موظفون يشتكون من وصول قليلي الخبرة لكرسي المدير بسبب النفاق والحظوة
تحقيقات
03 ديسمبر 2012 , 12:00ص
الدوحة - عامر غرايبة
هل يصل قليلو الخبرة إلى مواقع ومناصب لا يستحقونها بسبب الحظوة لدى المسؤول؟ وهل يشكل تفشي النفاق الاجتماعي خطراً على عمل المؤسسات وسير الحياة للفرد والمجتمع؟ وهل صحيح أن المنافق أصبح يتبوأ أعلى المراتب؟ وما أثر المنافق على حقوق الآخرين وزملاء العمل؟ وما الفرق بين النفاق والمجاملة؟ هل أصبح النفاق ضرورة لا بد منها؟ هل هناك تسميات أخرى للنفاق لتجميله بين الناس؟ كيف يمكن التخلص من النفاق والمنافقين؟ ولكن ألا يشكو كل ضعيف في عمله من أنه مظلوم؟ أليس هناك قوانين تحكم العمل والترقيات ونظام العمل؟
«العرب» التقت عدداً من الموظفين وسألتهم عن أثر النفاق على حياتهم وأعمالهم، كما التقت بعدد من الدعاة وتحدثوا حول خطورة النفاق والغش والخداع على العدالة الاجتماعية بين الناس.
فهد علي -موظف بمؤسسة رسمية- بيّن أن له تجربة شخصية مع موظفين وزملاء بالعمل وصلوا لمواقع ومناصب وهم لا يستحقونها بسبب علاقتهم مع المسؤول، منوها بأنه يلتقي بموظفين كثر يشتكون من ظاهرة تفشي منافقة المسؤول للوصول لمناصب ومواقع وحظوة مع أنهم قليلو العمل، وقال إن من الموظفين من يغش كثيرا؛ تجده لا يتقي الله في وظيفته، يزوغ ويهمل، ويحصُل على راتب يشوبه الكثير من الحرام، يطلب من زملائه التوقيع بالحضور مع أنه لا يكون حاضرا في دائرة عمله، ومنهم من تجدهم لا يرقبون في الله إلاً ولا ذمة.. لا يهمهم أَمن حلال يأكلون أم في حرام يغوصون، يظنون أنها شطارة وفهلوة وذكاء، وهؤلاء والله بهذه الطريقة يغشون أنفسهم، ويضحكون على أنفسهم قبل كونهم يغشون الله وأصحاب مؤسساتهم ودوائر أعمالهم.
وتساءل فهد: أيّ بركة ستحل على رواتب المنافقين والواصلين لمواقعهم من دون حق؟ وبأي وجه سيقابلون ربهم عند الحساب؟ ألا يعلمون أن من نبَت لحمه من حرام فالنار أولى به؟ يتحالفون مع الشيطان فيصلون به إلى حلبة من الصراع، يتفوقون عليه وعلى جنوده، بل ويتميزون، أليس في هذا غش لجهة العمل، سواء لأصحاب الأعمال بالقطاع الخاص أو المصالح الحكومية؟ أليس في هذا غش لنفسه وزوجه وبنيه، فهو يطعمهم من الحرام ويغذيهم من الحرام.. فأنى يستجاب لمثل هؤلاء؟ فيا من تغش في عملك ووظيفتك، اعلم أنك مفلس فاتقِ الله.. فالغش ظلمات وضياع للضمير، ومجلبة لعدم البركة.
النفاق فن
محمد علي سالم -موظف بمؤسسة حكومية- قال إن النفاق أصبح فنا من الفنون التي يمكن أن توصل صاحبها إلى أعلى المراتب الاجتماعية، مشيراً إلى أن الرسالات السماوية أسهبت في تعريفه والتحذير منه، ولكن من وجهة نظر صحية واجتماعية تكمن خطورة النفاق أنه مرض معد، والدليل على ذلك عندما تسمع صديقا يشكو حال الدنيا ويقول إن الحياة للمنافقين.. ولا بد من النفاق لكي تعيش.. أو تجد منافقا يقوم بعمل مكشوف مضحك مبكٍ معا!! فهو مضحك لأنه نفاق غبي وواضح، وهو منافق مبتدئ لم يتقن فن النفاق، ويبقى أقل خطورة على المجتمع، لأن المنافق الخطر على المجتمع هو المنافق الذي يستطيع إخفاء نفاقه. أما المبكي فهو أن تجد المنافق أحيانا يستخدم الدين والشعائر الدينية للوصول لأهدافه المريضة.
وبيّن محمد أن الخداع والغش والنفاق والكذب صفات غالبا ما تظهر على وجه مستخدمها، أما إذا استطاع أن يخفي هذه التعابير فإنه يصبح منافقا خطرا على زملاء العمل والمعايشين والمجتمع، والأمثلة على ذلك كثيرة: فتجد مديرا مباشرا يسرق جهد مرؤوسيه، ويوهم المسؤولين أنه وحده الذي يعمل، أو طرفا محبا لطرف آخر في علاقة غرامية تستنزف سنين عمر الطرف المحب، بينما الطرف الآخر ينافق ويتصيد فرائسه، ودائما ما تجد شخصية المنافق «ساديّة»، من النوع الذي يتلذذ بعذاب الآخرين ومعاناتهم، ويفعل أي شيء ليرى شخصا يتعذب أمامه، دون أن يترك أي أثر لجريمته، بل على العكس فهو أيضا محترف في إلقاء المسؤولية على الآخرين، ولدى المنافق دائما ضعف في قدراته ومهاراته، ويعاني عقد النقص، ولكنه يستطيع إخفاءها بنفاقه، فتجده كثير الكلام، ويستطيع أن يقلب الحق باطلا، والمنافق غالبا ما يصل إلى أعلى المراتب.
هجرة العقول
ويوضح تركي أحمد جمال -متقاعد عمل بدوائر رسمية ومؤسسات خاصة لمدة 30 سنة- أن النفاق سبب لهجرة العقول وخسارة الطاقات، وبيّن أن له تجربة خاصة وقال: لقد خسرت عملي أكثر من مرة بسبب المنافقين، وكثير من المنافقين أصبحوا مديرين في مؤسسات، ثم بدؤوا بتقريب من هم على شاكلتهم من المنافقين، متبعين سياسة «الولاء قبل الأداء»، وهكذا يزدهر النفاق وينمو على حساب المؤسسة، وعندما تنهار هذه المؤسسة أو تخسر يسارع كثيرون إلى إلقاء اللوم هنا وهناك، منهم من يتهم «نقص الخبرة المهنية» أو يدخلون في حلقة من الأسئلة التي لا تنتهي، وتتشعب بتشعب النفاق وتجذره، دون أن ينتبهوا إلى النفاق وخطورته، وأنه يبدأ من البيت عندما يدرب الوالد أولاده على الفهلوة والانتهازية والصعود على حساب الآخرين، ليس لأن الأب سيئ بطبعه، بل ربما قد يكون لسع بنار منافق أو واشٍ في مؤسسة ما، وكان ذنبه الوحيد أنه كان مخلصا.
وقال تركي: لدي نصيحة أقدمها لكل من حرقته نار المنافقين والغشاشين، لا تجعلوا المنافق المداهن ينتصر عليكم مرتين: المرة الأولى عندما حرمكم درجة أو منصبا أو أدى إلى ترككم عملا ما. والمرة الثانية عندما تجاريه وتصاب بمرضه لتصبح منافقا مثله، وهذا هو الانتصار الأخطر، أنصحكم بترك المكان السيئ، لأن البقاء فيه يزيد الأمر سوءا، وكونوا على ثقة أن هناك أمكنة كثيرة يستطيع فيها الإنسان أن يحقق ذاته، وليس للنفاق فيها مجال، ولكن لا تغادر بلدك، فهو أولى بعلمك وإخلاصك، ولعل النفاق من أهم أسباب هجرة العقول التي تزدهر في بلاد الاغتراب، بينما تجدها في بلادنا معزولة لا دور لها.
شر لا بد منه
طلال سلامة -موظف بشركة خاصة- له رأي مختلف، فهو يرى النفاق شرا لا بد منه، وأنه لا بد لكل شخص من النفاق بصورة من الصور لتسير حياته بشكل لا يخسر فيه، يقول: عندما أنظر حولي وأفكر في تصرفات الناس أدرك أن النفاق خلق متجذر في كل حياة الناس، أرى كثيرين يعانقون أشخاصا ثم يتحدثون عنهم بأقذع التهم، وأرى أناسا يمدحونني ويبدون لي كل المحبة ثم يطعنوني وراء ظهري، ماذا أفعل؟ كيف أواجه المنافقين وهم غالبية المجتمع؟ عندما تجتمع مع أشخاص لا يحترمون رأيك ولا شخصيتك ولا معتقداتك، لا بد لك من النفاق، وكثيرا ما تجد نفسك في معركة لست أنت طرفا فيها، وتجد مسؤولين يقولون: إذا لم تتفق معي فأنت عدوي، لقد أصبح النفاق ميزة الوصوليين، بل هو شرط أساس للترقية، بل إنه لا يمكن لك أن تحصل على حقك الطبيعي بعد أن أصبحت المؤسسات تعبق بالتحيز واللاموضوعية.
فصل بين السلوكيات
إبراهيم ناصر -موظف بمؤسسة صحية- قال: لا بد عند الحديث عن النفاق والكذب والغش والخداع وأثرها في حياة المجتمعات أن نفصل بين سلوكيات وأخلاق تأخذ في الحياة الاجتماعية أسماء مختلفة. وأضاف: لا بد أن نضع حدا فاصلا بين المجاملة والنفاق مثلا، ويخطئ كثير من الناس بجعل هاتين الكلمتين مترادفتين، وقد اختلط الأمر على كثيرين، وصاروا يعدونهما نوعا مختلطا من الكذب والخداع والمغالطة والتضليل، فالمجاملة هي أدب اجتماعي خلقي من أهم صفاته: الصدق والإخلاص والمودة واللباقة والعبارات المهذبة، أما النفاق فهو «وحده الذي يجمع بين الصفات القبيحة كالكذب والخداع والتضليل والغدر والمكر وإظهار المرء للناس من قوله وفعله بعكس ما يبطن».
وأكد إبراهيم أن النفاق يبدأ صغيرا ولكنه يكبر مع الزمن وتزداد خطورته على القلب وفساد الدين والدنيا، وهنا أذكر المثل القائل «من شب على شيء شاب عليه»، حيث إن الحرص على الدنيا والجري وراء الشهوات والبعد عن تعاليم الدين وعدم محاسبة النفس عند كل فعل يجعل النفاق يتغلغل داخل كل تصرف، ويصير الإنسان بلا ضبط نفسي يساعده على الرجوع عند اللزوم، حيث يتوه الإنسان في النهاية عن معرفة حقيقة نفسه ويتوه عنها من كثرة كذبه، وذلك حيث يكذب الإنسان على الآخرين ثم يصبح هو نفسه أسير كذبته بسبب كبريائه وغروره، وتأخذه العزة بالإثم، فإنه لا يمتلك العقل فحسب، بل إنه لا يمتلك الشعور أيضا لهذا الخداع الذاتي، ولذلك لا بد أن يحاسب المرء ذاته كل يوم حتى يحمد الله على ما فعل من خير ويستغفره على ما بدر منه من شر.
وأوضح إبراهيم أن النفاق يبدأ عادة بكثرة تبريرات الإنسان لنفسه، حيث يبرر لنفسه الإهمال في الواجبات الدينية، ويبرر تكاسله عنها بإلقاء الحجج حتى يعذر نفسه، ويعمل هذا مع كل موقف يضيق فيه الخناق عليه، فيكذب ويخلف الوعد ويخون الأمانة، ويجد لنفسه المبرر، هذه كذبة بيضاء، أو يحاول إضحاك الناس فيتخذ من الكذب وسيلة لذلك، رغم أن رسولنا الكريم حذرنا من التهريج بالكذب، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك منه القوم فيكذب ويل له ويل له)، وإذا بدأ الإنسان بالكذب على الناس فإنه سيجد نفسه قد اعتاد الكذب حتى يصدق كذبه، وهنا يصل إلى نهاية المطاف، فيكذب على نفسه قبل كذبه على الآخرين، وكثير من هؤلاء لا يعلمون أنهم قد دخلوا في زمرة المنافقين، وانجرفوا مع تيار النفاق الخداع.
أشد أنواع النفاق
أمينة حسين -موظفة بمركز لتحفيظ القرآن الكريم- قالت إن الإنسان المنافق يظهر في تعاملاته مع الناس خلاف ما يبطن، ومن ذلك الرياء، والرياء أشد أنواع النفاق خطرا على سلوك الإنسان، حيث يبدأ في إظهار البشاشة والحب لأخيه ثم يطعنه في ظهره، حيث إنه من النفاق ألا يطابق قول الإنسان الحسن فعله، وهنا قال الله تعالى في كتابه المجيد: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}، ويظهر هذا أيضا في حديث رسولنا الكريم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تجدون شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه).
وبينت أمينة أن الغيبة والنميمة هي مظهر آخر من مظاهر النفاق مع الناس بل هي أقبح مظاهر النفاق الاجتماعي، حيث تنعدم فيه الثقة بين أفراد المجتمع، وينتشر فيه سوء الظن. وهنا لا يكتفي الإنسان بإخفاء ما يبطن، ولكن يظهر ما به من سوء وحقد وكره لآخرين، ويقول عن الشخص أشياء كثيراً ما تكون غير صحيحة، ويمكن استئصال النفاق من المجتمع عن طريق النصيحة والابتعاد والاعتزال للمنافقين.
أخطر الأمراض
ويوضح الشيخ محمد يحيى طاهر أن تفشي الكذب والنفاق من أخطر الأمراض على المجتمعات، وأكد أن تفشي هذه الظاهرة في أي مجتمع يفسد العلاقات ويسبب الخلافات وينشر الفساد والظلم بين الناس، وشدد على أهمية العمل بالقرآن وعذاب من يؤتى القرآن ولا يعمل به وينام عن الصلاة المكتوبة، وأهمية مراقبة الله في السر والعلن، وأن يعلم الإنسان أن الله مطلع عليه في سره وعلانيته؛ ولذا يعذب الله أناساً إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، وأهمية جمع المال من الحلال وإخراج حق الله في المال لأن الله يعذب الذين يكنزون المال ومَن يجمعونه من الحرام وأنه لا يبارك لهم فيه.
وقال طاهر إنه وفي مقابل ذلك نجد الجنة التي أعدها الله لعباده المؤمنين الصالحين من الصادقين والمحافظين على الصلوات والعمل بالقرآن ومراقبة الله جزاءً وفاقاً وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وجزاء من مات من الأبناء قبل أن يبلغ فهو في الجنة وهي بشرى لآبائهم فيكونوا ذخرا لهم، وكذلك منازل الشهداء في الجنة وما أعده الله لهم جزاءً وإكراماً لهم.
مرض مدمر
الشيخ موافي عزب قال لـ «العرب»: إنه مما لا يخفى على كل ذي عقل ولب أن النفاق مرض خبيث وداء مدمر، إذا ما أصاب أي جهاز أو مؤسسة، وسواء كان على مستوى الفرد أو المجتمع أو كانت المؤسسة خاصة أو عامة، فإن النفاق يؤدي لنتائج كارثية، وقد يؤدي لانهيار المؤسسة على المدى البعيد، أو يؤدي لإضعاف المؤسسة وتراجع مستواها في الأداء، كما يؤدي لهضم أصحاب الكفاءة والمهارة الصادقين الذين كان من الممكن أن ينهضوا بمستوى وأداء المؤسسة ورفع الإنتاج بصفة عامة، ولذلك نجد أن القرآن الكريم اهتم اهتماما بالغا بالتعرض لقضية النفاق وفضح المنافقين صراحة وتعريضا، فقد حوا القرآن الكريم سورة باسم سورة (المنافقون)، الأمر الذي يدل على الأهمية الكبيرة التي يوليها الإسلام لخطورة هذه الفئة التي يمكن أن تحول النصر إلى هزيمة، وأن تحول الإبداع إلى إخفاق، وأن تجعل المخلصين يرمون بالتهم التي قد تودي بحياتهم، وأشار إلى أن سورة «براءة» فضحت النفاق والمنافقين بطريقة لم تحدث في التاريخ القديم أو الحديث.
وأكد عزب أن التصدي لآثار النفاق والمنافقين يقتضي تقسيم المؤسسة أو المجتمع إلى قسمين، هما: الشخص المسؤول، والشخص العادي الذي لا يملك أي مسؤولية، وعلى المسؤول أن يميز الموظف الصادق المخلص من الدعي الكذاب، الذي ليس له من همّ سوى أن يقول ما يرضي من هم فوقه بالمسؤولية، ويزين للمسؤول من القول ما يجعله غير قادر على تمييز الحقيقة بدقة، فتعين على كل مسؤول أن ينظر في فريق العمل الذي يعمل تحته وأن يدقق في الآثار المترتبة على تصرفاتهم وأقوالهم، وأن يكون ذا نظر ثاقب للتمييز ما بين الصادق والمنافق الكذاب، فإذا وجد فئة تمتهن النفاق لتحقيق أهدافها فعليه التخلص منهم إذا لم يستطع تقويم سلوكهم، والمنافقون عبر التاريخ يحرصون على أن يتملكوا صناع القرار، وكان إذا ما تقدم هؤلاء من مسؤول وتكلموا بما يشتمّ منه رائحة النفاق، فقد كان يواجه بأن هذا ليس صحيحا وليس صوابا، فقد يأتي منافق ليتطفل على حساب غيره، وقد يشوه صورة غيره ليصل هو، فيقوم بالنميمة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يدخل الجنة نمام)، فتجد بعض المنافقين ليس له من عمل إلا التصنت والتجسس على الآخرين لصالح المسؤول الذي قد يكون لم يكلفه بهذا الأمر، ولكن المنافق يسعى لكسب رضاه بأي ثمن، والمسؤول هنا يمكن أن يغلق الباب بوجه هذا المنافق فينقذ مؤسسته وفريق عمله، أو قد يستمع له فيدمر مؤسسته على المدى المتوسط أو البعيد.
ونوه عزب بأن كثيرا من المسؤولين المخلصين كانوا إذا جاءهم منافق يقولون له: انتظر وسوف آتي بمن تتكلم عنه ليواجهك فيما تقول، أو إن شئت اعتذرت عن هذا الفعل وسأقبل اعتذارك، وكان كثير من هؤلاء يلتمسون العذر، ويعرفون أن هذا المسؤول لا يبني حياته على النفاق ولا يقبل المنافقين، ومن أشهر الذين قطعوا دابر المنافقين عمر بن عبدالعزيز -رضي الله عنه-، فقد تسلم الخلافة بعد فترة يمكن أن نطلق عليها التسيب الإداري، وكان فيها تفلت إلى حد ما من الضوابط الشرعية في المحيطين بالحاكم، ووجد عمر بن عبدالعزيز جيشا من المنافقين ليس لهم عمل سوى تزيين صورة معينة أمام الحاكم، وإظهار المجتمع على أنهم مجرمون وخونة يريدون السيطرة على الحكم، قال لهم عمر من أنتم؟ قالوا: نحن خدام الملك، قال لهم: ماذا تفعلون؟ قالوا: عيون لك على الناس، قال لهم أأنتم عيون على الأعداء أم على الشعب؟ أما سمعتم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة كذاب) لا حاجة لي بكم، ثم أمر بتسريحهم.
ويضيف عزب: وبهذا تمكن عمر بن عبدالعزيز أن يستعيد العافية للأمة، وذلك من خلال الاستغناء عن المنافقين وتقريب المخلصين الأكْفاء، وهكذا فقد ازدهرت الأمة الإسلامية في عصره بشكل لم يسبق له مثيل، حتى فاضت أموال الزكاة ولم يجد عمال بيت المال من يأخذها، وقيل إن الذئاب كانت ترعى مع الأغنام في الحقول؛ وذلك لأن العدل ساد على جميع الناس وليس بسطوة مؤسسات رقابية أو قوانين صارمة، ومن هنا ندرك أثر النفاق في حياة الأمم، فكلما زاد المنافقون تراجعت الأمة، وقل الأداء وتراجع الإنتاج، وأصبح الولاء لشخص لا لمؤسسة أو للمصلحة العامة، وكلما تم الحد من أثر المنافقين وتنقية الأجواء من هذه النفوس المريضة ارتفع مستوى الأمة وتطور أداء الناس واستراحت نفوسهم فأبدعوا.
وتعاني أمة الإسلام اليوم من هذه المشكلة بشكل كبير، فنجد في كل بقعة فئة من الناس سواء في المجتمع أو المؤسسات الصغرى أو الكبرى ليس لهم من هم إلا تزييف الحقائق، وإرضاء المسؤول، وذلك بصرف النظر عما يؤدي إليه هذا التصرف من دمار المؤسسة والقضاء على الإبداع وقتل الطموح، ومن هنا فدور المسؤول مهم جدا في الحد من النفاق وتطهير المجتمع من المنافقين، والتدقيق في المعلومات التي تصل إليه والهادفة إلى إغراقه ببيانات كاذبة لا أساس لها من الصحة، والنفاق هو الكذب، فالاسم مأخوذ من النافقاء وهو الجحر الضيق الذي لا تستطيع ولوجه إلا بصعوبة بالغة، وفيه متاهات كثيرة تجعل الإنسان يضل ويتعب حتى يصل إلى الحقيقة.
أما بالنسبة للشخص العادي فإذا ابتلي الإنسان في مؤسسته التي يعمل بها بوجود المنافقين فيتعين عليه أولا أن يذكرهم بالله تعالى، وأنه تعالى حرم النفاق وبشر المنافقين بأنهم في الدرك الأسفل من النار، وأن الإنسان مهما فعل وتزلف للمسؤول فإن ذلك لا يقدم ولا يؤخر في الرزق، فالأرزاق بيد الله وقد حسم أمرها، وأن المقادير قد كتبت ودونت، وقد رفعت الأقلام وجفت الصحف، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فالمنافق لن يقدم لنفسه شيئا مهما فعل، ولكنه بتقربه إلى مسؤول سيكذب ويتوسل بعرق الآخر، وقد يؤدي هذا الأمر إلى تشتيت عائلة الآخر أو فقد الثقة فيه والاستغناء عنه، وقد يفقد مركزه ودخله وعمله وقد يفقد أسرته، وقد يصاب بالأمراض المختلفة.
وها هي الأمة الإسلامية تعاني من خطر النفاق أو ما يمكن أن نطلق عليه «الطابور الخامس» الذي تكاد لا تخلو منه دولة أو منطقة أو مؤسسة أو جهاز، وهو الأمر الذي جعل هذه الأمة في مؤخرة شعوب العالم، وجعلنا تحت الوصاية العالمية، وذلك لقلة أو ندرة الصادق الناصح المخلص الأمين الذي يخدم وطنه وأمته، فإن وجد المخلص نفسه محاطا ببيئة موبوءة من المنافقين، فإن تيسر له الخروج منها إلى مكان رزق آخر فلا بأس بذلك، ولكن الحصول على فرص العمل ليس متاحا للكل، فإن لم يتيسر له التحول إلى مكان عمل آخر حتى لو كان بأجر أقل فعليه أن يصلح ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وعلى الشخص أن ينظر في حاله، فإن تمكن من التحول فهو الأفضل له، وإن لم يتمكن فعليه أن يصلح ما يستطيع، بناء على قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، فتغيير الواقع والسلوكيات ليس بالأمر السهل، فعليه أن يقدم جهده، حسب إمكاناته، فقد يغير بيده وقد يغير بلسانه وقد يغير بقلبه وذلك أضعف الإيمان.
الإخلاص في العمل
وبيّن الشيخ محمد حسين يعقوب أن الإخلاص بالعمل هو الذي يخلص الموظفين والعاملين من النفاق، وعرف الإخلاص بأنه: «تغميض عين القلب عما سوى الله في العمل»، مبينا خطورة عدم الإخلاص على أفضل الأعمال، واستشهد بحديث الرجل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذِّكر ما له؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «لاشيء له». فأعادها عليه ثلاث مرات، فقال (لا شيء له، إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً، وابتغي به وجهه).
وحث فضيلة الشيخ العاملين في المجال الخيري وكل الأعمال على اغتنام الفرصة للدعوة؛ لأن العمل الخيري ينبغي أي يظل مطية الدعوة لمن يحمل هم هذا الدين، لا أن يقتصر على الجانب الاجتماعي فقط، خاتما أن الإخلاص يبقى عمدة العمل وشرط قبوله «فلا شيء أفضل من أن يطلع الله على قلبك فيرى أنك لا تريد بأعمالك إلا هو. وقد أمر القرآن بذلك.
أهمية الإخلاص
من جانبه يقول الخبير الشرعي بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الشيخ الدكتور أحمد الفرجابي: إن الإخلاص مهم لسير حياة الناس، وهو مهم لنجاح الأعمال، وضرب مثلا في الفرق بين من يعمل في المجال الخيري بنية الحصول على الامتيازات فقط، وبين من يخلص النية ويجددها فيجمع بين الامتيازات والأجر نتيجة إخلاصه ونيته، فهو كأم موسى -عليه السلام- التي ترضع ابنها وتأخذ الأجر مقابل ذلك.
وأوضح الفرجابي أن العمل مع الإخلاص عبادة مستمرة، تبدأ مع بداية الشخص تجهيز سيارته للانطلاق إلى العمل كل يوم.. ولا تنتهي مع عودته إلى البيت إلا على نية الرجوع للعمل في اليوم الموالي، مؤكداً على ضرورة تجديد النية ومراقبة الله في كل خطوة يخطوها فاعل الخير والعامل في مجاله، وأشار فضيلته إلى حديث (إنما الأعمال بالنيات)، وقال إن العمل الخالص يقتضي استصحاب النية قبل الشروع فيه وأثناءه حتى ختامه، وأضاف أن العمل بهذا الحديث هو سر القبول، وقد بدأ به النووي رحمه الله كتابه «رياض الصالحين»، كما بدأ به البخاري صحيحه، فأصبحا من أكثر الكتب قبولا وانتشارا وانتفع بهما غالبية المسلمين.