المقيمون السودانيون يعوّضون تهاوي الجنيه بالأراضي والذهب
اقتصاد
03 ديسمبر 2016 , 12:02ص
هداب المومني
أبدى عدد من أبناء الجالية السودانية في دولة قطر تخوفهم من الأوضاع التي تعيشها بلادهم بعد تعويم الجنيه السوداني وما لحقه من أضرار على الاقتصاد الوطني بشكل عام وعلى المواطن والمغترب بشكل خاص، وإن كان على الأول بنسبة أكبر من الأخير حسب وصفهم.
حيث ارتفعت أسعار السلع الضرورية لاسيَّما الدوائية والغذائية بحيث أُحيل تحديدها إلى مخيلة التجار وتحت سيطرة السوق السوداء، الأمر الذي يرتب على المقيم بالدوحة مبالغ إضافية يجد نفسه مرغما على تحويلها إلى أسرته هناك لتعويض الفارق الذي أحدثه الغلاء الفاحش رغم انخفاض سعر صرف العملة في مقابل الدولار.
وأكد هؤلاء لـ «العرب» أن العوامل السياسية الخارجية كان لها دور فاعل في تدهور الأوضاع الاقتصادية المرتبطة بالعملة المحلية في بلادهم، حيث إنها كانت تتسم بالثبات النسبي أمام الريال القطري قبل انتخاب دونالد ترمب لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية، إلا أنها بدأت بالتراجع أكثر بعد فوزه، ما أدى إلى مزيد من الارتفاع على أسعار السلع مما يجعل التحويلات المالية من الدوحة إلى الخرطوم لا تحقق فائدة ملموسة من فارق سعر الصرف، مشددين على تمسكهم بإرسالها عبر السوق الموازية وتجنب البنوك كما تنتظر منهم الحكومة نظرا لضعف إمكاناتهم المادية بهذا الخصوص، مترقبين ما ستسفر عنه الاحتجاجات على تعويم الجنيه.
الملاذات
وأشار أولئك إلى أن الأوضاع الراهنة بإمكانها أن تدفع بجمهور المغتربين إلى التفكير بالمستقبل المجهول بالنسبة إليهم بناء على المعطيات الحالية، الأمر الذي يؤدي إلى تحفيز ذوي الدخل الجيد منهم إلى الاستثمار في بلادهم لاسيَّما في قطاعي العقارات والزراعة؛ حيث إنهما متاحان هناك بأسعار معقولة في المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة وعلى أطراف العاصمة، كما أن ضمان تسويق المنتجات الزراعية في السوق المحلية يجعل منها ملاذا آمنا، لافتين إلى ازدياد الإقبال على اقتناء الذهب في الدوحة أكثر من المعتاد أملا في ادخاره إلى حين السفر إلى السودان وبيعه هناك بسعر أعلى بكثير.
وكانت الحكومة السودانية قد أعلنت الشهر الماضي رفع جزء من الدعم على الوقود والأدوية والكهرباء عبر حزمة إجراءات اقتصادية، كما اتخذ بنك السودان المركزي خطوة على طريق تعويم الجنيه السوداني عبر إعلان إجراءات جديدة لتشجيع المغتربين، المقدر عددهم بـ5 ملايين، والمصدرين للتعامل مباشرة مع البنوك الوطنية عند بيعهم أو شرائهم العملات الحرة، بعد أن سمح بإعادة تطبيق سياسة الحافز، القائمة على مساواة سعر الجنيه الرسمي بسعره الموازي في السوق السوداء.
جنون الأسعار
وفي هذا السياق، قالت لبنى عصام: «المشكلة التي حصلت بعد تعويم الجنيه السوداني تقريبا كما حصل مع نظيره المصري، حيث تولدت مشكلة انخفاض حجم الصادرات في مقابل ارتفاع حجم الاستهلاك في السودان، فمعظمها تسعّر بالدولار، وبالتالي أصبح تحديد سعر صرف العملة المحلية مقرونا بالعرض والطلب وليس من قبل البنك المركزي حيث إن قيمته بالأخير تبلغ 6 جنيهات بينما في السوق الموازية تصل إلى 20 جنيها».
وأشارت إلى أن سعر صرف الجنيه قد تغير أيضا بسبب انتخاب دونالد ترمب للرئاسة الأميركية، حيث إنه كان سعره ثابتا في مقابل الريال القطري إلا أنه بعد وصول ترمب للبيت الأبيض قد وصل إلى 20.9، وبالنسبة للجالية السودانية المقيمة في الدوحة فقد تستفيد من ناحية التحويل بالريال أو الدولار الأميركي إلى السودان وهناك تكون القيمة كبيرة، في المقابل هناك ارتفاع في أسعار السلع وبالتالي لن تشكل فائدة ملموسة لدى مستقبلي الحوالات.
ولفتت إلى أن تراجعه إلى هذا الحد أيضا ولّد عدة مشاكل أبرزها الارتفاع الكبير في أسعار الأدوية وغيرها، بالإضافة إلى حصول ارتفاعات جنونية في أسعار المواد الغذائية.
الاستثمار العقاري
وأوضحت أن معظم أفراد الجالية السودانية في قطر تتجه عادة إلى الاستثمار بالأراضي في ضواحي العاصمة ذات الكثافة السكانية المنخفضة، والآخرين مشتركو أسهم في مشاريع صغيرة، أما حاليا بعد هذا التغيير فإن الاستثمارات ما زالت غير نشطة لاسيَّما في قطاع العقارات وإن وجدت فستكون أيضا في مناطق خالية وغير مأهولة.
وأكدت أن الجالية ترتقب واقع الحال في السودان ريثما تستقر الأمور، حيث يمكن تحديد الملاذات الاستثمارية.
ادخار المعدن الأصفر
ونوّهت بأنه من المعروف عن ميل الجالية السودانية في قطر في شراء الذهب عادة قبيل الإجازات، وبالتالي بدأ الكثير منهم حاليا بالتوجه إلى شراء المعدن النفيس من الدوحة بغية ادخاره في ظل استمرار تراجع الجنيه بوصفه الملاذ الأكثر أمانا بالفترة الراهنة ولأن أسعاره هناك كانت مرتفعة ومع هذا الوضع ستصبح خيالية ما من شأنه أن يشكل هامش ربح أكبر والمكسب الوحيد تقريبا في هذه الحالة.
سوق موازية
ومن جانبه، قال عمر القاضي: «كان همنا ألا يحدث ارتفاع في أسعار السلع نتيجة تعويم الجنيه، لاسيَّما للأدوية، وما زالت هناك مشاكل اقتصادية عدة مترتبة عليه، أما بالنسبة لجمهور المغتربين السودانيين والمقيمين في قطر فلا أعتقد أنهم تأثروا بشكل كبير، حيث كانت تحويلاتهم المالية ولا تزال تتم عبر السوق الموازية، كما أنهم لم يستفيدوا كثيرا، بل كان هؤلاء يتمنون من حكومتهم الحصول على إعفاءات جمركية على سبيل المثال».
وأشار إلى أن تراجع سعر صرف الجنيه ربما يكون ذا آثار جانبية سلبية؛ حيث إنه عندما ترتفع أسعار السلع وتكاليف المعيشة لدى عائلات الأبناء المغتربين فإن ذلك من شأنه أن يستوفي إرسال مبالغ أكبر قيمة من ذي قبل حتى تعوض الفارق الذي أحدثه الانخفاض، موضحا أن قليلا من السودانيين العاملين في الدوحة ممن لديه مال فائض ليدخره أو يحتفظ به.
شراكات استثمارية
وأكد أن نسبة قليلة من المقيمين السودانيين في قطر ممن يتاجرون ويستثمرون في بلادهم؛ حيث تنحصر تلك الاستثمارات غالبا في قطاع العقارات وبالوضع الراهن يعتبر الاستثمار الأفضل والأنجع في ظل تعويم سعر صرف العملة، حيث إن السوق العقارية ما زالت تشهد بعض الثبات والاستقرار في أسعارها في أطراف العاصمة والمناطق البعيدة عن مركزها، لأن العملة الصعبة المتمثلة بالدولار ارتفعت مما يمكن من لديه سيولة من شرائها للاستفادة منها مستقبلا حيث تكون مرشحة للارتفاع.
ولفت إلى أن الوضع الحالي بإمكانه فتح الباب على مصراعيه أيضا أمام الاستثمار في قطاع الزراعة والأراضي الزراعية، حيث يمثل أهمية بالغة؛ إذ إنه مهما ارتفع الدولار في مقابل العملة المحلية فلن يؤدي إلى خسائر كبيرة على المستثمر، حيث إنه يتم بيع المنتجات بقيمة مرتفعة في السوق، مشيراً إلى أن الأجدى بالمغتربين القيام بعقد شراكات استثمارية ضخمة وعدم اقتصارها على مشاريع صغيرة للنهوض بالاقتصاد السوداني في ظل تلك الأوضاع.
تعذر التحويلات المالية
بدوره، قال عادل التيجاني: «إن تعويم العملة السودانية يشكل ضغطا على السودانيين الموجودين هناك أكثر من المغتربين، لكن الآثار التي خلفها هناك قريبة وشبيهة جدا بما حصل من ضرر جراء تحرير العملة المصرية وما تبعها من ارتفاع بالسلع وانعكاسها على المواطنين هناك، ولاسيَّما قي قطاع الأدوية التي أصبحت مفتوحة وهي مواد مهمة جدا بالإضافة إلى المواد الغذائية والسلع الحيوية الأخرى، واعتبر أن العملية كان فيها استعجال وكان لها ردة فعل سريعة جدا من قبل المواطنين عبر القيام بالعصيان للضغط على الحكومة».
ولفت إلى أن تفاوت متوسط دخل المقيمين السودانيين في قطر من أصحاب الرواتب المتدنية ربما لا يمكنهم من إرسال التحويلات المالية لذويهم في السودان في ظل تراجع الجنيه، أما الأعلى دخلا باستطاعتهم ذلك، ولكن ليس هناك سوداني يستطيع التحويل عن طريق البنك بل يلجأ إلى السوق الموازية والتي بدورها ستنشط وتسيطر أكثر حتى لا يساعد الحكومة على هذا الإجراء.