الغارة على السودان وحرب إسرائيل الخفية

alarab
حول العالم 03 نوفمبر 2012 , 12:00ص
د.حمدي عبدالرحمن - الأهرام
في سياق التصعيد الإسرائيلي المستمر في مواجهة حركة حماس من جهة والقدرات النووية الإيرانية. من جهة أخرى أغارت المقاتلات الإسرائيلية على مصنع اليرموك للأسلحة في العاصمة السودانية الخرطوم مما أدى إلى إصابته بالشلل شبه التام. وقد التزمت القيادة المدنية والعسكرية في إسرائيل كعادتها عند القيام بمثل هذه الغارات بالصمت التام وعدم التحدث إما تأكيدا أو نفيا. ولعل توقيت وهدف هذه الغارة الإسرائيلية يطرح العديد من التساؤلات حول أبعادها ودلالاتها ولاسيَّما في مرحلة ما بعد الربيع العربي! إذا نظرنا إلى الحدث في إطار حرب إسرائيل الخفية في منطقة الشرق الأوسط ومحاولاتها الدؤوبة احتواء التهديدات الإيرانية والفلسطينية وحتى المصرية في مرحلة ما بعد مبارك لوجدنا أن المنهج الإسرائيلي واحد ولم يتغير. ففي عام 2009 استهدفت المقاتلات الإسرائيلية قافلة من المركبات شمال شرقي السودان بحجة أنها كانت تنقل أسلحة إلى حركة حماس في قطاع غزة. وقد تكررت نفس الغارة في أبريل عام2011 حينما استهدفت المقاتلات الإسرائيلية أيضا عربات شحن سودانية في منطقة بورتسودان. وطبقا لبعض المصادر الاستخباراتية فإن إسرائيل استخدمت في غارتها الأخيرة ثماني مقاتلات من بينها طائرتان هليكوبتر وطائرة تموين من الجو وأخرى محملة بجنود الكوماندز وذلك للإنقاذ في حالة تعرض إحدى الطائرات للأذى. وأحسب أن تنفيذ الغارة بهذه الدقة الكبيرة وذلك بعد طيران مسافة (1900 كم) عبر البحر الأحمر لتجنب المرور في الأجواء المصرية واستخدام أدوات ذات تقنية عالية للتشويش حتى يصعب على السودان اكتشافها إنما يبعث بالعديد من الرسائل سواء لبعض الأطراف خارج إسرائيل أو للداخل الإسرائيلي نفسه. أولا: يمكن من خلال القراءة الأولى لهذه الغارة الخلوص إلى أنها تمثل درسا إسرائيليا لإيران، فالمسافة بين تل أبيب وطهران هي بلا شك أقل من تلك المسافة بين تل أبيب والخرطوم، يعني ذلك أن القدرات النووية الإيرانية ليست بعيدة عن مرمى الآلة العسكرية الإسرائيلية، ليس هذا فحسب وإنما ترى إسرائيل دائما أن العلاقات الإيرانية السودانية والتي تم توثيقها عام 2008 في شكل اتفاقية عسكرية بين البلدين تمثل خطرا على الجنوب الإسرائيلي. فالسودان وفقا للرواية الإسرائيلية يمثل إحدى المحطات المهمة لتهريب الأسلحة إلى قطاع غزة ابتداء من ميناء بندر عباس الإيراني وانتهاء بصحراء سيناء التي تعاني من انفلات أمني واضح. ثانيا: أثبتت هذه الغارة أن النظام العربي ما زال متمسكا بسياسة الصمت وعدم التحرك. ويبدو أن مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي لم تستطع تغيير هذا المنحنى الفكري العربي في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية الطاغية. وعليه فقد ترك الأمر للسودان للتعامل معه بمعرفته حتى ولو من خلال الإعلان رمزيا عن احتفاظه بحق الرد أو اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي طلبا للإدانة وليس إلى الجامعة العربية التي يلتزم أعضاؤها باتفاقية للدفاع المشترك، ولعل مكمن الخطر هنا يتمثل في التهديد المباشر للأمن القومي العربي، فالصومال خضعت لعملية تدويل واضحة حيث لا تزال تحتلها جيوش خمس دول إفريقية في إطار حالة من فقدان الوعي العربي، كما أن السودان الذي فقد نصفه الجنوبي ويصارع من أجل الحفاظ على أطرافه القلقة والملتهبة أصبح هدفا مستباحا لحروب إسرائيل غير المعلنة في محيطها الجغرافي والاستراتيجي. ثالثا: على الرغم من الإدانة المصرية -على مستوى الرئاسة والحكومة- للغارة الإسرائيلية على الخرطوم. فإن أحد الدلالات المهمة تتمثل في محاولة إسرائيل إظهار مدى تناقض الدبلوماسية المصرية بعد الثورة. فقد جاءت الغارة بعد كشف إسرائيل عن خطاب الرئيس مرسي البروتوكولي لنظيره الإسرائيلي بمناسبة تعيين سفير مصري جديد في تل أبيب، وهو ما يعني أن موقف الرفض والشجب المصري لا يتفق مع عمق العلاقة الرسمية بين مصر وإسرائيل. ومن جهة أخرى تحاول إسرائيل دوما إظهار أن شبه جزيرة سيناء تمثل حلقة ضعف أمني واستراتيجي تهدد حدودها وهو ما يعطيها الحق في اتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية أمنها القومي. وإذا أخذنا في الحسبان أيضا اعتبارات الداخل الإسرائيلية وأجواء الانتخابات المقبلة فإنه يمكن وضع هذه الغارة الإسرائيلية في سياق حسابات اليمين بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي عادة ما يجد سندا انتخابيا قويا في ظل أجواء التهديد والحرب وانتهاج سياسات إسرائيلية تصعيدية ضد أخطار الداخل والخارج على السواء. ويمكن بعد فهم هذه الدلالات الواضحة للعدوان الإسرائيلي على السودان الإجابة على سؤال ماذا تريد إسرائيل من السودان بشكل عام؟ لا شك أن السودان يمثل ومنذ البداية نقطة ارتكاز مهمة في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي باعتبارها العمق الاستراتيجي لمصر وبحسبانها من دول أطراف النظام الإقليمي العربي. فثمة استراتيجية إسرائيلية معروفة تتمثل في شد وتفكيك أطراف النظام العربي. ولعل السودان يمثل نموذجا مثاليا في هذا الصدد، فقد دأبت إسرائيل على القيام بدور نشط في دعم حركات التمرد في جنوب السودان حتى تحقق له الانفصال، كما أنها تحاول جاهدة تفكيك ما تبقى من الدولة السودانية لإعادة رسم خريطة منطقة القرن الإفريقي وشرق إفريقيا بشكل عام بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. إن إحدى دلالات الغارة الإسرائيلية على السودان والمسكوت عنها تتمثل في تحطيم القدرات العسكرية لنظام البشير ولاسيَّما قدرته على تحقيق الاكتفاء الذاتي من تصنيع الأسلحة، وهو ما يخفف ولو بشكل غير مباشر العبء عن دولة الجنوب ومتمردي دارفور. ويعني ذلك أن إسرائيل في غارتها على السودان قد أصابت أكثر من عصفور بحجر واحد. فهل نفهم نحن العرب هذه المعاني والرسائل الإسرائيلية من خلال الغارة الأخيرة على الخرطوم؟ لا شك أن الموقف المصري لا بد وأن يؤكد على حرمة التراب الوطني السوداني قولا وفعلا. وهو ما يعني ضرورة التنسيق الأمني والاستراتيجي بين كل من القاهرة والخرطوم وإعادة النظر من قبل القيادة السودانية في اتفاقها مع إيران. فالسودان يستطيع أن يخرج من ضيق العزلة الأميركية والأوروبية الظالمة إلى سعة مصر المحروسة وبالمقابل يمثل سودان وادي النيل السند والظهير لمصر الثورة.