لا طاعة لحاكم ينشر الظلم وينهب المال ويزور الانتخابات

alarab
محليات 03 أكتوبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - محمد صبرة
أفتى العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بأن لا طاعة لـ»الحاكم الذي ينشر الظلم وينهب المال، ويهمل الشعب، ويزور الانتخابات ويقرب أسرته وأصهاره وأتباعه». مبينا أن «طاعته ليست من المعروف في شيء». جاء ذلك في فتوى مطولة أصدرها فضيلته أمس، تعقيبا على بيان جمعية علماء اليمن بتحريم المظاهرات الحالية والخروج على ولي الأمر. وأوضح أن استدلالهم بآيات القرآن في طاعة ولي الأمر في غير محله. موضحا أن «الطاعة لأولي الأمر لا تكون إلا إذا كان من المؤمنين الملتزمين بعقد الإيمان وموجباته»، وأنها مقيدة بالطاعة في المعروف. وأشار إلى أن « الحاكم المطلوبة طاعته هو الذي يحبه الناس ويطلبونه»، ووصف الرئيس اليمني بأنه «حاكم يريد أن يبقى والناس لا تريده». وأكد الشيخ القرضاوي في فتواه أن «الحاكم الذي يحرُم الخروج عليه هو الذي يحكم بما أنزل الله، والموافق شعبه فيما اتفق عليه معهم، وأن الخروج المحظور هو الخروج بالسلاح لقتاله». وأبدى الشيخ القرضاوي استغرابه «أن يكون في العالم الإسلامي جمعية تحمل مثل هذه العقول في القرن الخامس عشر الهجري». وانتقد فتوى علماء اليمن واعتبر «أن هذه الفتوى وأمثالها تطالب الشعب بالاستسلام لإرادة الحاكم الظالم، ووجوب الطاعة المطلقة له، وتصور الإسلام دينا عاجزا عن مقاومة الظلم والطغيان». وفيما يلي نص فتوى الشيخ القرضاوي: «اتصل بي عدد من الإخوة والأخوات من الثورة اليمنية الفتية باليمن يطلبون مني التعليق على ما أصدرته جمعية علماء اليمن الموالية للرئيس اليمني في تحريم الخروج عليه بالقول أو الفعل، ودعواهم الإجماع على عدم جواز الخروج على الحكام بإطلاق، واستدلالهم بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر مِنْكُمْ} [النساء:59]. وقد اطلعت على ما أصدرته هذه الجمعية، وعجبت أن يكون في العالم الإسلامي جمعية تحمل مثل هذه العقول في القرن الخامس عشر الهجري!! أما استدلالهم بهذه الآية الكريمة {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر مِنْكُمْ} فهو في غير محله، فطاعة ولي الأمر تجب إذا ما تحقق بطاعة الله ورسوله، وقام بتنفيذ شرعه، وما تم الاتفاق عليه بينه وبين شعبه، والشعب الآن بمئات الآلاف والملايين يطالبه بالرحيل، وهو لا يستجيب لهم!! ثم إنهم لم يتموا الآية، وهي قوله سبحانه: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} [النساء: 59]. والشعب اليمني اليوم في نزاع مع حاكمه الجاثم على صدره منذ ثلاث وثلاثين سنة، ومنذ سبعة أشهر انطلقت مئات الآلاف والملايين في شوارع سبع عشرة محافظة معترضة عليه، معارضة لوجوده، فلا بد من الرجوع إلى الله ورسوله، وذلك بالتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في أمره، فكيف يريد حاكم أن يبقى والناس لا تريده؟! وحسبه مئات الألوف في الشوارع ليلا ونهارا ينادون برحيله. ونسي هؤلاء العلماء أن الطاعة لأولي الأمر لا تكون إلا إذا كان من المؤمنين الملتزمين بعقد الإيمان وموجباته: {وَأُولِي الأمر مِنْكُمْ}، وأن الطاعة لأُولِي الأمر المذكورة في الآية قد قيدتها النصوص الأخرى بالطاعة في المعروف، بل قال الله تعالى في بيعة النساء لرسوله صلى الله عليه وسلم: {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12]. إن الحاكم المطلوبة طاعته هو الذي يحبه الناس ويطلبونه، كما في حديث مسلم: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم»، رواه مسلم في كتاب الإمارة عن عوف بن مالك الأشجعي. وهذا الحاكم هو الذي يستجيب لهم فيما يطلبون منه، ويقيم لهم شرائع الله وييسر عليهم أمرهم. والخروج الذي يُنكر هو الخروج بالسلاح لقتاله، وهذا لم يحدث، بل هو الذي يقاتل ويسيل الدماء. والحاكم الذي ينشر الظلم وينهب المال ويهمل الشعب ويزور الانتخابات ويقرب أسرته وأصهاره وأتباعه، فليست طاعته من المعروف في شيء. ولقد سبق لي أن أصدرت عدة فتاوى في شأن مصر، رددْتُ فيها على من زعم أن التظاهرات خروج على ولي الأمر، وبينت فيها أن هذا الأمر أجازه الدستور والقوانين، كما بينت فيها حدود الطاعة لولي الأمر، ورددت فيها المتشابهات إلى المحكمات، والجزئيات إلى الكليات. لقد أغفل علماء السلطة في اليمن في مؤتمرهم العلمي الذي عقدوه لمدة ثلاثة أيام تحت شعار «نحو رؤية شرعية واضحة»، الكثير من الحقائق والمسلّمات، ونسوا أن الحاكم الحالي الذي يدافعون عنه ويدعون إلى طاعته، هو حاكم جمهوري استبد بالسلطة منذ ثلاث وثلاثين سنة، وجاء إلى الحكم بانقلاب عسكري، ومنذ زمن يجب أن ينتهي حكمه، بعد خمس سنوات، أو عشر سنوات، ويتم تداول السلطة بالوسائل السلمية المتعارف عليها في الأنظمة الجمهورية. نسي هؤلاء العلماء أن الدستور الذي وضعوه والقوانين التي صدرت عنه تبيح لهم الخروج في مظاهرات سلمية، لا يجوز للحاكم ولا لغيره أن يعتدي عليها، ولكن الحاكم عارض الدستور والقانون، وعارض الشرع، واستحل الدماء. ونسي هؤلاء العلماء أو تناسوا أن الشعب اليمني منذ أكثر من سبعة أشهر ينادي ليلا ونهارا، سرا وجهارا، بإسقاط النظام الحاكم، وتحقيق مطالبهم المشروعة. وكان على هؤلاء العلماء أن ينصحوا الحاكم بالاستجابة إلى مطالب شعبه في اختيار حاكمهم بإرادتهم ليقوم بمسؤوليته، ويحقق العدالة بينهم، ويرد لهم حقوقهم، لا أن يفرض نفسه عليهم، وأن يماطل في الاستجابة لمطالبهم، ويراوغ للاستمرار في حكمهم، وإذلالهم، وقتلهم بالحديد والنار. كنا نريد من هؤلاء العلماء أن يعلموا أن الحاكم الذي يحرُم الخروج عليه هو الذي يحكم بما أنزل الله، والموافق شعبه فيما اتفق عليه معهم، وأن الخروج المحظور هو الخروج بالسلاح لقتاله، وهؤلاء خرجوا بلا سيف ولا عصا ولا حجر، وهم أبدا يُقتَلون بغير حق من الحاكم وزمرته. كما يجب على هؤلاء العلماء أن يوجهوا نصائحهم بصون الدماء وحفظ الممتلكات وعدم ترويع الآمنين لذلك الحاكم المستبد بسلطته وزمرته المنتفعين باستمرار حكمه، لا أن يجرئوا قوات الأمن على قتل المتظاهرين السلميين لهذا الحاكم المستبد، بدعوى أن ما يقومون به من تأييد لهذا الحاكم ضد شعبه هو جهاد في سبيل الله، ويعطون بذلك الشرعية لقتل المتظاهرين الأبرياء. وإننا نأسف أن تتكرر أمثال هذه البيانات والفتاوى ممن ينتسبون إلى العلم الشرعي من أجل مصلحة حاكم وعائلته، ومعارضة الشعب اليمني المجاهد الذي رفض الظلم، وقاوم الطغيان والفساد بكل وسيلة ممكنة. إن هذه الفتوى وأمثالها تطالب الشعب بالاستسلام لإرادة الحاكم الظالم، ووجوب الطاعة المطلقة له، وتصور الإسلام دينا عاجزا عن مقاومة الظلم والطغيان، ناسين النصوص الكثيرة التي تربي الأمة على غير هذا النهج، مثل قوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113]. وقال سبحانه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاما قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124]، فبيّن أن من استرعى الذئب فقد ظلم. ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تودع منهم» رواه أحمد في المسند عن عبدالله بن عمرو بن العاص. وقوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»، رواه أحمد وابن ماجه والطبراني عن أبي أمامة، والنسائي عن طارق بن شهاب. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحابٌ يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمنٌ، ليس من وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» رواه مسلم في كتاب الإيمان عن ابن مسعود. وكما قال صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل قال إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» رواه الحاكم في المستدرك. وقوله: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، رواه مسلم عن أبي سعيد. وقد أثبت القرآن أن الجنود المطيعين أمرَ الحاكم الظالم هم شركاؤه ومعه في النار، قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص: 8]. وقال تعالى: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّة يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ} [القصص: 40،41]. إن «الفقه الرجعي» الذي يسير في ركاب الحكام، وإن ظلموا وجاروا، ينبغي أن يختفي أمام «الفقه الثوري» الذي يعمل لتقوية الشعوب، ويُنقِّي الحُكم من مطامعه ومساوئه. نسأل الله تعالى أن يحقن دماء الشعب اليمني ويحقق له مطالبه في العدالة والكرامة والحرية، وأن ينصر الشعوب المستضعفة على حكامها الظالمين المستبدين. {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21]