة السير على الأقدام، أو لتدريبهم وضمان معايير أساسية معينة للأمان.
ويريد التميمي مورينو أن تتحول هواية المشي وسط المرتفعات إلى رياضة معترف بها في الأردن، ولهذا يقوم بتنظيم اجتماعات في مختلف الوزارات لهذا الغرض، كما أسس مدرسة لتعليم التسلق، بل هو يعطي تعليمات عن طريق فيديوهات بموقع يوتيوب لتعليم كيفية دق الأوتاد المعدنية داخل صخر الجبل.
وهو يعتقد بقوة في قدوم مستقبل مشرق لرياضة المشي وسط المرتفعات في الأردن.
ويؤكد قائلا «نحن البشر بحاجة إلى توسيع قدراتنا البدنية».