«التنمر» ظاهرة تغزو المدارس في جميع المراحل التعليمية

alarab
تحقيقات 03 أكتوبر 2011 , 12:00ص
الدوحة – هناء الرحيم
«التنمر المدرسي» ظاهرة بدأت تشكو منها كثير من المدارس في جميع المراحل التعليمية. و»التنمر» هو سلوك عدواني يأخذ أشكالا مختلفة، وقد يكون لفظيا أو جسمانيا أو عملية ابتزاز وسخرية وقد يمارس بصفة فردية أو جماعية وممكن أن يكون بين الصبيان والبنات، ولكنه منتشر أكثر بين الصبيان. ويعمد مركز التأهيل الاجتماعي «العوين» إلى عمل دراسة حول ظاهرة «التنمر المدرسي» بعد أن لاحظت المدارس أنها حالة تحتاج إلى الدراسة والاهتمام تبعا لآثارها السلبية على الطالب نفسه وأدائه المدرسي والمدرسة عموما وعلى أسرة الطالب، وبالتالي فهي ظاهرة تستحق أن تبحث، والمركز بالنظر إلى رؤيته واستراتيجيته مهتم بالبحث في الظواهر التي تهم المجتمع ورأى أن يقوم بدراسة معمقة مبنية على أسس علمية لظاهرة التنمر، خصوصا أنه لأول مرة تجرى دراسة في قطر حول الموضوع، وهو بصدد إعداد هذه الدراسة وستشمل عينة تمثل كل مدارس الدولة في المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية من البنين والبنات وبشراكة مع المجلس الأعلى للتعليم، وتستغرق الدراسة ستة أشهر وستشمل المدرسة والبيئة المدرسية ممثلة بالاختصاصي الاجتماعي ومسؤولي المدارس. ويدق الاختصاصيون النفسيون ناقوس الخطر ويحذرون من الآثار النفسية والجسدية للتنمر على الأطفال والمراهقين. «العرب» التقت بعدد من الاستشاريين النفسيين للوقوف على تعريفات هذه الظاهرة وأسبابها وكيفية علاجها وتفاديها. أشكال التنمر تعرف الدكتورة دالية مؤمن استشاري نفسي في مركز التأهيل الاجتماعي ظاهرة التنمر الاجتماعي بأنها «مصطلح حديث ولكنه يصف سلوكا معروفا منذ زمن طويل، وهو عبارة عن استغلال بعض الطلاب لقوتهم الجسدية أو الشخصية من أجل إذلال طالب آخر أو إخضاعه أو الحصول على شيء معين منه، وقد يكون من قبل فرد أو مجموعة تسيطر على فرد آخر لفظيا أو جسديا أو محاولة للتمييز بين الجنسيات المختلفة». وتشير إلى أن «التنمر له أشكال كثيرة منها ما هو قديم وآخر حديث، وممكن أن يتمثل من خلال الضرب أو سخرية واستهزاء أو من خلال تخريب ممتلكات الآخر بهدف الإغاظة أو محاولة للتمييز العرقي، وممكن أن يكون أيضاً عن طريق نشر إشاعة عن طالب معين وأحيانا لا تكون شخصية بل من خلال الهاتف أو عبر الإيميل وفي بعض الأوقات يعمد البعض إلى إبعاد طالب عن مجموعة معينة». وعن كيفية نشوء هذا السلوك السلبي لدى الطفل المتنمر توضح دكتورة مؤمن أنه «ممكن أن يكون مكتسبا من الأسرة من حيث اتباع التسلط في طريقة التعبير عن المشاعر فيجد في منزله كبارا قدوة في ذلك. وممكن أن يكون للطالب قوة عضلية أو يكون أكبر من حيث الطول والحجم وبالتالي يلاحظ أن الأطفال الآخرين يهابونه فيبدأ هو باستغلال هذا المظهر بتخويف الآخرين أو إزعاجهم». تنتشر في الحمامات والزوايا المغفلة وتقول إن هذه التصرفات عادة ما تحصل في المدارس في أماكن قليلا ما تخضع للإشراف، كالحمامات وبعض الزوايا المغفلة في المدرسة، وبذلك يبالغ الطالب المتنمر في تصرفاته ويستمر فيها ممن لديه استعداد لها نظرا لعدم وجود إشراف كاف. وترى أنه من أسباب سلوك التنمر عند بعض الطلاب، تعرضهم للإساءة في المعاملة بدنيا أو جنسيا أو أن يكون الطفل شاهدها فيعبر عنها بسلوك التنمر، وقد يكون محاولة منه لجذب انتباه والديه. وتضيف: وهناك نظرية تقول إن الأسرة قد تكون المسبب لهذا السلوك من خلال موافقة بعض الأهل على التصرف العدواني لولدهم وتشجيعه على ضرب الآخرين الذين يعتدون عليه والتشديد على ضرورة أن يأخذ حقه منهم بالضرب. ومن الممكن أن يكون من أسباب سلوك التنمر غياب الأب عن الأسرة فيظهر الطفل تمردا ويقول أنا هنا أنا رجل البيت. ونظرية أخرى تقول إن أسباب هذا التصرف يعود لعوامل اجتماعية كمشاهدة أفلام العنف وألعاب الفيديو العنيفة حيث إنها تكون عوامل مهيئة للعدوان. آثار سلبية وتؤكد أن الطفل المتنمر يترك آثارا سلبية ليس على نفسه فقط بل على الطفل المتنمر به أيضاً الذي بدوره يعاني من آثار نفسية وجسدية كبيرة أهمها -بحسب د. مؤمن- أن تقل ثقته بنفسه ومن الممكن أن يكره المدرسة ويبدأ بالتغيب عنها ويشعر بعدم الأمان والقلق والخوف، وبالتالي فإن ذلك ينعكس على تحصيله الدراسي، ويجد صعوبة في السيطرة على نفسه فيرد بغضب بإيذاء الآخرين أو لنفسه وتتأثر مناعته فتظهر عليه أعراض مرضية كالصداع أو آلام في المعدة. وتشير د. مؤمن إلى أن العوين يستقبل كثيرا من الحالات المتنمرة والمتنمر بهم، مضيفة أن المتنمر به عادة ما يجلبه أهله إلى المركز. وتقول إن الطفل المتنمر به من الممكن أن يصبح متنمرا أو يمارسه في المستقبل على أطفاله، وبالتالي تصبح دائرة العنف وكأنها متوارثة أسريا أو نفسيا. وتلفت إلى أن الأطفال المتنمرين عادة ما يتم تحويلهم إلى مركز التأهيل الاجتماعي (العوين) من قبل المدرسة، حيث إنها قد تجد صعوبة في التعامل مع الطفل المتنمر لأنه يؤذي الآخرين وأهالي الأطفال يشتكون منه. وتوضح أن مصطلح التنمر عادة ما يقصد به الصغار والمراهقون. وتلفت إلى أن العوين يتعاون مع عدد من المدارس لمعالجة حالة التنمر. وتقول إنه حين الجلوس مع الطفل عموما عادة ما يشعر أنه يعاني من مشكلة معينة سواء في المدرسة أو البيت أو أنه غير قادر في السيطرة على سلوكه، وأن حياته بلا معنى بحيث أنه لا يمارس أية هوايات ولا أنشطة وغير مهتم بدراسته، وبالتالي يصبح هذا الشيء عاملا في إعطائه أهمية وجذب الانتباه من قبل زملائه والمدرسين والإدارة. ممارسة الهوايات هي الحل وتدعو د. مؤمن الأساتذة في المدرسة لتشجيع الطفل على التحدث عن مشكلته. وتنصح أهالي الأطفال المتنمر بهم بإيجاد هوايات لهم تعيد ثقتهم بأنفسهم. وتشدد على أهمية التعاون بين الأطباء النفسيين والأهل والمدرسة في علاج حالة التنمر ونحن دائما ما ننصح الأساتذة بمساعدة الطالب المتنمر به بأن يشرحوا له أنه غير مسؤول عن التنمر الذي تعرض له ولا يشجعونه على الانتقام حتى لا يصبح هو بدوره طفلا متنمرا. وتؤكد على أهمية دور الأستاذ في حياة الطالب الذي قد يكون دوره أهم من الدكتور النفسي لأنه يثق به. وبالنسبة للأسرة ترى مؤمن أن أهم عامل هو إيجاد قدوة حسنة والتعبير عن الغضب من دون أي عنف وعلى الأهل وضع حد للطفل في حال قام بإيذاء أحد إخوته. وتنصح مؤمن أن يعمل على تنفيس طاقة الطفل المتنمر من خلال هوايات ونشاطات وتخفيف جرعة العنف التي يتلقاها من محيطه. طرق العلاج من جهته يشرح الدكتور أسامة الجيلي استشاري نفسي في العوين، طرق علاج التنمر من خلال الحالات التي عاينها، حيث يجري الدكتور تقييما أوليا للحالة عن طريق المعلومات والبيانات الأولية المتعلقة بالحالة، ويكون هناك تركيز على المراحل النمائية والتطورية للطفل منذ النشأة الأولى وطريقة ولادته وطبيعة الحمل والحالة النفسية والانفعالية بالنسبة للوالدة أثناء فترة الحمل، مشيراً إلى أن الطبيب المعالج يحاول معرفة ما إذا كان الوالدان متفقين على إنجاب الطفل أم كان هناك عدم اتفاق، لأن عدم اتفاق الوالدين على المولود نفسه ينعكس سلبا في المستقبل على شخصية الطفل، وهذا يكون المفتاح الأول للدخول إلى حياة هذا الطفل المتنمر. ويضيف: المرحلة الثانية ندرس التطور النمائي من حيث الحركة وتعليم اللغة وتنظيم الأغراض الشخصية والاهتمام بنفسه وعلاقته مع الآخرين ونومه وأكله. ويشير الجيلي إلى أن يركز المعالج أيضاً على كيفية تعامل الوالدين مع هذا الطفل منذ نعومة أظافره وعلى علاقة الطفل مع والدته خاصة في مرحلة المهد، لافتا إلى أنها تعتبر من النقاط المهمة في حياة الطفل نفسه، ففي حال لم توف الأم حق الطفل من العطف والحنان قد تكون النتيجة سلوكيات غير سوية، والتي قد يكون التنمر واحدا من هذه السلوكيات. تربية الأسرة ويولي الجيلي عناية كبيرة أثناء علاج الحالة بكيفية معاملة الوالد، هل يتسلط يضرب يعاقب بشدة. إضافة إلى علاقة الوالدين مع بعضهما البعض ومدى اتفاقهم على أسلوب تربوي محدد مع الطفل، مشيراً إلى أنه إذا لم يكن هناك اتفاق يكون هناك مشكلة في الطفل نفسه وقدرته على التمييز. ويشدد المعالج عما إذا كان هناك إهمال أو تجاهل تام من قبل الوالدين للطفل أو اهتمام ودلع زائد أو في كبت وقهر وتسلط. ويعاين أيضاً وضع الطفل في الأسرة وما إذا كان الابن الغالي أي إنه جاء بعد معاناة أو الابن الوحيد أو جاء في الكبر، وبالتالي يقوم الأهل بتعزيز الأنا في داخله وقوة الذات بصورة مبالغ فيها، وتكون النتيجة أنه يتنمر على الآخرين بحكم الانعكاسات التربوية التي استقاها من الوالدين في أسلوب تربوي غير سوي. ويوضح الجيلي أن الطفل المتنمر يعاني من أحد هذه العوارض. ويؤكد أن معظم الحالات التي شخصت التشخيص الصحيح وفقا للمعايير المتبعة في العوين التي يقوم بها فريق علاجي متكامل فيه الطبيب النفسي والاستشاري النفسي واختصاصي الخدمة الاجتماعية والعلاج الوظائفي أن أكثر من %75 من الأطفال المتنمرين تم تعديل سلوكهم. ويشير إلى أن الخطة العلاجية تركز على الطفل في المقام الأول لتعديل سلوكه وفي المرحلة الثانية على الوالدين كل على حدا. ويعتبر أن العلاج يأخذ وقتا أقل في حال نشأ الطفل في كنف أسرة واعية ومتفهمة، ولكن كان هناك في مراحل حياتها بعض الإخفاقات وعدل الأهل من طريقة تربيتهم وأسلوبهم بالتالي فإن ذلك ينبئ بأن الطفل سيعدل سلوكه أفضل من طفل والداه غير متفقين على أسلوب معين، فهذا يتطلب وقتا أطول، مشيراً إلى أن هناك بعض الأهل يلتزمون بالإرشادات التي يطلبها المعالج، بالمقابل هناك أسر قد تشغلهم الحياة ولا يهتمون لإرشادات الطبيب المعالج. المتنمر عليه إلى ذلك، يتطرق الجيلي إلى الوضع النفسي للطفل المتنمر عليه فيكون لديه ضعفا في الأنا وتقدير الذات، وبالتالي يدخل في حالة من الهوان والضعف. ويوضح أن البرنامج العلاجي يركز على خطوات بناء الثقة بالنفس وتقدير الذات وكيفية الاستفادة من مهاراته ونطلب من الوالدين أن يعملوا على توظيف القدرات وينمو عند الطفل الثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرار والإرادة والتصرف السوي مهما كانت طبيعة الموقف. ويعلل أسباب هذا الضعف لدى المتنمر عليه بأن الطفل الذي ينشأ في كنف أسرة دائما تسخر منه ولا تقدره كإنسان ويواجه دائما الصدود وعدم احترام إنسانيته، وهذا ينشئ داخله نوعا من الضعف، بينما المتنمر يغرس أهله فيه أنه أفضل شخص وما دونه أقل منه. دراسة حول التنمر من جهته، يقول الدكتور العياشي عنصر رئيس البحوث والدراسات بالعوين إن مركز التأهيل الاجتماعي يهتم بدراسة المظاهر الاجتماعية التي تهم المجتمع القطري ومن ضمنها ظاهرة التنمر في الوسط الطلابي التي لها آثار سلبية على الطالب نفسه وأسرته والمدرسة وعلى أدائه المدرسي وبالتالي فهي ظاهرة تستحق أن تبحث والمركز بالنظر إلى رؤيته واستراتيجيته مهتم بالبحث في الظواهر التي تهم المجتمع، لذلك رأى أن يقوم بدراسة معمقة مبنية على أسس علمية لظاهرة التنمر. ويؤكد أن هذه الدراسة لأول مرة تجرى في قطر حول موضوع التنمر، وهو بصدد إعداد هذه الدراسة وستشمل عينة تمثل كل مدارس الدولة في المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية من الصبيان والبنات وبشراكة مع المجلس الأعلى للتعليم. ويوضح أن الدراسة ستستغرق ستة أشهر وتشمل المدرسة والبيئة المدرسية ممثلة بالاختصاصي الاجتماعي ومسؤولي المدارس. ويشير إلى أن المركز قرر عمل هذه الدراسة بناء على شكاوى المدارس من أن هناك حالة تحتاج إلى دراسة واهتمام. ويرى العياشي أن التنمر هو سلوك عدواني يأخذ أشكالا مختلفة قد يكون لفظيا أو جسمانيا أو عملية ابتزاز وسخرية وقد يمارس بصفة فردية أو جماعية وممكن أن يكون بين الصبيان والبنات ولكنه منتشر أكثر بين الصبيان.