حرفيون مغاربة يتبارون في إبراز مواهبهم بكتارا

alarab
ثقافة وفنون 04 يناير 2014 , 12:00ص
الدوحة - عبدالغني بوضرة
ينبهر زوار رواق الحرف المغربية المقام حاليا بالمبنى رقم 3 بكتارا، بما تخرجه أنامل الحرفيين المغاربة من تحف فنية بديعة في غاية الروعة والجمال، تنم عن تمرس هؤلاء الرجال بحرفهم التي توارثوها كابرا عن كابر وجيلا بعد جيل. ويتواصل أسبوع الحرف المغربية حتى الخامس من الشهر الجاري، محققا أرقاما قياسية من الزوار. ومن هؤلاء نجد «المعَلّمْ» مولاي أحمد السرغيني المتخصص في الخزف والقادم من مدينة آسفي التي اشتهرت بخزفها وجودة طينها على المستوى العالمي من أيام الفينيقيين، منها احتواؤه على نسبة عالية من أكسيد الحديد والتي تعطي للطين والخزف صلابته ومتانته وتجفيفه في أفران تصل درجتها إلى 950 درجة مئوية، والذي توارث مهنته أبا عن جد من السلالة السابعة. ولا يقتصر تفنن مولاي أحمد السرغيني في إخراج تحف فنية من مادة أولية بسيطة، تتسابق كبريات المتاحف والشخصيات لاقتناء واحدة منها، بل لموسوعيته وتمكنه من تاريخ هذه الحرفة التي يسرد عليك حكايتها دون كلل ولا ملل. يقول «المعلم» السرغيني (وتعني كلمة «معلم» في المغرب، كل حرفي متمكن من أدوات اشتغاله ووصوله إلى درجة عالية من الإتقان): «كانت آسفي في عهد الفينيقيين تحتوي على ميناء طبيعي، ويأتي إليه الفينيقيون للتزود بالمؤن والأوعية الخزفية التي يخزّنون فيها الأغذية والمواد الأولية من «مزهريات» كبيرة و «خوابي» وقدور، مرورا بالبرتغاليين والموريسكيين الذين نزحوا من الأندلس ومنهم عائلات كبيرة مثل: بنمخلوف والمكزاري والسرغيني واستقروا في هذه المدينة، وتعاطوا لصناعة الخزف، ثم تأسيس أول مدرسة في آسفي عام 1921 والتي أسهمت في صقل مواهب «معلمين كبار» منهم والد مولاي أحمد السرغيني وبنبراهيم والغريسي، وأعطوا شعلة لقطاع الخزف، وتوجت المدينة بالميدالية الذهبية في باريس عام 1932. ويفخر المعلم السرغيني باحتضان مدينته للخزف الإسلامي المحض، بابتكارات وألوان وخطوط عربية أصيلة، وأنه متمسك به كونه تراثا مغربيا وعربيا وإسلاميا وعالميا إنسانيا، مشددا على ضرورة التمسك بالطابع الأصيل للحرفة. يقول عن كرم وحفاوة الضيافة: «إخواننا القطريون أناس طيبون، ذوو أخلاق ومتمسكون بتقاليدهم.. وأي أمة تتبع تقاليدها وإرثها التاريخي إلا وهي حرة نقية صافية، وأرى أنهم أعطوا العبرة للدول العربية الإسلامية ومحافظون، وهذا ما يفرحنا ونعتز به، ونشيد بحفاوة الاستقبال، ونتمنى أن نردّ لهم جانبا من كريم جميلهم في المغرب. ويعتبر «المعلّم» والمؤذّن في أحد المساجد بمدينة فاس العتيقة، إدريس الساخي، المتخصص في النحاسيات، نفسه محظوظا لمشاركته في فعاليات أسبوع الحرف المغربية في قطر، مثنيا على حسن التنظيم وحفاوة الاستقبال، ومعجبا في الآن ذاته بما يلحظه في عيون الزوار من انبهار وإعجاب بما يقدمه الحرفيون المغاربة. يتوسط رواقه الذي يشبه مجسما مصغرا لدكانه، وتحيط به التحف النحاسية التي تصلح لكل الأغراض، من أباريق الشاي، إلى «سفرات» بأحجام مختلفة و «طواجين» معدنية منقوشة، وهو يمسك بعُدّة العمل المتكونة من مطرقة وبعض المسامير بأحجام وأشكال مختلفة، هي وسيلته في رسم نقوش متناهية في الدقة والتنسيق. ويفخر بمزاوجته بين حرفته التقليدية والأذان، إذ إن الصلوات الخمس تساعد المسلم في تنظيم وقته، وإعطاء كل ذي حق حقه، مبرزا أن جلّ الحرفيين متدينون، ويدعو الله عز وجل أن يديم عليه هذه المنّة والنعمة ويحفظها من الزوال. ويسرّ الحرفي الساخي لـ«العرب»، أن جل الزبناء يفضلون شراء ما يريدون من الحرفي مباشرة بعيدا عن الوسطاء، داعيا بهذا الخصوص أن يكون هؤلاء الوسطاء نزهاء ويكسبون رضا الجانبين (الحرفي والمستهلك) وأن يتحلوا بالأخلاق والبعد عن الجشع، وأن يكون له ضمير وحب للحرفة وحرقة عليها. ومثلما هو متمكن من حرفته، فإن كونه مؤذنا جعله يواظب على دروس علماء أجلاء عرفهم المغرب، فضلا عن اختلاطه بشرائح مختلفة من المجتمع مما جعل كل جملة يقولها تنبع منها حكمة في الحياة أو فائدة يستفيد منها محدثه. وغير بعيد عن هؤلاء، يفترش الحرفي مصطفى دنوش كرسيا قصيرا، وهو يمسك بأدواته في تطويع الخشب وإخراج تحف فنية مختلفة الأحجام والأغراض من «سبحات وشطرنج».. يقول مصطفى: «إن حرفتنا إلى جانب الحرف التقليدية الأخرى، تمتاز بدقتها وجودتها ومواكبة كل ما هو جديد». تعلم حرفته منذ أزيد من 28 سنة عندما كان عمره آنذاك اثنتي عشرة سنة. وكان صانع الأحذية التقليدية إبراهيم آيت علا، يتجاذب أطراف الحديث مع إحدى الصناع بين نعال مرصوفة بانتظام داخل رواقه ورائحتها الضاربة في القدم تفوح وتضوّع المكان. تعلم حرفته منذ عام 1998، ويجد راحة تامة في ممارستها والاشتغال على مختلف أنواع الجلود من ماعز وإبل وغنم وغيرها، لتتشكل في النهاية إما نعالا مفتوحة أو «بلْغة» أنيقة. وعبر آي علاّ عن سروره بما لاقاه من إقبال كبير من قبل الزوار القطريين والمقيمين، بفعل حركية السياح التي يشهدها البلد. أما الصانعة التقليدية راضية بوشكورت، المتخصصة في القفطان المغربي، فأبدت إعجابها بالإقبال على هذا اللباس التقليدي الذي غزا العالم، منوهة بأن القطريات وغيرهن، من النساء أقبلن على هذا اللباس المتميز والذي يتصف بالحشمة، ويعطي من ترتديه بهاء وجمالا أخّاذا، فضلا عن تلبية رغبات الزبائن بالأشكال والزخرفات التي يريدونها. وما بين رواق السرغيني وآيت علا، يجلس معلم الزليج السيد عبدالعزيز، ممسكا بمطرقته التي تساعده في تقطيع مكعبات «الزليج البلدي الفاسي» إلى قطع صغيرة، منوها بأنه يهدف من خلال مشاركته في تعريف الزوار بما يزخر به المغرب من حرف وفن الزليج البلدي، ويقدم نماذج من اشتغاله، وإعطاء نظرة ضافية للزوار وتعريفهم بتاريخها.